الدرس في شرح فتح المجيد 82، ألقاها
يشرح المقطع الباب الثاني من كتاب التوحيد ويتناول تفسير آية النازعات، مبينا أن المقصود بالآية هم الملائكة وأن كلام الله ليس بمخلوق. كما يبين أن الملائكة المقربون لا يعلمون الغيب إلا ما أعلمهم الله به.
يناقش اعتقاد أهل السنة والجماعة في علو الله واستواءه على العرش، مستدلا بالقرآن والسنة وإجماع السلف، ويبين أن من ينكر هذه العقيدة يعتبر معطلا وكافرا.
يشرح كيف تسمع الملائكة صوت الله عند الوحي وتتناقله الشياطين لمسترق السمع، ويبين كذب المنافقين على الرسول وتنبؤاتهم الخاطئة.
بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا، ثم ما بعد. فنقرأ أسئلة الباب الماضي، فهو باب قول الله تعالى: ﴿أشركون ما لا يخلق شيئا﴾ إلى آخره. وكالعادة الأسئلة الثلاثة الأولى، والسؤال الرابع -يعني السؤال الأول- كالعادة: ما علاقة الباب بكتاب التوحيد؟ الثاني: ما علاقة الباب بالباب الذي قبله؟ الثالث: ما علاقة الأدلة بالباب؟ الرابع: ما هي الأسباب التي ينتفع بها أو الذي ينفع المدعو بها داعيه؟ الثاني أو الخامس: ما الفرق بين الحمد والمدح؟ السادس: في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «كيف يفلح قوم شجوا نبيهم» ما لا يستفاد من هذا الحديث؟ السابع: في قوله تعالى: ﴿ليس لك من الأمر شيء﴾ ما لا يستفاد منه أيضا؟ الثامن: ما معنى «سمع الله لمن حمده»؟ التاسع: في قوله «ربنا ولك الحمد» ما معنى «ربنا ولك الحمد»؟ العاشر: الحمد يتضمن جميع أفراد الحمد المحققة والمقدرة، ما معنى المحققة والمقدرة؟ من قال: إن أهل السنة والجماعة لا يحبون الصالحين لماذا قال هذا؟ وما الجواب عليه؟ وكذلك الذي يليه، من قال: إن أهل السنة يتنقصون رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما وجه ذلك بزعمهم؟ وما الجواب عليه؟ طيب، وسؤال الأخير في قول الله عز وجل: ﴿وإذ قال الله يعيسى بن مريم﴾ إلى آخر الآيات التي ذكرها الشيخ رحمه الله تعالى في آخر الكتاب، في هذه الآيات دلالة على إثبات التوحيد من وجوه كثيرة، وذكرنا منها الآن ستة. قال المؤلف رحمه الله تعالى: باب قول الله تعالى: ﴿حتى إذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلي الكبير﴾. قوله رحمه الله تعالى ها هنا أيضا: باب قول الله تعالى... وهذا كما ترون ثاني الأبواب التي يبوب عليها الشيخ رحمه الله تعالى، ويذكر في الباب آية، فيكون أو فيكون في هذه الآية دليل ومدلول، دليل: أي أن هذه الآية دليل على معنى أراده الشيخ، دليل: أي حجة وبيان لمدلول أراده الشيخ رحمه الله تعالى بهذا الباب، فقد يقول قائل: ما وجه هذا المدلول حتى يقال: بأن هذا أو هذه الآية دليل عليه؟ والجواب: أن سباق الآية وسياقها يدل على المعنى المقصود للآية واضحة، وذلك أن الله جل وعلا قال قبل هذه الآية: ﴿قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض وما لهم فيهما من شرك وما له منهم من ظهير﴾، قال: ﴿ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له حتى إذا فزع عن قلوبهم﴾، واضح جماعة، هذا سياقها، ولحاقها: قال سبحانه وتعالى بعد ذلك: ﴿حتى إذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلي الكبير﴾، قال الله جل وعلا: ﴿قل من يرزقكم من السماوات والأرض قل الله وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين﴾، أو في ضلال مبين، إذا تبين سباق الآية ولحاقها كذلك تبين المقصود واضح جماعة أم لا؟ الله جل وعلا يقول: ﴿قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض وما لهم فيهما من شرك وما لهم منهم من ظهير﴾، قال: ﴿ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له حتى إذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم﴾، فسياق الآيات يبين أو يبين أن مقصود الشيخ رحمه الله تعالى في إيرادها ها هنا: من أن هؤلاء المدعوين الذين دعوهم مع الله جل وعلا وأشركوا بهم مع الله جل وعلا لا يملكون شيئا، لا يملكون شيئا، وهذا التبويب كالباب الذي قبله في قول الله جل وعلا: ﴿أشركون ما لا يخلق شيئا﴾، وهو كذلك فيه بيان لما تقدم أيضا من الأبواب السابقة: من بيان أن هؤلاء المستغيثين بغير الله جل وعلا أو المستعيذين بغير الله جل وعلا أو الناذرين لغير الله جل وعلا أو المتبركين بغير الله جل وعلا: فيه أنهم لا يملكون شيئا، فهم إذا يعبدون من دون الله جل وعلا من يطمعون فيهم النفع والضر، وحقيقة أمر هؤلاء المدعوين: أنهم ماذا؟ أنهم لا يملكون شيئا، لا يملكون كشف الضر ولا تحويلا، كما هو واضح في هذه الآيات: ﴿قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض﴾، واضح هذا جماعة، هذا وجه، هذا وجه لهذا المعنى المذكور، وهو يبين لنا كذلك السبب الذي لأجله ذكر الشيخ رحمه الله تعالى هذا الباب في كتاب التوحيد، هذا الباب في كتاب التوحيد، هذا أمر، وأمر ثاني: وأمر ثاني: فيه أن هذا الباب كذلك الذي ذكره الشيخ رحمه الله تعالى ها هنا، وذكره بعد الأبواب السابقة: ذكره لأجل أن يبرهن على أن الله هو المستحق للعبادة وحده، على أن الله جل وعلا هو المستحق للعبادة وحده، لماذا؟ لأنه هو المتصف بصفات الجلال والكمال والكبرياء والعظمة، حتى إن الملائكة وهم من عباد الله المكرمين ولهم من الصفات العظيمة: تصيبهم غشية إذا تكلم الله بالوحي، وهذا إن دل على شيء: دل على عظمة الله جل وعلا، وإذا كان كذلك فهو ماذا؟ فهو المستحق للعبادة وحده، واضح جماعة لا، ووجه ثالث: وهو أن الملائكة إذا كانوا -إذا كان الملائكة- إذا كان الملائكة المقربين: تصيبهم غشية من كلام الله، فإذا فزع عن قلوبهم قالوا: «ماذا قال ربكم» دل على أنهم لا يعلمون شيئا من الغيب، دل على أنهم لا يعلمون شيئا من الغيب إلا ما أعلمهم الله به، وأنهم فقراء إلى الله جل وعلا في كل شيء، فكيف بعد هذا يعبدون مع الله؟ واضح جماعة لا، وهذا يجرنا إلى معرفة المناسبة كذلك بين الباب والباب الذي قبله، وهو أن الباب الأول: فيه بيان أن من أشرك بالله جل وعلا مخلوقا مربوبا، الباب الذي قبله: فيه أن من أشرك مع الله مخلوقا مربوبا، بين الشيخ رحمه الله تعالى في أثناء أدلة الباب -وكلها تصب في مصب واحد-: أن ذلك المعبود الذي عبد مع الله جل وعلا ولو كان من كان من الصالحين: فإنه لا يغني شيئا، لذا ذكر الشيخ رحمه الله تعالى في الباب السابق -كما مر معنا في الأدلة-: أن نبينا صلى الله عليه وسلم هو نبينا وهو خير خلق الله جل وعلا: لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا، ولا يعلم شيئا من الغيب إلا ما أعلمه الله جل وعلا به، واضح جماعة لا، وهاهنا كذلك: الملائكة كذلك، واضح جماعة، وهاهنا كذلك: الملائكة لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا، ولا يعلمون من الغيب شيئا إلا ماذا؟ إلا ما أعلمهم الله جل وعلا به، فهذا يدلنا على ماذا؟ على أنه لا يستحق العبادة أحد إلا الله، ولو كان ماذا؟ ولو كان نبيا مرسلا أو كان ملكا مقربا، واضح جماعة لا، في هذا الباب يتكلم على الملائكة، وفي الباب الذي قبل: يتكلم على نبينا صلى الله عليه وسلم، وأشار في أثناء ذلك على عيسى عليه السلام، واضح جماعة لا، فكان من المناسبة بين البابين: أن أحدا لا يستحق العبادة ولو كان ماذا؟ ولو كان نبيا مرسلا أو كان ملكا مقربا أو كان ملكا مقربا، فعَلاقة الباب بالباب -وهذا المعنى-: أنه لا يستحق العبادة أحد مع الله جل وعلا ولو كان أقرب قريب، ولو كان نبيا مرسلا كما في الباب الأول، أو ملكا مقربا كما في هذا الباب، واضح جماعة أم لا؟ قال الشارح رحمه الله تعالى: قوله «حتى إذا فزع عن قلوبهم» أي: زال الفزع عنها، قاله ابن عباس وابن عمر وأبو عبد الرحمن السلمي والشعبي والحسن وغيرهم، وقال ابن جرير: ذكر هذا ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسيره عند هذه الآية عن هؤلاء، قال رحمه الله تعالى: فقال ابن جرير: قال بعضهم: الذي فزع عن قلوبهم الملائكة، قالوا: وإنما فزع عن قلوبهم من غشية تصيبهم عند سماعهم كلام الله بالوحي، وقال ابن عطية: في الكلام حذف يدل عليه الظاهر، كأنه قال: «ولا هم شفعاء كما تزعمون أنتم»، بل هم عبادة مسلمون أبدا -يعني منقادون- «حتى إذا فزع عن قلوبهم» والمراد الملائكة على ما اختاره ابن جرير وغيره. قوله رحمه الله تعالى: «وقال ابن جرير: الذي فزع عن قلوبهم الملائكة»، وهذا فيه إشارة إلى أن ثم خلافا في هؤلاء: هل هم الملائكة أم غيرهم؟ والذي اختاره ابن جرير، وكذلك اختاره ابن كثير وغيرهم من المحققين: هو الحق، وأنهم هم الملائكة، لأن هذا الأمر وضحه وبينه أعلم الخلق بربه جل وعلا: وهو نبينا صلى الله عليه وسلم، وإذا جاء نهر الله: بطل نهر معقل، إذا جاء الخبر من رسول الله صلى الله عليه وسلم، والتفسير من رسول الله صلى الله عليه وسلم، والبيان من رسول الله صلى الله عليه وسلم لكتاب الله جل وعلا: فلا يحتاج الإنسان إلى أن ينظر إلى غيره، واضح جماعة أم لا؟ وهذا وهاهنا الأمر كذلك، ما سيأتي بيانه: من أن النبي صلى الله عليه وسلم بين أن هؤلاء الذين فزع عن قلوبهم هم الملائكة. قوله: «قالوا وإنما فزع عن قلوبهم من غشية تصيبهم عند سماعهم كلام الله بالوحي»، قال العلماء رحمهم الله تعالى: وهذا إن دل على شيء: دل على عظيم علم الملائكة بربهم جل وعلا، على عظيم علم الملائكة بربهم جل وعلا وتعظيمهم لربهم جل وعلا، فهم إذا سمعوا كلام الله جل وعلا بالوحي: أصابتهم هذه الغشية، وهذا يدل كذلك على عظمة الله جل وعلا وعلى جلاله سبحانه وتعالى. وقال: قال ابن عطية: في الكلام حق، ويدل عليه الظاهر -أي الظاهر من سياق الآيات- قال: كأنه قال: «ولا هم شفعاء كما تزعمون أنتم» -أي في الآية في سياق الآية أو في سباق الآية- قال الله جل وعلا: ﴿ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له حتى إذا فزع عن قلوبهم﴾، واضح جماعة، يقول ابن عطية: ها هنا في الكلام ماذا؟ في الكلام حذف يدل عليه ماذا؟ الظاهر، قال: كأنه قال: «ولا هم شفعاء كما تزعمون أنتم»، ولا هم شفعاء كما تزعمون أنتم: بل هم عبدة مسلمون أبدا -يعني منقادون- «حتى إذا فزع عن قلوبهم»، واضح جماعة، فهاهنا حذف تقديره: ألي ذكره ابن عطية رحمه الله تعالى يدل عليه ماذا؟ يدل عليه سياق الآية، واضح هذا جماعة أم لا؟ فقال رحمه الله تعالى: قال ابن كثير: وهو الحق الذي لا مرية فيه لصحة الأحاديث فيه والآثار: من أنهم الملائكة، الحق الذي لا مرية فيه: من أن الذين فزع عن قلوبهم هم الملائكة. قال رحمه الله تعالى: وقال أبو حيان: «تظاهرت الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم تظاهرت الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أن قوله حتى إذا فزع عن قلوبهم إنما هي في الملائكة إذا سمعت الوحي إلى جبريل يأمره الله به: سمعت تجر سلسلة الحديث على الطفوان، فتفزع عند ذلك تعظيما وهيبة»، قال: «وبهذا المعنى من ذكر الملائكة في صدر الآية: تتسق هذه الآية على الأولى»، ومن لم يصر أن الملائكة مشار إليهم من أول قوله: ﴿الذين زعمتم﴾ لم تتصل له هذه الآية بما قبلها، وهذا كذلك يدل على ما تقدم: من أن المقصود بهذه الآية هم الملائكة. قوله رحمه الله تعالى: قوله «قالوا ماذا قال ربكم» ولم يقولوا «ماذا خلق ربنا»، ولو كان كلام الله مخلوقا لقالوا: «ماذا خلق»، انتهى من شرح سنن بن ماجة، وهذا يبين كذلك: أن الله جل وعلا يتكلم بكلام حقيقي بصوت وحرف وبصوت مسموع، وبصوت مسموع، إذ أن الملائكة لما سمعوا كلام الله جل وعلا: حصل لهم هذا غشية، ولو كان كلام الله نفسانيا -كما تقول الأشاعرة- لما حصل هذا المعنى، ولو لم يكن كلام الله جل وعلا حقيقيا، وأن الله جل وعلا تكلم به كلاما حقيقيا بصوت وحرف: وأنه ليس بمخلوق لما حصل كذلك هذا الغشي للملائكة، ولما حصل لهم هذا الاستفهام بقول: «ماذا قال ربكم» ثم الجواب بعد ذلك بقولهم: «قالوا الحق وهو العلي الكبير». قوله رحمه الله تعالى: ومثل الحديث «ماذا قال ربنا يا جبريل» وأمثال هذا في الكتاب والسنة كثير، أي: تبين أن الله جل وعلا تكلم بكلام حقيقي بصوت وحرف، بصوت وحرف، فكلام الله جل وعلا: منه بدأ، فهو الذي ابتدأ الكلام، ومنه ظهر الكلام، وإليه يعود -أي نسبة- فكلام الله جل وعلا ليس بمخلوق كما تقوله الجهمية والمعتزلة ومن كان على شاكلتهم. قال رحمه الله تعالى: قوله «قالوا الحق» أي: قالوا: قال الله الحق، وذلك لأنهم إذا سمعوا كلام الله: سعقوا، ثم إذا أفاقوا: أخذوا يسألون فيقولون: «ماذا قال ربكم» فيقولون: «قال الحق»، قوله: «وهو العلي» يعني: الآن في قوله: «حتى إذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق» كما هو ظاهر، كأن في الكلام كذلك ماذا؟ حذف وتقدير، فالشيخ رحمه الله تعالى يقول ها هنا: «قالوا الحق» أي: قالوا: قال الله الحق، واضح جماعة، بعد أن فزع عن قلوبهم قالوا: «ماذا قال ربكم» وجاء -كما جاء في الأثر-: أنهم يسألون جبريل عليه السلام فيقولون: «يا جبريل ماذا قال ربنا» فيقول: «قال الحق وهو العلي الكبير»، فيقولون: «قال الحق وهو العلي الكبير». قوله رحمه الله تعالى: قوله «وهو العلي الكبير» علو القدر وعلو القهر وعلو الذات، فله العلو الكامل من جميع الوجوه، كما قال عبد الله بن المبارك: لما قيل له: بماذا نعرف ربنا؟ قال: بأنه على عرشه بائن من خلقه، تمسكا منه بالقرآن: بقول الله تعالى: ﴿الرحمن على العرش استوى﴾، ثم استوى على العرش الرحمن في سبعة مواضع من القرآن. قوله رحمه الله تعالى: «وهو العلي الكبير» قال: علو القدر وعلو القهر، وهذا متفق عليه بين جميع الأمة، هذا الأمران متفق عليهما بين جميع الأمة، وإنما وقع الخلاف بين السنة والجماعة وبين غيرهم: في النوع الثالث، وهو علو الذات، وهو علو الذات، فالسنة والجماعة: أثبتوا لله جل وعلا جميع معاني العلو: علو القهر، وكذلك علو القدر، وكذلك علو الذات، وكذلك علو الذات، وخالفهم جميع الطوائف: فلم يقولوا بهذا الثالث، فلم يقولوا بهذا الثالث، وإذا كان كذلك: فإذا لم يثبت لله جل وعلا العلو الذي يستحقه ربنا جل وعلا من جميع الوجوه: فهؤلاء معطلة، وقد نص غير واحد من الأئمة: فقال: إن من لم يقل: إن الله جل وعلا فوق سماواته، مستوى على عرشه: استواء يليق بجلاله سبحانه وتعالى: فإنه كافر، كافر بالله العظيم، لماذا؟ لأنه مكذب لكلام الله جل وعلا، ومكذب لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، مكذب لكتاب الله، ومكذب لسنة رسول الله، ولما أجمع عليه سلف هذه الأمة، فهذا ليذكره عن عبد الله بن مبارك: بقوله: «بماذا نعرف ربنا؟ قال: بأنه على عرشه بائن من خلقه»، هذا مجمع عليه بين السلف، مجمع عليه بين سلف الأمة، نقل عليه الإجماع غير واحد منهم: الإمامان الجليلان الحافظان أبو حاتم الرازي وأبو زرعة الرازي في عقيدتهما -في عقيدة الرازيين- نقل الإجماع: أن العلماء كلهم على هذا القول، على هذا القول، وذكره الشيخ رحمه الله تعالى هاهنا عن عبد الله بن مبارك: لأنه اجتهر عنه هذه المقالة، وهذا الأثر: رواه عنهم الصابوني رحمه الله تعالى في عقيدة السلف: بإسناد مسلسل بالعوفيين، بإسناد مسلسل بالعوفيين، ونقل هذه المقالة غير واحد -إمام رحمه الله تعالى- كشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في مواضع من كتبه، وكذلك العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى في مواضع من كتبهم رحمهم الله تعالى أجمعين. فالحاصل: أن هذه المقالة مقالة سنية سلفيه، قد نزل بها القرآن الكريم، وأجمع عليها الأئمة والصحابة قبل ذلك رضي الله عنهم ورحمهم الله. قال رحمه الله تعالى: قوله «الكبير» الذي لا أكبر منه ولا أعظم تبارك وتعالى، ومعنى «الكبير» كذلك في معنى من معاني ماذا؟ من معاني استحقاق الله جل وعلا لجميع معاني صفات الكمال، وتنزهه سبحانه وتعالى عن جميع النقائص والعيوب، عن جميع النقائص والعيوب، فهو العلي الكبير جل وعلا. قال المصنف رحمه الله تعالى: في الصحيح عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانا لقوله كأنه سلسلة على صفوان ينفذهم ذلك حتى إذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلي الكبير فيسمعها مسترق السمع ومسترق السمع هكذا بعضه فوق بعض وصفه سفيان بكفه فحرفها وبدد بين أصابعه فيسمع الكلمة فيلقيها إلى من تحته ثم يلقيها الآخر إلى من تحته حتى يلقيها على لسان الساحر أو الكاهن فربما أدركه الشهاب قبل أن يلقيها فربما ألقاها قبل أن يدركه فيكذب معها مئة كذبة فيقال أليس قد قال لنا يوم كذا وكذا كذا وكذا فيصدق بتلك الكلمة التي سمعت من السماء». قال الشارح رحمه الله تعالى: قوله «في الصحيح» أي: صحيح البخاري، قوله «إذا قضى الله الأمر في السماء» أي: إذا تكلم الله بالأمر الذي يوحيه إلى جبريل بما أراده -كما صرح به في الحديث الآتي- وهذا كذلك فيه دليل آخر من دلائل أهل السنة والجماعة في صفة كلام الله جل وعلا، وفيه بيان المرتبة الثالثة من مراتب إنزال القرآن، فالقرآن له ثلاث مراتب، إنزال القرآن له ثلاث مراتب: المرتبة الأولى: إنزاله إلى اللوح المحفوظ، كما قال الله جل وعلا: ﴿وإنه في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم﴾، المرتبة الثانية: مرتبة إنزاله إلى بيت العزة -إلى بيت العزة- وذلك كان في شهر رمضان في ليلة القدر في ليلة القدر، كما قال الله جل وعلا: ﴿إنا أنزلناه في ليلة القدر﴾ إلى آخر الآيات، وقال الله جل وعلا كذلك في كتاب الكريم: ﴿إنا أنزلناه في ليلة مباركة إنا كنا منزلين فيها يخرق كل أمر حكيم أمرا من عندنا إنا كنا منذرين﴾، فأنزل الله جل وعلا إلى بيت العزة في شهر رمضان، قال الله جل وعلا: ﴿شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن﴾ الذي أنزل فيه ماذا؟ القرآن، فالقرآن أنزل متى؟ في شهر رمضان، هذه المرتبة الثانية، المرتبة الثالثة: إنزال القرآن منجما على رسول الله صلى الله عليه وسلم في خلال عشرين سنة على حسب ماذا؟ الحوادث، وعلى حسب الأمور التي أرادها الله جل وعلا: يكلم الله جل وعلا بها جبريل، فينزله جبريل عليه السلام من ربه جل وعلا إلى محمد صلى الله عليه وسلم، فالقرآن الذي نزل به جبريل من ربه جل وعلا: هو المسموع، وليس هو المقروء -لا المقروء في بيت العزة- أي: الذي نزل في بيت العزة، ولا الذي في اللوح المحفوظ، بل الذي نزل به جبريل عليه السلام: هو القرآن المسموع الذي سمعه جبريل عليه السلام من ربه جل وعلا، فأنزله جبريل على نبينا صلى الله عليه وسلم، ولا منافاة بين كونه مكتوبا في اللوح المحفوظ، وبين كونه أنزل إلى بيت العزة، وبين كونه أنزل منجما على حسب الحوادث، وعلى حسب ما أراد الله جل وعلا، وهذا الحديث يدل على هذا المعنى، وهذه المراتب: المسلمون مجمعون عليها، نقل الإجماع عليها غير واحد، نقله الحافظ ابن كثير، ونقله كذلك ابن قدامة، ونقله كذلك القرطبي وغير واحد من الأئمة رحمهم الله تعالى، فالحاصل: أن في الحديث دلالة واضحة واضحة على أن القرآن الذي أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم هو ماذا؟ هو المسموع، أليس كلام الله جل وعلا به مع جبريل، ونزل به جبريل على محمد صلى الله عليه وسلم؟ قال رحمه الله تعالى: وكما روى سعيد بن منصور وأبو داود وابن جرير عن ابن مسعود: «إذا تكلم الله بالوحي سمع أهل السماوات صلصلة كجر السلسلة على الصفوان»، طيب، هذا الحديث -كما ذكر رحمه الله تعالى- رواه المذكورون، ومنهم أبو داود وغيره، ومنهم من رواه مرفوعا، ومنهم من رواه موقوفا، والموقوف هو الصواب، والموقوف هو الصواب، والشيخ رحمه الله تعالى ها هنا ذكره قال عن عبد الله بن مسعود، فيحتمل أنه أراد المرفوع، ويحتمل أنه أراد الموقوف، وكما سمعتم: أن الصحيح في الوقت -وقد تكلمنا عليه- على طرقه في كتاب «فتح رب العباد»، والحاصل: وإن كان موقوفا إلا أن له حكم الرفع، وإن كان موقوفا إلا أن له حكم الرفع، لأن مثل هذا لا يقال من قبيل الرأي، والشاهد منه: أنه قال: «إذا تكلم الله بالوحي سمع أهل السماوات صلصلة كجر سلسلة على الصفوان»، وهذا يدل على ماذا؟ على أن كلام الله جل وعلا بصوت يسمع، واضح جماعة، يدل على أن كلام الله جل وعلا بصوت يسمع. قوله رحمه الله تعالى: وروى ابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس قال: «لما أوحى الجبار إلى محمد صلى الله عليه وسلم دعا الرسول من الملائكة ليبعثه بالوحي، فسمعت الملائكة صوت الجبار يتكلم بالوحي، فلما كشف عن قلوبهم سألوا عما قال الله، فقالوا الحق وعلموا أن الله لا يقول إلا حقا»، طيب، وهذا الأثر أو قول هذا الحديث عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: ذكره السيوطي في «الدور المنثور» عن ابن أبي حاتم وابن مردويه، ورواه كذلك ابن جرير الطبري رحمه الله تعالى: بسند مسلسل بالعوفيين، مسلسل بالعوفيين، وهذه السلسلة ضعيفة، بل وفي سنائها من هو ضعيف جدا من العوفيين، من هو ضعيف جدا في هذه السلسلة: كسعيد بن محمد بن حسن العوفي، قد قيل فيه بأنه ماذا؟ بأنه منكر الحديث، فالحاصل: أن هذا الحديث عن عبد الله بن عباس لا يصح، وقد صح غيره -كما مر- سيأتي. قوله رحمه الله تعالى: قوله «ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانا لقوله» أي: لقول الله تعالى، قال الحافظ: «خضعانا» بفتحتين من الخضوع، وفي رواية: بضم أوله وسكون ثانيه، وهو مصدر بمعنى خاضعين، قوله «كأنه سلسلة على صفوان» أي: كأن الصوت المسموع سلسلة على صفوان، وهو الحجر الأملس، والصفوان هو الحجر الأملس معروف يا جماعة، الصفوان هو الحجر الأملس، يقال فيه بأنه ماذا؟ صفوان، خضع. قوله رحمه الله تعالى: قوله «ينفذهم ذلك» هو بفتح التحتية وسكون النون وضم الفاء والذال المعجمة، ذلك: أي القول، والضمير فيه «ينفذهم» للملائكة، أي: ينفذ ذلك القول الملائكة، أي: يخلص ذلك القول ويمضي فيهم حتى يفزعوا منه، وعند ابن مردويه من حديث ابن عباس: «فلا ينزل على أهل السماء إلا صعقة»، طيب، وهذا كذلك ذكره السيوطي في «الدور المنثور»، وذكر أنه أخرجه البيهقي، ابن أبي شيبة، ابن مردويه، وأبو نعيم -أو أبو نعيم- في «الدلائل» على ابن عباس. قوله رحمه الله تعالى: وعند أبي داود وغيره مرفوعا: «إذا تكلم الله بالوحي تمع أهل السماء الدنيا صلصلة كجر السلسلة على الصفاء ويسعقون فلا يزالون كذلك حتى يأتيهم جبريل» الحديث، وهذا تقدم معنا قريبا في حديث عبد الله بن مسعود. قوله رحمه الله تعالى: قوله «حتى إذا فزع عن قلوبهم» تقدم معناه، قوله «قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق» أي: قالوا: قال الله الحق، علموا أنه لا يقول إلا الحق. قوله «فيسمعها مسترق السمع» أي: يسمع الكلمة التي قضاها الله، وهم الشياطين: يركب بعضهم بعضا، وبصحيح البخاري عن عائشة مرفوعا: «إن الملائكة تنزل في العنان -وهو السحاب- فتذكر الأمر الذي قضي في السماء، فتسترق الشياطين السمع، فتوحيه إلى الكهان»، قوله «ومسترق السمع هكذا» وصفه سفيان بكفه، أي: وصف ركوب بعضهم فوق بعض، وسفيان هو ابن عيينة، أبو محمد الهلالي الكوفي ثم المكي، ثقة حافظ فقيه إمام حجة، مات سنة ثمان وتسعين ومئة، وله إحدى وتسعون سنة. قوله «فحرفها» بحاء مهملة وراء مشددة وفاء، قوله «وبدد» أي: فرق بين أصابعه، قوله «فيسمع الكلمة فيلقيها إلى من تحته» أي: يسمع الفوقاني الكلمة فيلقيها إلى آخر تحته، ثم يلقيها إلى من تحته حتى يلقيها على لسان الساحر أو الكاهن، طيب، فالحاصل: أنه كما ذكر رحمه الله تعالى: أن الكلام الذي يحصل بين الملائكة حتى إذا وصل ودنا إلى السماء الدنيا: استرق مسترق السمع من الشياطين بعض الكلمات التي يسمعونها في السماء الدنيا، فيتناقلونها واحدا بعد الآخر حتى يصل إلى الآخر، ثم يصلون بها إلى الساحر أو الكاهن، وكما جاء في الأحاديث: أنه يكذب معها مئة كذبة، وسيأتي بيان هذا، وفي قول سفيان بن عيينة: أنه بدد يده، بعض أهل العلم يقول: أنه فرق أصابعه، فرق أصابعه، وأنه وضع أصابعه فوق الأصابع على هذه الهيئة، أي: فرق أصابعه وجعل الأصابع فوق الأصابع -كانوا متراصين- أصابع فوق ماذا؟ يعني واحد فوق الآخر على هذه الهيئة، أو على هذه الهيئة، أنهم كل واحد فوق ماذا؟ فوق الآخر، وهذا يدل على ماذا؟ يدل على أنه عندهم قوة، وعندهم ماذا؟ مع صغر يعني الذي فوق، أليس يحمل من هؤلاء؟ لكن سبحان الله، فالحاصل: أنهم عندهم ماذا؟ يعني حرص على استراق السمع، وعلى الشر: حتى يغووا الناس ويضلوا الناس. قوله رحمه الله تعالى: قوله «فربما أدركه الشهاب قبل أن يلقيها» الشهاب هو النجم الذي يرمى، أي: ربما أدرك الشهاب المسترق، وهذا يدل على أن الرمي بالشهب: كان قبل المبعث، لما روى أحمد وغيره، والسياق له في المسند: من طريق معمر قال: أنبأنا الزهري عن علي بن حسين -علي بن عباس- قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم جالسا في نفر من أصحابه» قال عبد الرزاق: «من الأنصار»، قال: «فرمي بنجم عظيم فاستنار»، قال: «ما كنتم تقولون إذا كان مثل هذا في الجاهلية؟» قالوا: «كنا نقول: لعله يولد عظيم أو يموت عظيم»، قلت للزهري: «أكان يرمى في الجاهلية؟» قال: «نعم، ولكن غلطت -ولكن غلطت حين- ولكن غلطت حين أو غلطت -غلطت- ولكن غلطت حين غلطت -غلطت- ولكن غلطت حين بعث النبي صلى الله عليه وسلم»، قال: «فإنه لا يرمى بها لموت أحد ولا لحياته، ولكن ربنا تبارك اسمه إذا قضى أمرا»... ثم يخبر أهل كل سماء سماء حتى ينتهي الخبر إلى هذه السماء، ويخطف الجن السمع فيرمون، فمما جاءوا به على وجهه: فهو حق، ولكنهم يقرفون فيه ويزيدون، قال عبد الله: قال أبي: قال عبد الرزاق: «ويخطف الجن ويرمون»، وفي رواية له: «لكنهم يزيدون فيه ويقلبون وينقصون»، طيب، هذا الحديث صحيح، وأصله كذلك في صحيح مسلم، أصله في صحيح مسلم، وفي مسلم أحمد كذلك، صحيح أحمد: رواه من طريقين عن معمر عن الزهري عن علي بن حسين عن عباس. قوله رحمه الله تعالى: قوله «فيكذب معها مئة كذبة» أي: الكاهن أو الساحر، وكذبة: بفتح الكاف وسكون الزال المعجمة، قوله «فيقال أليس قد قال لنا يوم كذا وكذا كذا وكذا» هكذا في نسخة بخط مصنف رحمه الله: كالذي في صحيح البخاري سواء، قال المصنف: «وفيه قبول النفوس للباطل: يتعلقون بواحدة ولا يعتبرون بمئة»، وهذا من العجب العجاب، وهذا من العجب العجاب، يعني: مئة كذبة يكذب، لا يلقون لها بالا، وكلمة واحدة أصاب فيها: يقول «هذه هذا هذا»، يدل على ماذا؟ يدل على ما يزخرفه الشيطان للناس من الباطل، إذ أن الكلمة الواحدة من الحق: وقد مزجت بمئة كلمة من الكذب، ما هذه الكلمة بالنسبة لمئة كذبة؟ لا شيء، ومع هذا ماذا؟ يتعلقون بهذه الكلمة، ويتركون ماذا؟ ما وقع منهم من الكذب، يعني: يأتي يوم يكذب عليهم، واليوم الثاني واليوم الثالث، أو في يوم واحد ربما كذب عليهم، يقول لهم: «سيحصل كذا وكذا»، ولا يحصل، أو «لن يحصل كذا كذا»، ويحصل، يقولون: «قد قال يوم كذا كذا»، فقد أصاب، وقد أصاب، ووضح