شرح فتح المجيد 66

الدرس في شرح فتح المجيد 66، ألقاها

مقدمة في شرح الأحاديث النبوية وتوضيح الإسناد

يبدأ الشرح بتوضيح حديث نبوي رواه الإمام أحمد، ويبين إسناده وصحته، مع مناقشة احتمال كونه مرفوعا أو إسرائيليا. يوضح المقطع أهمية فهم الإسناد والتمييز بين الأحاديث المرفوعة والموقوفة.

التحذير من الشرك وعدم احتقار الذنوب

يتناول التحذير من الوقوع في الشرك مهما كان صغيرا، ويبين خطورة احتقار الذنوب، مشيرا إلى أن الإنسان قد يقع في الشرك دون إدراك ذلك. يشدد على أهمية العلم واليقظة تجاه الأفعال التي قد تعد شركا.

مسألة الإكراه في العبادة وتحليل آراء العلماء

يناقش المقطع مسألة الإكراه على العبادة، ويحلل آراء أهل العلم حول ما إذا كان الشخص الذي أجبر على التقرب لصنم يعتبر مشركا أم لا. يبرز أهمية عمل القلب في العبادة ويفصل في أربعة أجوبة محتملة حول هذه المسألة.

فضيلة التوحيد والإخلاص والمناقشة حول الإكراه على الكفر

يشرح حديثا نبويا يبين فضيلة التوحيد والإخلاص، ويناقش مسألة الإكراه على الكفر، مع ذكر آراء العلماء وتفصيلها في خمس صور مختلفة. يتناول ما إذا كان الأفضل الصبر أم الترخيص في حالة الإكراه.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم قال المصنف رحمه الله تعالى: وعن طارق بن شهاب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «دخل الجنة رجل في ذباب، ودخل النار رجل في ذباب». قالوا: وكيف ذلك يا رسول الله؟ قال: «مر الرجلان على قوم لهم صنم لا يجاوزه أحد حتى يقرب له شيئا، قالوا لأحدهما: قرب. قال: ليس عندي شيء أقرب. قالوا له: قرب ولو ذبابا. فقرب ذبابا فخلوا سبيله، فدخلا الجنة. وقالوا للآخر: قرب. قال: ما كنت لأقرب لأحد شيئا دون الله عز وجل. فضربوا عنقه، فدخل الجنة». رواه أحمد. طيب هذا الحديث أولا طوله هاهنا رحمه الله تعالى. رواه أحمد. الشيخ رحمه الله تعالى. في تخريجه لهذا الحديث ساق الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى. فإن العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى أخرج هذا الحديث أو ذكر هذا الحديث وخرجه في كتابه «الجواب الكافي». فقال: قال الإمام أحمد وذكر سنده كما سيأتي معرفة الشرف بإذن الله عز وجل. والحديث كما ذكر الشيخ سليمان بن عبد الله في «تيسير العزيز الحميد» قال: ذكره المصنف معزوا لأحمد، وأظنه تبع ابن القيم في عزوه لأحمد. قال: وقد طالعت «المسند» فما رأيته فيه. فلعل الإمام رواه في «كتاب الزهد» أو غيره. وكأن الشيخ سليمان لم يقف عليه في «المسند»، وكأنه لم يبحث عنه في غير «المسند»، لذا ذكر هذا الاحتمال أن يكون رواه الإمام أحمد في «كتاب الزهد» أو رواه في غيره من الكتب. وما ذكره الشيخ سليمان رحمه الله تعالى احتمالا هو الصواب، فقد أخرج هذا الحديث الإمام أحمد رحمه الله تعالى في «كتاب الزهد»، وكذا أخرجه أبو نعيم في «الحلية» كلاهما موقوفا على سلمان الفارسي، أي أن الصواب أنه عن طارق بن شهاب عن سلمان الفارسي من قوله، وليس من قول رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. إذن وقع السهو في هذا الحديث في ثلاثة مواطن: الأول أن الحديث ذكر من مسند طارق بن شهاب، والصواب أنه عن سلمان. الثاني أنه رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، والصواب أنه موقوف على سلمان. الثالث أنه عداه إلى أحمد، والأصل إذا قيل: رواه أحمد، فالمقصود به «المسند»، والصواب أنه في «الزهد» وليس في «المسند». إذن وقع في هذا الحديث ثلاثة أمور. والشيخ رحمه الله تعالى - الإمام محمد بن عبد الوهاب - ذكر هذا تبعا للإمام ابن القيم رحمه الله تعالى، فلعل الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى أورد هذا الحديث من حفظه، أو وقف عليه في نسخة كانت معه على هذه الهيئة وعلى هذه الصورة. وعلى كل، فالحديث كما سمعتم: الصواب أنه موقوف على سلمان، وإسناده صحيح، أي صحيح إلى سلمان رضي الله عنه وأرضاه. ولكن هل يقال: بأن له حكم المرفوع أم لا؟ الأمر محتمل. واضحة جماعة أم لا؟ لأن هذه الأمور - أنه قرب فدخل الجنة، وقرب فدخل النار - هذه الأمور غيبية، ما أحد يتكلم فيها من عند نفسه. فهل هذا القول صادر من سلمان رضي الله عنه وأرضاه عن توقيف، أي أخذه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيكون له حكم المرفوع أم لا؟ يختار الشيخ الألباني رحمه الله تعالى - وقد صحح هذا الحديث رحمه الله تعالى في «السلسلة الضعيفة» برقم 5289 - بعد بحث جيد، ذكر رحمه الله تعالى أن هذا الأقرب أنه من الإسرائيليات؛ لأن سلمان - كما تعرفون - مر على أديان كثيرة قبل أن يوفق إلى الإسلام. فقال الشيخ الألباني رحمه الله تعالى: لعله أخذه عن بعض من تتلمذ عندهم من أهل الكتاب. وهذا أمر، وهذا الأمر كما ذكر الشيخ الألباني رحمه الله تعالى وجيه، أي له وجه ووجه قوي؛ لأن سلمان كان كذلك. فلأجل هذا المعنى لا نستطيع أن نجزم بخلاف ذلك، أي لا نستطيع أن نجزم بأنه توقيف من النبي صلى الله عليه وسلم مع وجود هذه القرينة القوية - وهو أن سلمان قد أخذ من علم الأولين. والله أعلى وأعلم. فالحاصل أن هذا الحديث موقوف، ومسألة هل له حكم المرفوع أم لا، فالأمر محتمل. والشيخ الألباني رحمه الله تعالى - كما سمعتم - يختار بأنه ليس له حكم المرفوع، وإنما هو من الإسرائيليات. والله أعلى وأعلم. قال رحمه الله تعالى: قال ابن القيم رحمه الله: قال الإمام أحمد رحمه الله: حدثنا أبو معاوية، قال: حدثنا الأعمش، عن سليمان بن ميسرة، عن طارق بن شهاب يرفعه، قال: «دخل الجنة رجل في ذباب...» الحديث. وطارق بن شهاب هو البجلي الأحمسي، أبو عبد الله، رأى النبي صلى الله عليه وسلم وهو رجل. قال البغوي: نزل الكوفة. وقال أبو داود: رأى النبي صلى الله عليه وسلم ولم يسمع منه شيئا. قال الحافظ: إذا ثبت أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم فهو صحابي، وإذا ثبت أنه لم يسمع منه فرواية عنه مرسل صحابي، وهو مقبول على الراجح. وكانت وفاته - على ما جزم به بن حبان - سنة 83. طيب الإسناد كان مر معنا أنه صحيح. الإسناد المذكور كما مر معنا أنه صحيح. وقوله: عن طارق بن شهاب إلى آخر كلامه، كذلك تقدم معنا أنه عن طارق بن شهاب عن سلمان، عن طارق بن شهاب عن سلمان، فهو من مسند سلمان كما تقدم. والله أعلى وأعلم. صلى الله... قال رحمه الله تعالى: قوله: «دخل الجنة رجل في ذباب»، أي من أجله؛ لأن «في» هنا تأتي للتعليل. وها هنا كما ترون نبه الشيخ رحمه الله تعالى على أن «في» تؤثر، ويراد بها التعليل. ففي هذا الحديث: «دخل الجنة رجل في ذباب»، معنى «في ذباب»: العلة التي لأجلها دخل الجنة، ما هي؟ «في ذباب». وهذا له نظائر، وهذا الأمر - أي كون «في» للتعليل - له نظائر. من ذلك قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: «دخلت النار امرأة في هرة»، أي بسبب هرة. أي بسبب هرة. فهنا: «دخل الجنة رجل في ذباب»، أي بسبب ذباب. أي بسبب أنه لم يقرب ذبابا، بسبب أنه لم يقرب ذبابا كما هو ظاهر الحديث. قال رحمه الله تعالى: قوله: «قالوا: وكيف ذلك يا رسول الله؟» كأنهم تعجبوا من ذلك وتعجبوا منه. فبين لهم النبي صلى الله عليه وسلم ما صير هذا الأمر الحقير عندهم عظيما، يستحق هذا عليه الجنة، ويستحق الآخر عليه النار. إذن فيه معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تحقرن من المعروف شيئا»، «لا تحقرن من المعروف شيئا ولو أن تلقى أخاك بوجه طليق». بمعنى أن الإنسان لا يحتقر شيئا من المعروف ومن أعمال البر؛ فإنه لا يدري لعل هذا العمل يكون سببا لإثقال ميزانه يوم القيامة، فيكون سببا لدخول الجنة. وقد يكون سببا أوليا كذلك لدخوله الجنة. فانظروا إلى ما ذكره النبي صلى الله عليه وسلم في حق ذلك الرجل الذي قطع شجرة كانت تؤذي الناس في طريقهم: «دخل رجل جنة في شجرة قطعها من طريق الناس». هتقول قائل: شجرة قطعها فدخل الجنة؟ الجواب: هكذا أخبر النبي صلى الله عليه وسلم. وفيه إشارة إلى ما ذكر، وكذلك في المقابل: لا يحتقرن الإنسان شيئا من الذنوب؛ لا يحتقرن الإنسان شيئا من الذنوب؛ لأن الذنب الواحد قد يحتقره الإنسان، ويكون كذلك سببا لماذا؟ لأن يوبقه الله جل وعلا عليه دنياه وأخراه. ما الدليل على هذا؟ قول النبي صلى الله عليه وسلم: «دخلت النار امرأة في هرة». انظروا: هذي دخلت النار في هرة. وآخر دخل الجنة في ماذا؟ في غصن، أو في جذع قطعه من طريق الناس. إذن: لا يحتقرن الإنسان من المعروف شيئا، فيقول: لا يحتاج أن أعمل بهذا المعروف. وكذلك لا يحتقرن الإنسان شيئا من الذنوب. لما سمع... وقد جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «وإن الرجل لا يقول بالكلمة من رضوان الله لا يلقي لها بالا، فيدخله الجنة». أو كما قال صلى الله عليه وسلم: «وإن الرجل لا يتكلم بالكلمة من سخط الله لا يتبين فيها، أو جاء في بعض الروايات: لا يلقي لها بالا، فتهوي به في النار أبعد ما بين المشرق والمغرب». إذن: كلمة قد لا يلتفت لها الإنسان، فيها من الخير والبر، فتكون سببا لماذا؟ لدخوله الجنة. وكلمة أخرى لا يلتفت لها الإنسان، فتكون سببا لأن يكون من أهل النار والعياذ بالله. فإذا فيه معنى من معاني هذا الحديث: وهي أن الإنسان لا يحقرن شيئا من المعروف، ولا يحقرن كذلك شيئا من الذنوب. واضح جماعة. قال رحمه الله تعالى: قوله: «فمر الرجلان على قوم لهم صنم...» الصنم: ما كان منحوتا على صورة. طيب. تقدم معنا. قال رحمه الله تعالى: قوله: «لا يجاوزه»، أي: لا يمر به ولا يتعداه أحد حتى يقرب إليه شيئا، وإن قل. طيب. وقوله: «حتى يقرب»، أصل التقريب يدل على أنه قربه على أنه يقرب إليه ما يقرب عبادة وتقربا. واضح جماعة. في قولهم: أو في الحديث: «لا يقاوزه»، أي: لا يمر به ولا يتعداه حتى يقرب له شيئا، وإن قل. فالتقريب المقصود به: أن يقرب له شيئا من الأشياء على وجه التعبد، على وجه ماذا؟ على وجه التعبد، لا لمجرد الفعل. لا لمجرد الفعل كما سيأتي الإشارة إلى هذا المعنى في كلام الإمام محمد رحمه الله تعالى في المسائل المشاري إليها. قال رحمه الله تعالى: قوله: «قالوا له: قرب ولو ذبابا، فقرب ذبابا، فخلوا سبيله، فدخل النار». وفي هذا بيان عظمة الشرك ولو في شيء قليل، وأنه يوجب النار، كما قال تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾. طيب قوله: وفي هذا بيان عظمة الشرك، فيه بيان عظمة الشرك ولو في شيء قليل، وأنه يوجب النار. بيّن الشيخ الشارح - الشيخ سليمان رحمه الله تعالى - في «تيسير العزيز الحميد» هذا المعنى. فقال بعد أن قال: «وأنه يوجب النار». قال: «لإشراكه في عبادة الله». قال: «إذ الذبح على سبيل القربة والتعظيم عبادة». قال: «وهو مطابق لقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾». إذن معنى قولهم: «قرب ولو ذبابا» - كما تقدم - واضحة جماعة - أي: قربه عبادة، قربه ماذا؟ عبادة كما تقدم. قال رحمه الله تعالى: وفي الحديث: الحذر من الوقوع في الشرك، وأن الإنسان قد يقع فيه وهو لا يدري أنه من الشرك الذي يجب النار. طيب قوله رحمه الله: وفي هذا الحديث الحذر من الوقوع في الشرك، وقد مر معنا باب في بيان هذا المعنى - من أن الإنسان يجب عليه إن كان من أهل الإيمان والتقوى حقا أن يكون من أحذر الناس من الشرك - كما قال الله جل وعلا عن خليل إبراهيم: أنه قال: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾. فإبراهيم عليه السلام يحذر أن يقع في عبادة الأصنام، وهو الذي كسرها بيده، وهو الذي كسرها بيده صلوات الله وسلامه عليه. فدونه وغيره من باب أولى أن يكون على حذر من الشرك. وكما قال الشيخ رحمه الله تعالى في الحذر من الوقوع في الشرك؛ إذ أن ذلك الرجل إنما قرب ماذا؟ قرب ذبابا. وما هي الذبابة؟ لا شيء. ولكنها كانت سببا لماذا؟ سببا لدخوله النار وكونه من الكافرين والعياذ بالله. إذن: لا يحتقرن الإنسان شيئا من الشرك ولو كان في نظره حقيرا، ولو كان في نظره حقيرا؛ لماذا؟ لأن عاقبة الشرك وخيمة. والله جل وعلا كما قال سبحانه عن نفسه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾. إذن: الشرك هو الذنب الأعظم الذي لا يغفره الله جل وعلا، ولا يرضاه: لا قليله ولا كثيره. قال رحمه الله: وأن الإنسان قد يقع فيه وهو لا يدري أنه من الشرك الذي يوجب النار - الذي يوجب النار - بمعنى أن الإنسان قد يعلم أن ذلك الفعل محرم، قد يعلم أن ذلك الفعل محرم، فيتساهل فيه، فيتساهل فيه، فيفعله، فيكون سببا لماذا؟ فيكون سببا لدخول النار. وفي هذا إشارة إلى معنى من معاني الجهل الذي لا يعدر صاحبه. وذلك أن الإنسان إذا جهل الحكم الحقيقي لمسألة ما، وإن كان يعلم حكمها ضمنا - مثل هذه المسألة - يعلم أن تقريب شيء لغير الله عز وجل محرم، ولكن لا يعلم أنها شرك أو أنها تدخل النار. فمن فعل ذلك وقرب، يكون ماذا؟ يكون مشركا، ويكون سببا لدخوله النار؛ لماذا؟ لأنه يعرف الحرمة، وأن ذلك الفعل محرما، وأن ذلك الفعل محرم. وإن لم يكن يعلم أن ذلك يستوجب الكفر، وكذلك النار والعياذ بالله. واضحة جماعة. وهذا كما سمعتم يدلنا إلى مسألة أخرى نبه عليها شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: وهي أن من وقع في الكفر وهو يجهل أن ذلك الشيء كفر، هل يُعذر بذلك أم لا؟ الجواب: أنه إذا كان يعلم حرمة ذلك الشيء، فإنه لا يُعذر. إذا كان يعلم حرمة ذلك الشيء، فإنه لا يُعذر. وإن كان لا يعلم أن ذلك الشيء المعين أنه ماذا؟ يستوجب الكفر. واضحة جماعة. هذا قرره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في كتبه، في عدة كتب، ومنها: «الصارم المسلول في الرد على شاتم الرسول» صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. والشيخ محمد رحمه الله تعالى ها هنا أشار إليها إشارة. فقال: وأن الإنسان قد يقع فيه... وأن الإنسان قد يقع بالشرك وهو لا يدري... وهو لا يدري أنه ماذا؟ أنه شرك. ولكن يدري بأنه ماذا؟ أنه محرم. من أين لنا هذا؟ من الرجل الآخر. واضحة جماعة. الرجل الآخر ماذا قال لهم؟ «ما كنت لأقرب لغير الله شيئا». ما كنت لأقرب لغير الله شيئا. فالآخر علم الحكم، فامتنع. والأول علم الحكم، ولكنه لم يمتنع، ولكنه ماذا؟ لم يمتنع. فوقع فيما وقع فيه من الشرك كما سمعتم. إن علم الحكم ماذا؟ ضمنا، ولم يعلمه تفصيلا، ولم يعلمه تفصيلا. مادام يعلم جملة أن هذا الفعل محرم، ومع هذا عمل به، فإنه لا يعذر بذلك الجاهل. والله أعلى وأعلم. قال رحمه الله تعالى: وفيه أنه دخل النار بسبب لم يقصده ابتداء، وإنما فعله تخلصا من شر أهل الصنم. قوله رحمه الله: وفيه أنه دخل النار بسبب لم يقصده ابتداء. تأمل قوله رحمه الله تعالى: «ابتداء». لم يقصده ماذا؟ ابتداء. معناه: أنه قصده بعد ذلك. معناه: أنه قصده بعد ذلك. واضح جماعة. قول الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى ها هنا في المسائل: أنه دخل النار بسبب لم يقصده ابتداء. اتدانه... ولم يقصد أن يمر على ذلك الصنم لأجل أن يقرب إليه شيئا. هكذا جماعة. ولكن كان قصده أن يمر، كان قصده أن ماذا؟ أن يمر. وإنما فعله كما قال الشيخ: تخلصا من شر أهل الصنم. تخلصا من شر أهل الصنم. وهذه المسألة... هذه المسألة أشكلت على جماعة من أهل العلم. هذه المسألة أشكلت على جماعة من أهل العلم. فقالوا: كيف يحكم عليه بأنه أشرك وأنه دخل النار، وهو إنما فعل ما فعل تخلصا تخلصا من شر المشركين، وسلامة على نفسه؟ واضح جماعة. ملا... وقد قال الله عز وجل: ﴿مَنْ كَفَرَ بَعْدَ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾. هذا يقولون: قد أكره، وتخلص لأجل الإكراه. فكيف يكون ماذا؟ فكيف يكون مشركا، وكيف يستحق النار؟ واضح جماعة. ملا... الشيخ رحمه الله تعالى يقول: أنه دخل النار بسبب لم يقصده ابتداء. واضح هذا جماعة. قال: وإنما فعله تخلصا من شر أهل الصنم. تخلصا من شر أهل الصنم. من فعل شيئا من الكفر تخلصا من شر قد يقع فيه أو قد يوقع به، هل له ذلك أم لا؟ هيا جماعة. الله عز وجل يقول: ﴿مَنْ كَفَرَ بَعْدَ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾. واضح جماعة. فلأجل هذا... كما سمعتم - بعض أهل العلم استشكل هذه المسألة. استشكل هذه المسألة. فلأجل هذا الإشكال، وجه بعض أهل العلم - أو أجاب بعض أهل العلم رحمهم الله تعالى - عن هذا الإشكال بعدة أجوبة. أي: كل واحد ذكر جوابا. وبعضهم كان في جوابه ماذا؟ أكثر في جوابه. فمن هذه الأجوبة التي أجيب بها على هذا الإشكال: أولا قالوا: إن هذا الرجل ذبح بنية التقرب. أن هذا الرجل ذبح بنية التقرب. وهذا الذي ألمح إليه الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى. واضح جماعة. ألمح إليه بقوله: «لم يقصده ابتداء». لم يقصده ماذا؟ ابتداء. بمعنى أنه قصده فيما بعد ذلك. واضح جماعة. فصار الرجل مشركا؛ لأنه قرب ما قرب تقربا. واضح جماعة. فلما كان متقربا بذلك، لم يكن مكرها. ولو كان مكرها، فإن قلبه لم يكن مطمئنا بالإيمان. واضح جماعة. هذا جواب. جواب آخر: أنه لم يصل إلى حد الإكراه. أن ذلك الرجل لم يصل إلى حد الإكراه بعد. وإنما طلب منه، فنفذ. ولم يكره بعد. واضح جماعة. هذا جواب ثاني. بمعنى أنهم لم يكرهوه ذاك الإكراه. بل طلبوا منه أن يفعل، ففعل. إذن قالوا: هو ليس بمكره. واضح جماعة. إذن هو ليس بمكره. وما دام ليس بمكره، فإذن قرب عبادة إلى غير الله عز وجل من غير إكراه، فيكون ماذا؟ فيكون مشركا، يستحق النار. واضح هذا جماعة. الجواب الثالث: قالوا: إن هذا إكراه بالفعل. قالوا: إن هذا إكراه بالفعل. والإكراه المعذور صاحبه، وإنما يكون بالأقوال، ولا يكون بالأفعال. وهذا على قول لبعض أهل العلم في هذه المسألة - وهي: هل الإكراه يكون بالأقوال فقط، أم أنه يكون بالأقوال ويكون كذلك بالأفعال؟ - قول لأهل العلم. والذي اختاره الجماعة من المحققين: أنه يكون بالأقوال، وكذا يكون بالأفعال؛ لعموم الآية، لعموم الآية: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾. الرابع: الجواب الرابع: أن هذا كان في شرع من قبلنا. أن هذا كان في شرع من قبلنا. ولم يكن عذرا من الإكراه. واضحة جماعة. لم يكن في الأمم السابقة عذرا هو الإكراه. وإنما كان في هذه الأمة تخفيفا لها. وإنما كان في هذه الأمة تخفيفا لها. هذه أربعة أجوبة... هذه أربعة أجوبة جوابا عن هذا الإشكال الذي ذكر. قال رحمه الله تعالى: وفيه أن ذلك الرجل كان مسلما قبل ذلك، وإلا فلو لم يكن مسلما لم يقل: «دخل النار في ذباب». وجه ذلك: أن الرجل كان مسلما. قول النبي صلى الله عليه وسلم - أو جاء في الحديث هذا - أنه قال: «دخل النار في ذباب»، أي: بسبب ماذا؟ بسبب ذباب، بسبب تقريبه تلك القربة من الذباب لذلك الصنم. ففيه دليل على أنه لم يكن قبل ذلك ماذا؟ من أصحاب النار. لم يكن ذلك الرجل من أصحاب النار إلا بذلك الفعل. لم يكن من أصحاب النار إلا بذلك الفعل. فكما قال الشيخ رحمه الله تعالى: قال: وإلا فلو لم يكن مسلما لم يقد: «دخل الجنة في ذباب». بأن «في» هنا تعليلية. بمعنى: بسبب ذباب قربه إلى غير الله جل وعلا. قال رحمه الله تعالى: وفيه أن عمل القلب هو المقصود الأعظم حتى عند عبدة الأوثان. ذكره المصنف بمعناه. وهذا كذلك فيه إشارة إلى ما تقدم في المسألة التي قلنا: وقع فيها الإشكال ها هنا. الشيخ رحمه الله تعالى يقرر ما تقدم - من أن تلك القربة التي قربها ذلك الرجل لم يكن المقصود عند أولئك المشركين - عبدة الأوثان - مجرد الفعل. ولكن أرادوا الفعل، وما هو أعظم من الفعل، وهو ماذا؟ أن يتقرب بقلبه قبل ماذا؟ قبل جوارحه. لذا قال الشيخ: وفيه أن عمل القلب هو المقصود الأعظم. وفي هذا - كما سمعتم - إشارة إلى ما تقدم، وما أجيب به أولا - من أن ذلك الرجل إنما قرب ما قرب من تلك القربة تقربا. وإن كان ابتداء لم يقصد ذلك التقرب. ولكن بعد أن طلب منه فعل ما فعل متقربا. فلأجل ذلك الفعل، وذلك التقرب، كان ماذا؟ كان مشركا. فكما قال الشيخ رحمه الله تعالى: أن عمل القلب هو المقصود الأعظم؛ إذ لا معنى للعبادة إلا بماذا؟ إلا بعمل القلب. إلا بعمل القلب - بأن عمل القلب هو الذي يصير العبادة عبادة. واضح جماعة. لما فيه من معنى التقرب والتعظيم والتأله. واضح جماعة. قال رحمه الله تعالى: قوله: «وقالوا للآخر: قرب. قال: ما كنت لأقرب لأحد شيئا دون الله عز وجل». ففيه بيان فضيلة التوحيد والإخلاص والصلابة في الدين. وفيه معنى قوله في الحديث: «وأن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار». طيب. قوله: «وقالوا للآخر: قرب...» إلى آخر الحديث. قال: فيه بيان فضيلة التوحيد والإخلاص والصلابة في الدين. والصلابة في الدين. وكما ذكر رحمه الله تعالى قال: وفيه معنى قوله في الحديث: «وأن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار». وفي هذا كذلك تقرير وإشارة إلى معنى التقرب المقصود - وهو أن يصير الرجل بذلك التقرب كافرا مشركا بالله جل وعلا. واضحة جماعة. فليس المقصود الفعل الظاهر، وإنما المقصود الفعل المصاحب للتعظيم بذلك المقرب له. لذا كان كفرا. وها هنا مسألة ذكرها العلماء رحمهم الله تعالى: وهي: هل الأفضل والأولى لمن أكره على الكفر أن يكفر ظاهرا وقلبه مطمئن بالإيمان، أم أن يصبر؟ واضحة جماعة. هل الأفضل في حقي أن يصبر، أم الأفضل في حقه؟ أم الأفضل في حقي أن ماذا؟ أن يأخذ بالرخصة؟ ذهب بعض أهل العلم إلى تقديم الصبر مطلقا دون تفصيل. قالوا: لأن هذا جاد بنفسه رخيصة لله جل وعلا. قالوا: هذه منزلة لا ينالها إلا من كان إيمانه قد ثبت ورسخ، وأحب لقاء الله جل وعلا. ومن أحب لقاء الله أحب الله لقاءه. ومن أهل العلم ذهب إلى التفصيل. ومن أهل العلم ذهب إلى التفصيل. فقالوا: ينظر في ذلك الرجل، وفي حال ذلك الرجل. إن كان إقراره بالكفر سيكون سببا لأن يتأسى به غيره فيكفرون بكفره - أي: بسبب كفره، أو بسبب قوله كلمة الكفر ظاهرا - قالوا: فإن كان كذلك، فإنه يجب عليه أن يمتنع؛ يجب عليه أن ماذا؟ أن يمتنع؛ لأجل أن يكون سببا لكفر غيره من الناس. لكفر غيره من الناس. قالوا: ففي هذه الحالة لا يكون أفضل، بل قد يكون في حقه ماذا؟ الصبر يكون واجبا؛ لماذا؟ لأن بقوله كلمة الكفر يكفر بسببها من يكفر من عوام الناس، ومن جهال الناس ممن يأتمرون به ويعملون ويقتدون بذلك الممتحن. فإن لم يكن كذلك... فإن لم يكن كذلك - أي: ليس ممن يؤتسى به كذلك - قالوا: ينظر في حال هذا الرجل: هل في بقاء ذلك الرجل على قيد الحياة خير للإسلام والمسلمين، ومصلحة للإسلام والمسلمين؟ كأن يكون مثلا من الشجعان، فينتفع المسلمون به في الجهاد. أو أن يكون من العلماء، فينتفع الناس بعلمه. أو يكون من الأجواد المتصدقين، من أهل الثروات الذين يعينون الإسلام والمسلمين بأموالهم. فيبقى لأجل أن يعين الإسلام والمسلمين. قالوا: إن كان فيه معنى من هذه المعاني، فالأفضل في حقه أن يقول كلمة الكفر مترخصا بها، وقلبه مطمئن بالإيمان. وقلبه مطمئن بالإيمان. وإن لم يكن كذلك... وإن لم يكن كذلك - ليس عنده ما يفيد إسلام المسلمين، ولا هو أسوة لغيره - قالوا: فمثل هذا الأفضل في حقه ماذا؟ أن يصبر على الموت. أن يصبر على الموت. وإن أخذ بالرخصة له ذلك. وإن أخذ بالرخصة له ذلك. ثم تحت مسألة الإكراه... تحت مسألة الإكراه - كما ذكر العلماء رحمهم الله تعالى - اعتبار الإكراه ملزما، أو اعتبار الإكراه معتبرا، أو غير معتبر. ومتى يترخص الإنسان بذلك الإكراه؟ ومتى لا يترخص بذلك الإكراه؟ ذكر العلماء رحمهم الله تعالى في مسائل الإكراه: ذكروا خمس صور. أو ذكروا في الإكراه الصور: الصورة الأولى: أن يكره العبد على قول كلمة الكفر، فيصبر على الموت ولا يقولها. فهذا - كما تقدم معنا - أفضل مطلقا على قول، وأفضل على التفصيل المذكور سابقا. واضحة جماعة. الصورة الثانية: أن يكره إكراها ملجئا معتبرا، فيقول كلمة الكفر وقلبه مطمئن بالإيمان. فمثل هذا كذلك لا شيء عليه؛ فإنه أخذ بالرخصة بقول الله جل وعلا: ﴿مَنْ كَفَرَ بَعْدَ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾. واضحة جماعة. الصورة الثالثة: من أكره فقال كلمة الكفر، ولكن قلبه لم يكن مطمئنا بالإيمان. فإن هذا يكفر؛ لماذا؟ لأن الله جل وعلا استثناء في قول كلمة الكفر استثناء، وقيده بشرطين. قال: «إلا من أكره»، وهذا شرط. «وقلبه مطمئن بالإيمان»، وهذا شرط ثاني. إن اقتل شرط من الشرطين كفر. واضحة جماعة. وإن ذهب الشرطان كفر من باب أولى. إذن الحالة الثالثة: أكره ولم يطمئن قلبه بالإيمان، فيكون ماذا؟ فيكون كافرا. الحالة الرابعة - أو الصورة الرابعة -: ألا يصل إلى حد الإكراه، ولكن يطلب منه طلبا. يقال له: اكفر. ولكن قلبه مطمئن بالإيمان. هذا ما يحكم يا جماعة؟ هذا يا جماعة ما يحكم؛ لماذا؟ لأنه لم يكره. هذا يكون كافرا بالله؛ لماذا؟ لأن الله عز وجل - كما سمعتم - اشترط في الاستثناء في الاستثناء ماذا؟ شرطين. اشترط شرطين. قال: «إلا من أكره»، هذا شرط. «وقلبه مطمئن بالإيمان»، وهذا شرط ثاني. هذه الصورة لهم كم يا جماعة؟ الرابعة. الصورة الخامسة: أن يجتمع فيه الأمران: ألا يكون مكرها، وأن لا يطمئن قلبه بالإيمان. فهذا كذلك يكون ماذا؟ يكون كافرا بالله العظيم. يكون كافرا بالله العظيم. قال رحمه الله تعالى: قال المصنف: وفيه معرفة قدر الشرك في قلوب المؤمنين. كيف صبر على القتل ولم يوافقهم، مع كونهم لم يطلبوا منه إلا العمل الظاهر؟ وهذا - كما ذكر - من أن أهل الإيمان وأهل التوحيد ممن حققوا الإيمان والتوحيد: هان أو تهون عليهم أنفسهم في سبيل الله جل وعلا. ولا سيما إذا طلب منهم هذا الأمر العظيم. فإنهم يعظمون أمر الشرك جدا - أن يشركوا بالله جل وعلا غيره - وهم عالمون بذلك الشرك. ففيه - كما ذكر رحمه الله تعالى أولا - معرفة قدر الشرك في قلوب المؤمنين؛ إذ أن الشرك في قلوب المؤمنين يكون ماذا؟ عندهم أعظم ذنب عصي الله جل وعلا به. كما قال الله جل وعلا: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ على لسان لقمان عليه السلام. فإذن كل مؤمن موحد قد اكتمل إيمانه وصدق يقينه، فإنه يعلم علما يقينا أن الشرك بالله عز وجل من أعظم الذنوب وأشر الشرور. إذا لا يقدم عليه أبدا: لا من قريب ولا من بعيد. والله أعلى وأعلم. وسبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

شاركنا على