شرح فتح المجيد 98

الدرس في شرح فتح المجيد 98، ألقاها

معجزات النبي واتساع ملك الأمة

يشرح المقطع الأول معجزات النبي مثل طي الأرض ورؤية مشارقها ومغاربها، ويتنبأ باتساع ملك أمته. كما يشرح تفاصيل الحديث مثل إعطاء الكنزين الأحمر والأبيض.

تحذير النبي من الأئمة المضلين

يشرح المقطع الثاني حديثا يدل على أن الخوف الحقيقي على الأمة هو من الأئمة المضلين الذين يدعون إلى عبادتهم من دون الله، ويشير إلى أمثلة من ضلالهم.

ضلالات الصوفية وادعاءاتهم الباطلة

يتناول المقطع الثالث ضلالات الصوفية في ادعاء إعفاء الأولياء من التكاليف الشرعية وادعاء بعضهم العلم بالغيب، ويبين أن هذه الادعاءات باطلة.

خطورة الأئمة المضلين وأهمية الاتباع

يشرح المقطع الرابع خطورة الأئمة المضلين على الأمة ويبين أهمية الاتباع والتحذير من الابتداع في الدين مستندا إلى أحاديث نبوية وقرآنية.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم قال المؤلف رحمه الله تعالى: قال المصلف رحمه الله تعالى: ولمسلم عن ثوبان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوي لي منها، وعطيت الكنزين الأحمر والأبيض، وإني سألت ربي لأمتي ألا يهلكها بسنة بعامة، فألا يسلط عليهم عدوا من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم، وإن ربي قال: يا محمد، إذا قضيت قضاء فإنه لا يرد، وإني أعطيتك لأمتي ألا أهلكهم بسنة بعامة، فألا أسلط عليهم عدوا من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم، ولو يجتمع عليهم من بأقطارها حتى يكون بعضهم يهلك بعضا ويسبي بعضهم بعضا». فرواه البرقاني في صحيحه، وزاد: «وإنما أخاف على أمتي الأئمة المضلين، وإذا وقع عليهم السيف لم يرفع إلى يوم القيامة، ولا تقوم الساعة حتى يلحق حي من أمتي بالمشركين، وحتى تعبد فئام من أمتي الأوثان». وإنه سيكون في أمتي كذابون ثلاثون، كلهم يزعم أنه نبي، وأنا خاتم النبيين لا نبي بعدي، ولا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورة، لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله تبارك وتعالى. طيب، بالنسبة لحديث، هذا الحديث، أي قوله: «وروى البرقاني في صحيحه»، الحديث كما ترون أصله في صحيح مسلم. وهذا الحديث رواه البرقاني وغيره، كذلك رواه الإمام أحمد رحمه الله، لكن من طريق معمر عن أيوب عن أبي الأشعث الصنعاني عن أبي أسماء الراحبي عن شداد بن أوس. وخالفه حماد بن زيد فرواه عن أيوب عن أبي قلابة عن أبي أسماء الراحبي عن ثوبان كما هو عندنا هنا. وحماد ومعمر وإن كانا من الحفاظ، إلا أن حماد بن زيد أعلم منه بحديث أيوب وأحفظ، فرواية حماد مقدمة في مثل هذه الحال. وهذه الطريق أخرجها كذلك مسلم، أي طريق حماد بن زيد من حديث ثوبان، فصح في الحديث أنه صحيح من حديث ثوبان. وقد يقول قائل: ما المانع أن يكون رواه على الوجهين؟ الأمر محتمل، الأمر محتمل أن يكون رواه عن شداد بن أوس وعن ثوبان. وإذا ذهبنا إلى الترجيح، فرواية حماد بن زيد أقوى؛ لأن حماد بن زيد أحفظ لحديث أيوب من معمر. والله تعالى أعلم. قال رحمه الله تعالى: قال الشارح رحمه الله تعالى: هذا الحديث رواه أبو داود في سننه، وابن ماجة. الزيادة التي ذكرها المصلف قوله: «عن ثوبان» هو مولى النبي صلى الله عليه وسلم، صحبه ولازمه، ونزل بعده الشام، ومات بحمص سنة 54. قوله: «زوى لي الأرض» قال التوربشتي: زويت الشيء جمعته وقبضته، يريد تقريبا البعيد منها حتى اطلع عليه اطلاعه على القريب. وحاصله أنه طوى الأرض وجعلها مجموعة كهيئة كف في مرات ينظرها. قال الطيبي: أي جمعها لي حتى أبصرت ما تملكه أمتي من أقصى المشارق والمغارب منها. وهذه من المعجزات؛ إذ أن الله جل وعلا طوى لنبيه صلى الله عليه وسلم الأرض حتى رأى مشرقها ومغربها. وهذا كما ترى من المعجزات التي أتانا ربنا جل وعلا نبيه صلى الله عليه وسلم. قال رحمه الله تعالى: قوله: «وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوي لي منها» قال القرطبي: هذا الخبر وجد مخبره كما قال، وكان ذلك من دلائل نبوته. وذلك أن ملك أمتي اتسع إلى أن بلغ أقصى طنجة، بالنون والجيم، الذي هو منتهى عمارة المغرب، إلى أقصى المشرق مما وراء خراسان، والنهر، وكثير من بلاد الهند والسند والصين. ولم يتسع ذلك الاتساع من جهة الجنوب والشمال. ولذلك لم يذكر عليه السلام أنه أريه، ولا أخبر أن ملك أمته يبلغه. معنى هذا أن في قوله صلى الله عليه وسلم: «وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوي لي منها»، أي ما بين المشرق والمغرب؛ لأن في الحديث: «إن الله زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوي لي منها». معنى هذا كما ذكر بعض أهل العلم. وهذا الكلام والتفسير أول من ذكره -فيما رأينا- القاضي عياض، أي في شرحه لصحيح مسلم، ثم تبعه على ذلك القرطبي، وأشار إليه الإمام النووي رحمه الله تعالى في شرحه لصحيح مسلم. وحاصله أن الحديث يفيد بأن الاتساع يكون من قبل المشرق والمغرب، الاتساع في هذا الملك يكون من قبل المشرق والمغرب. أما من جهة الجنوب والشمال، فإنه يكون الاتساع دون ذلك. الاتساع يكون من جهة الجنوب ومن جهة الشمال دون اتساعه من جهة المشرق والمغرب -على ما ذكر هؤلاء الأئمة رحمهم الله تعالى- استدلالا بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «فرأيت مشارقها ومغاربها»، «وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوي منها». هذا كما ترون. وإن قال قائل: إن هذا الحديث يحمل على أن قول النبي صلى الله عليه وسلم: «زوى لي الأرض» يدل على أن الأرض كلها زويت له. وقوله: «فرأيت مشارقها ومغاربها» يدل على أنه رأى كل أو نواحي هذه الأرض. وأن ملك أمته سيبلغ ما زوي له منها. إن قال قائل بهذا القول، فما أبعد ذلك. والله تعالى أعلم. قال رحمه الله تعالى: قوله: «زوي لي منها» يحتمل أن يكون مبنيا للفاعل، وأن يكون مبنيا للمفعول. قوله: «وعطيت الكنزين الأحمر والأبيض» قال القرطبي: يعني بهما كنز كسرى، وهو ملك الفرس، وكنز قيصر، وهو ملك الروم، وقصورهما وبلادهما. فقد قال صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده، ستنفقن كنزهما في سبيل الله». وعبر بالأحمر عن كنز قيصر؛ لأن الغالب عندهم كان الذهب، وبالأبيض عن كنز كسرى؛ لأن الغالب عندهم كان الجوهر والفضة. فالحاصل أنه -كما ذكر رحمه الله تعالى- أن الكنزين الأحمر يطلق على الذهب، والأبيض يطلق على الفضة. وما قاله القرطبي رحمه الله تعالى: أن النبي صلى الله عليه وسلم يعني بهما كنز كسرى، وهو ملك الفرس، وكنز قيصر، وهو ملك الروم، وقصورهما وبلادهما -إلى غير ما ذكر- يحمل على هذا: أن الله جل وعلا يفتح على نبيه صلى الله عليه وسلم وعلى أهل الإسلام هذه البلاد، وأنهم يتملكون كنوز هاتين الدولتين اللتين كانتا أعظم الدولتين آنذاك. قال رحمه الله تعالى: قوله: «وإني سألت ربي لأمتي ألا يهلكها بسنة بعامة» هكذا ثبت في أصل المصنف رحمه الله تعالى: «بعامة» بالباء، وهي رواية صحيحة في صحيح مسلم. وفي بعضها بحذفها. قال القرطبي: وكأنها جائزة؛ لأن «عامة» صفة السنة، والسنة الجدب الذي يكون به الهلاك العام، ويسمى القحط والقذب، ويجمع على سنين -كما قال تعالى: ﴿وَلَقَد أَخَذنا آلَ فِرعَونَ بِالسِنينَ﴾ [الأعراف: ١٣٠] أي بالقحط المتوالي- ومعنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: «وإني سألت ربي لأمتي أن لا يهلكها بسنة بعامة» -كما ذكر- أي لا يهلكها بالقحط الشديد. وقد جاء في الحديث أن الله عز وجل قد استجاب له ذلك؛ أي بمعنى أنه قد يحصل القحط، لكن في وقت دون وقت، وفي مكان دون مكان. قال رحمه الله تعالى: قوله: «وأن لا يسلط عليهم عدوا من سوى أنفسهم» أي من غيرهم من الكفار، من إهلاك بعضهم بعضا، وسبي بعضهم بعضا -كما هو مبسوط في التاريخ- فيما قبل إلى زماننا هذا. نسأل الله العفو والعافية. قوله: «فيستبيح بيضتهم» قال الجوهري: بيضة كل شيء حوزته، وبيضة القوم ساحتهم. وعلى هذا، فيكون معنى الحديث أن الله تعالى لا يسلط العدو على كافة المسلمين حتى يستبيح جميع ما حووه من البلاد والأرض. ولو اجتمع عليهم من بأقطار الأرض، وهي جوانبها. وقيل: بيضتهم معظمهم وجماعتهم. وانقلوا هذا حاصل: أن البيض يطلق على ما ذعي الجماعة. أن البيض قد يطلق ويراد به عامة الناس، وقد يراد به الأصل. أي يستحل بيضتهم، أي يستحل أصل الإسلام، فيقدحه ويقطعه من أصله. وهذا لا يكون -بحمد الله جل وعلا- وإذا حصل من الأعداء ما حصل، ربما يكون على قطر دون قطر، ومكان دون مكان، وبلد دون بلد، وفي زمن دون زمن. أما أن يحصل ذلك في كل بلاد الإسلام، فبحمد الله جل وعلا لا يحصل -بإذن الله جل وعلا- ذلك. قال رحمه الله تعالى: قوله: «حتى يكون بعضهم يهلك بعضا ويسبي بعضهم بعضا». والظاهر أن «حتى» عاطفة، أو تكون لانتهاء الغاية؛ أي أن أمر الأمة ينتهي إلى أن يكون بعضهم يهلك بعضا. الحديث. وقد يسلط بعضهم على بعض -كما هو الواقع- وذلك لكثرة اختلافهم وتفرقهم؛ أي بعضهم يسلط على بعض من أهل الإسلام. وهذا هو الحاصل. وهذا هو الحاصل. ومن قرأ التاريخ، رأى ذلك. رأى الحروب والقتال الذي حصل بين المسلمين أشد وأشد وأشد بكثير مما يحصل بين المسلمين وبين غيرهم. وإن لله وإن إليه راجعون. قال رحمه الله تعالى: قوله: «وإن ربي قال: يا محمد، إذا قضيت قضاء فإنه لا يرد» قال بعضهم: أي إذا حكمت حكما مبرما نافذا، فإنه لا يرد بشيء، ولا يقدر أحد على رده -كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ولا رد لما قضيت»- يعني يكون هذا قضاء بمعنى أن الله عز وجل قد حكم به حكما لا مرد فيه. حكم فيه حكما لا مرد فيه. وإذا كان كذلك، فلا رد لحكمه سبحانه وتعالى. قال رحمه الله تعالى: وهذا يتنزل على الحكم الكوني الذي إذا شاءه الله جل وعلا، فإنه لا يغير، ولا بد أن يقع. قال رحمه الله تعالى: قوله: «وروى البرقاني في صحيحه» هو الحافظ الكبير أبو بكر أحمد بن محمد بن أحمد بن غالب الخوارزمي الشافعي. ولد سنة ست وثلاثين وثلاثمائة، ومات سنة خمس وعشرين وأربعمائة. قال الخطيب: كان ثقة ورعا، لم نر في شيوخنا أثبت منه، عارفا بالفقه، كثير التصانيف. صنف مسندا ضمنه ما اجتمع عليه الصحيحان، وجمع حديث الثوري، وحديث شعبة، وطائفة. حسبك هذه التزكية من الإمام الخطيب البغدادي رحمه الله تعالى. يقول: لم نر في شيوخنا أثبت منه. هذه أو هذه التزكية تكفي من الإمام الخطيب البغدادي دلالة على مكانة الإمام البرقاني رحمه الله تعالى. قال رحمه الله تعالى: وهذا الحديث رواه أبو داود بتمامه في سنده إلى أبي قلابة عن أبي أسماء عن ثوبان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله -أو قال: إن ربي- زوى لي الأرض، فرأيت مشارق الأرض ومغاربها، وإن ملك أمتي سيبلغ ما زوي لي منها، وأعطيت الكنزين الأحمر والأبيض، وإني سألت ربي لأمتي ألا يهلكها بسنة عامة، ولا يسلط عليهم عدوا من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم. وإن ربي قال لي: يا محمد، إني إذا قضيت قضاء فإنه لا يرد، ولا أهلكهم بسنة عامة، ولا أسلط عليهم عدوا من سوى أنفسهم، لا يستبيح بيضتهم، ولو اجتمع عليهم من بأقطارها -أو قال: بأقطارها- حتى يكون بعضهم يهلك بعضا، وحتى يكون بعضهم يسبي بعضا. وإنما أخاف على أمتي الأئمة المضلين. وإذا وضع السيف في أمتي لم يرفع عنها إلى يوم القيامة، ولا تقوم الساعة حتى يلحق قبائل من أمتي بالمشركين، وحتى تعبد قبائل من أمتي الأوثان». وإنه سيكون في أمتي كذابون ثلاثون، كلهم يزعم أنه نبي، وأنا خاتم النبيين لا نبي بعدي، ولا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين، ثم اتفقا: لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله. وروى أبو داود أيضا عن عبد الله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «تدور رحى الإسلام لخمس وثلاثين، أو ست وثلاثين، أو سبع وثلاثين. فإن يهلكوا فسبيل من هلك، وإن يقوم لهم دينهم يقوم سبعين عاما». قال: قلت: أمنا بقي، أو مما مضى؟ قال: «مما مضى». وروى في سننه أيضا عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يتقارب الزمان، وينقص العلم، وتظهر الفتن، ويلقى الشح، ويكثر الهرج». قال: يا رسول الله، أي هو؟ قال: «القتل، القتل». وهذا الأخير في الصحيحين. قال رحمه الله تعالى: قوله: «وإنما أخاف على أمتي الأئمة المضلين» أي الأمراء والعلماء والعباد، ويحكمون فيهم بغير علم، فيضلونهم -كما قال تعالى: ﴿وَقَالوا رَبَّنا إِنّا أَطَعنا سادَتَنا وَكِبَرَآءَنا فَأَضَلُّونا السَّبيلَ﴾ [الأحزاب: ٦٧]. وكان بعض هؤلاء يقول لأصحابه: من كان له حاجة، فليأت إلى قبري، فإني أقضيها له. ولا خير في رجل يحجبه عن أصحابه ذراع من تراب -أو نحو هذا- يعني هذا من كلام بعض الأئمة المضلين. قال رحمه الله تعالى: وهذا هو الضلال البعيد، يدعو أصحابه إلى أن يعبدوه من دون الله، ويسألوه ما لا يقدر عليه من قضاء حاجاتهم وتفريج كرباتهم. فقد قال تعالى: ﴿يَدعو مِن دونِ اللَّهِ ما لا يَضُرُّهُ وَما لا يَنفَعُهُ ذلِكَ هُوَ الضَلالُ البَعيدُ﴾ [الحج: ١٢] يدعو لمن ضره أقرب من نفعه. ﴿لَبِئسَ المَولى وَلبِئسَ العَشيرُ﴾ [الحج: ١٣]. وقال تعالى: ﴿وَاتَّخَذوا مِن دونِهِ آلِهَةً لا يَخلُقونَ شَيئًا وَهُم يُخلَقونَ وَلا يَملِكونَ لِأَنفُسِهِم ضَرًّا وَلا نَفعًا وَلا يَملِكونَ مَوتًا وَلا حَياةً وَلا نُشورًا﴾ [الفرقان: ٣]. وقال تعالى: ﴿فَارتَقِ اللَّهِ الرِّزقَ وَاعبُدوهُ وَاشكُروا لَهُ إِلَيهِ تُرجَعونَ﴾ [العنكبوت: ١٧]. وأمثال هذا في القرآن كثير، يبين تعالى الهدى من الضلال. قال رحمه الله تعالى: ومن هذا الضرب من يدعي أنه يصل مع الله إلى حال تسقط عنهم التكاليف، أو يدعي أن الأولياء يدعون ويستغاث بهم في حياتهم ومماتهم. طيب، قوله: «ومن هذا الضرب» أي من هؤلاء الأئمة المضلين. قال: من يدعي عند أتباعه أنه يصل مع الله إلى حال تسقط عنه التكاليف. وبعضهم عنده بعض الشبه، فيستدل بكتاب الله جل وعلا على هذا الباطل. ومحال أن يكون الحق الذي في كتاب الله جل وعلا يدل على الباطل الذي عليه هؤلاء. فيستدل بعضهم بقول الله جل وعلا: ﴿وَاعبُد رَبَّكَ حَتّى يَأتِيَكَ اليَقينُ﴾ [الحجر: ٩٩] فإذا أتاك اليقين، فلا تعبد ربك. واضح، جمال استدلال. يقول هؤلاء: الله جل وعلا يقول: «فاعبد ربك حتى يأتيك اليقين». يقول هؤلاء: هؤلاء الخواص، وهؤلاء الأولياء، وهؤلاء السادات، قد روضوا أنفسهم وجاهدوا أنفسهم بالرياضات، وبطاعة الله جل وعلا، وباستباق الخيرات، حتى وصلوا إلى مرتبة اليقين. فلما وصلوا إلى مرتبة اليقين، رفعت عنهم التكاليف -مصداقا لقول الله جل وعلا: ﴿وَاعبُد رَبَّكَ حَتّى يَأتِيَكَ اليَقينُ﴾ [الحجر: ٩٩]- وحتى هنا للغاية. فإذا جاءك اليقين، قالوا: معناه أنك لا تعبد ربك. ماذا تعبد؟ يعبد الشيطان. لا يعبد ربه. فماذا يعبد؟ يعبد الشيطان. هذا حقيقة أمر هؤلاء. لدى ذلك تجد من هؤلاء من يمكث السنين الطوال لا يسجد لله. تجده ولا يركع لله ركعة. ما حال هؤلاء؟ يقولون: هذا قد بلغ حد اليقين. هذا قد بلغ مرتبة اليقين. عبد الله حتى أتاه ماذا؟ اليقين. وقد رأينا بأعيننا من كان هذا حاله. نرى في بعض الزوايا الصوفية من كان هذا حاله. الناس يصلون، وهو جالس كأنه خشبة. لا يصلي. على الكرسي. من جاء دخل، قبل يده. ومن خرج، قبل يده. وهو على حاله لا يصلي. ما لهذا؟ قالوا: هذا قد بلغ اليقين. هذا قد بلغ مرتبة اليقين. فلا يصلي. ولا يسجد لله جل وعلا سجدة. وهذا من الضلال. وهذا من الضلال البعيد. قال رحمه الله تعالى: أو يدعي أن الأولياء يدعون أو يستغاث بهم في حياتهم ومماتهم. صنف منهم -كما سمعتم- يقول: ترفع عنهم التكاليف. وصنف منهم -أي من هؤلاء الأولياء- يقولون: فلان بن فلان ولي. وإذا كان وليا، يقول: اعتقد به، أو اعتقد فيه. ومعنى «اعتقد فيه»: أي أنه يصح أن تعبده مع الله جل وعلا. فيجوز أن تدعوه، وأن تستغيث به، وأن تتقرب إليه بأنواع من العبادات -سواء كان حيا أو كان ميتا- فإنه ينفعك ويضرك. له قدرة على نفعك، وعلى رفع الضر عنك -إن اتبعته وإن آمن به-. قال رحمه الله تعالى: وأنهم ينفعون ويضرون، ويدبرون الأمور على سبيل الكرامة -كما تقدم معنا فيما مضى- في حال الأغواث، الأغواث، الغوث، القطب، وكذلك الأوتاد، وكذلك ماذا؟ الأبدال، والنقباء، والسياحين -إلى غير ذلك من الألقاب التي يسميها أو يطلقها هؤلاء الصوفية على من يزعمون بأنهم أولياء- على من يزعمون بأنهم أولياء. فالغوث عندهم -كما مر معنا- وهو القطب، له التصرف في الكون على سبيل ماذا؟ على سبيل الكرامة. أي أن الله جل وعلا أكرم ذلك القطب حتى جعله ماذا؟ يتصرف في الكون. ينفع من شاء، ويضر من شاء، ويرفع الضر عن من شاء، ويدفع الضر عن من شاء، ويغيث من شاء، ولا يغيث من شاء -إلى غير ذلك- فأين الله رب العالمين؟ واضح، جماعة. لا يجعل هؤلاء الأغواث كأنهم الله رب العالمين ينفعون ويضرون. بل هم الحاكمون، وهم المسيطرون على هذا الكون. ثم يقولون: «على سبيل الكرامة». على سبيل الكرامة؛ أي أن الله جل وعلا -من إكرامه لهؤلاء الأقطاب- جعلهم ماذا؟ يتحكمون في الكون كيف شاءوا. يتحكمون في الكون كيف ماذا؟ كيف شاءوا. على سبيل ماذا؟ على سبيل الكرامة. واضح، جماعة. أملا. وهذا من الضلال البعيد. قال رحمه الله تعالى: وأنه يطلع على اللوح المحفوظ، ويعلم أسرار الناس وما في ضمائرهم. كذلك هذا من هذا الصنف. أو هناك من هذا الصنف من يقول: أنا لا حاجة باتباعي محمد صلى الله عليه وسلم. لماذا يا فلان؟ يقول: لأني آخذ عن اللوح المحفوظ مباشرة. أنتم تأخذون بوسائط. تأخذون بواسطة النبي صلى الله عليه وسلم. أما أنا -مثل هؤلاء الأتباع- يقول: وأما فلان الولي، فإنه يأخذ ماذا؟ يأخذ دينه من اللوح المحفوظ مباشرة. ينظر إلى اللوح المحفوظ، ويقول: «أمر ربي بكذا، ونهاني ربي عن كذا». هل له حقيقة في الواقع؟ الشيطان سول لهم، وأضلهم، وزخرف لهم الباطل، وزينه لهم، وصدهم عن السبيل. هذا هو حقيقة أمر هؤلاء. فيقول: «نأخذ ديننا عن ماذا؟ عن اللوح المحفوظ مباشرة». بعضهم -كما ذكر- من ذكر في قصص هؤلاء الصوفية الغلاة: أنهم يتقطعون، يتقطعون رأسه، ويتقطعون جسده. فيقول ماذا؟ فيقرأ الساعة، ثم يرفعوا رأسه، فيقول: «قد اطلعت الآن على اللوح المحفوظ، والله جل وعلا أمرني بكذا، أو إن الله جل وعلا يأمركم بكذا». بل يأتي بعضهم إلى بعض هؤلاء الدجالين، فيسأله عن مفقود، أو عن ضائع. فيقول: «انتظر حتى أنظر في اللوح المحفوظ». «انتظر حتى أنظر في اللوح المحفوظ». ثم يقول: «قد اطلعت في اللوح المحفوظ، وظهرت، ورأيت». وما شابه ذلك. فلم أر. وبعضهم يذكر شيئا آخر. يقول: «رأيته». نظرت في الأرض من طرفها إلى طرفها، فلم أر ولدك على الأرض. فإذا هو تحت الأرض؛ أي أنه ميت. ووضح، جماعة. أم لا؟ على سبيل ماذا؟ على سبيل كرامة. على سبيل الكرامة. وآخر، وآخر يقول ماذا؟ أنه يعلم أسرار الناس وما في ضمائرهم. يعلم أسرار الناس وما في ضمائرهم. لذا ذكر من ذكر ممن عاين وشاهد الصوفية، أو ممن تاب وهداه الله جل وعلا إلى السنة من هؤلاء الصوفية: أنه ربما دخل على سيده، وعلى الولي -زعم- وهو قابض على قلبه. قابض على قلبه. لماذا؟ قابض على قلبه؛ يخشى أن يصدر من قلبه شيء، فيطلع عليه ماذا؟ السيد. انظروا. يخشى أن يكون في قلبه، في نفسه، أن يظهر شيء، فيطلع عليه ماذا؟ فيطلع عليه السيد. وتحصل له العقوبة، ويحل عليه ماذا؟ العذاب الأليم -إلى غير ذلك من هذه الظنون وهذه الأمور- كما تعلمون: ﴿قُل لا يَعلمُ مَن فِي السَّماواتِ وَالأَرضِ الغَيبَ إِلّا اللَّهُ وَما يَشعُرونَ أَيّانَ يُبعَثونَ﴾ [النمل: ٦٥]. والله جل وعلا هو الذي يعلم السر وأخفى. الله جل وعلا هو الذي يعلم السر وأخفى. ولكن هؤلاء يزعمون في هؤلاء أنهم يعلمون السر وأخفى -على سبيل ماذا؟ على سبيل الكرامة- على سبيل ماذا؟ الكرامة. وكما تقدم معنا مرارا: أن هؤلاء دينهم مبني على ماذا؟ مبني على الكرامات. وهل لها حقيقة هذه الكرامات؟ ليس لها حقيقة إلا ماذا؟ إلا زيغان عن دين الله جل وعلا وشرعه. قال رحمه الله تعالى: أو يقوز بناء المساجد على قبور الأولياء والصالحين، وإيقادها بالسرج، ونحو ذلك من الغلو والإفراط، والعبادة لغير الله. فما أكثر هذا الهديان والكفر والمحادة لله، ولكتابه، ولرسوله. وهكذا هؤلاء الذين يقوزون بناء القبور، بناء المساجد على القبور. هؤلاء كذلك يعدون من أئمة الضلال. لماذا؟ لأن نبينا صلى الله عليه وسلم نهى عن ذلك نهيا واضحا صريحا، وحذر منه، وأنذر. ولكن هؤلاء محادون لله جل وعلا ولرسوله صلى الله عليه وسلم. فيأمرون بما نهى عنه نبينا صلى الله عليه وسلم، ويحثون على ما أنذر منه رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهذه من المشاقة لله ورسوله صلى الله عليه وسلم. وقد قال الله جل وعلا: ﴿وَمَن يُشاقِقِ الرَّسولَ مِن بَعدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الهُدى وَيَتَّبِع غَيرَ سَبيلِ المُؤمِنينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلّى وَنُصِلِه جَهَنَّمَ وَساءَت مَصيرًا﴾ [النساء: ١١٥]. قال رحمه الله تعالى: وقوله صلى الله عليه وسلم: «وإنما أخاف على أمتي الأئمة المضلين». أتى بإنما التي قد تأتي للحصر -خيانا لشدة خوفه على أمته من أئمة الضلال- وما وقع في خلص النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك إلا لما أطلعه الله عليه من غيبه أنه سيقع -نظير ما في الحديث أنه سيقع- نظير ما في الحديث قبله من قوله: «فتتبعوا سنن من كان قبلكم» في الحديث. قوله في الحديث: «وإنما أخاف على أمتي الأئمة المضلين». قوله: أتى بإنما التي قد تأتي للحصر. تأمل إلى قول الشيخ، وإلى دقة عبارة الشيخ: «التي قد تأتي». وقد هنا للتكثير، أو للتقليل. للتكثير. واضح، جماعة. وفي قوله: «قد» في إشارة إلى ماذا؟ إلى أن «إنما» -كما ذكر بعض أهل العلم- ليست نصا في الحصر. ليست نصا في الحصر. وإن كانت تأتي لماذا؟ الأصل أنها تأتي لماذا؟ للحصر. فالحاصل أن في هذا الحديث دلالة على أن النبي صلى الله عليه وسلم من أخوف ما يخاف على أمته الأئمة المضلين. وقوله: «الأئمة المضلين» كقوله صلى الله عليه وسلم -كما ذكر الشارح- كقوله: «لتتبعن سنن من كان قبلكم»؛ لأن الأئمة المضلين يسوغون للناس أن يفعلوا ما يكون فيه مخالفة للشريعة، مخالفة ظاهرة. لكن يأتون بماذا؟ بالشبه والزخرفة من القول؛ لأجل أن يروج ذلك الباطل الذي دعوا إليه. قال رحمه الله تعالى: وقد بين الله تعالى في كتابه صراطه المستقيم، الذي هو سبيل المؤمنين. فكل من أحدث حدثا ليس في كتاب الله، ولا في سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فهو ملعون، وحدثه مردود -كما قال صلى الله عليه وسلم: «من أحدث حدثا، أو آوى محدثا، فعليه لعنة الله، والملائكة، والناس أجمعين. لا يقبل الله منه يوم القيامة صرفا ولا عدلا». وقال: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه، فهو رد». وقال: «كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة». فهذه أحاديث صحيحة. ومدار أصول الدين وأحكامه على هذه الأحاديث، ونحوها. فقد بين الله تعالى هذا الأصل في مواضع من كتابه العزيز -كما قال تعالى: ﴿اتَّبِعوا ما أُنزِلَ إِلَيكُم مِن رَبِّكُم وَلا تَتَّبِعوا مِن دونِهِ أَولِياءَ قَليلًا ما تَذَكَّرونَ﴾ [الأعراف: ٣]، وقال: ﴿ثُمَّ جَعَلناكَ عَلى شَريعَةٍ مِنَ الأَمرِ فَاتَّبِعها وَلا تَتَّبِع أَهواءَ الَّذينَ لا يَعلَمونَ إِنَّهُم لَن يُغنوا عَنكَ مِنَ اللَّهِ شَيئًا﴾ [الجاثية: ١٨]- ونظائره في القرآن كثير. طيب، قولهم في الحديث المذكور: «من أحدث حدثا، أو آوى محدثا، فعليه لعنة الله، والملائكة، والناس أجمعين». حديث متفق عليه من حديث أنس. وجاء كذلك من حديث علي. متفق عليه من حديث علي. وجاء كذلك من حديث أنس -رضي الله عنهما-. والثاني: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه». معلوم من حديث عائشة. متفق عليه. وقوله: «كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة». قطعة من حديث عبد الله بن مسعود -من حديث العرباض بن سارية- رضي الله عنه وأرضاه. عند أصحاب السنن. وإسناده صحيح. يحسنه أو صحيح العلامة الألباني، والعلامة الوادعي -رحم الله الجميع-. قال رحمه الله تعالى: وهذه الأحاديث صحيحة. ومدار أصول الدين وأحكامه على هذه الأحاديث، ونحوها. لماذا؟ لأن فيها دلالة على ماذا؟ على الاتباع، والنهي والتحذير من الابتداع. ودين الله جل وعلا مبني على هذا. مبني على الاتباع. ﴿اتَّبِعوا ما أُنزِلَ إِلَيكُم مِن رَبِّكُم وَلا تَتَّبِعوا مِن دونِهِ أَولِياءَ قَليلًا ما تَذَكَّرونَ﴾ [الأعراف: ٣]. فدين الله جل وعلا مبني على هذه الأصلين. وكما قال العلماء رحمه الله تعالى: أن شرطي العبادة: أن شرطي العبادة الإخلاص والمتابعة. وهذان الشرطان مجمع عليهما. لابد في العمل من أن يكون خالصا لله جل وعلا -كما قال الله جل وعلا: ﴿وَما أُمِروا إِلّا لِيَعبُدُوا اللَّهَ مُخلِصينَ لَهُ الدّينَ حُنَفاءَ وَيُقيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤتُوا الزَّكاةَ وَذلِكَ دينُ القَيِّمَةِ﴾ [البينة: ٥]- وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى». وكذلك الشرط الثاني: الاتباع. وأذلته هذه الأحاديث التي ذكرها الشارح رحمه الله تعالى. فإذا قوله رحمه الله: «وهذه أحاديث صحيحة، ومدار أصول الدين وأحكامه على هذه الأحاديث، ونحوها». لماذا؟ لأنها تدور على ماذا؟ الدين يدور على الاتباع، والنهي ماذا؟ عن الابتداع. واضح، جماعة. فما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم فهو من دين الله جل وعلا. وما لم يأت به رسول الله صلى الله عليه وسلم فليس من دين الله جل وعلا. وإنما هو من المحدثات. وإنما هو من المحدثات. وقد أكمل الله جل وعلا دينه قبل موت نبيه صلى الله عليه وسلم. فقال: ﴿اليَومَ أَكمَلتُ لَكُم دينَكُم وَأَتمَمتُ عَلَيكُم نِعمَتي وَرَضيتُ لَكُمُ الإِسلامَ دينًا﴾ [المائدة: ٣]. قال رحمه الله تعالى: وعن زياد بن فير قال: قال لي عمر: «هل تعرف ما يهدم الإسلام؟» قلت: لا. قال: «يهدمه زلة العالم، وجدال المنافق بالكتاب، وحكم الأئ

شاركنا على