الدرس في شرح فتح المجيد 29، ألقاها
يبدأ الشرح بحديث نبوي عن مغفرة الله تعالى لمن لقيه دون أن يشرك به شيئا، مع التركيز على سند الحديث وشرح ألفاظه ومعناه. هذا يشكل أساسا لفهم أهمية التوحيد.
التوحيد الخالص يوجب مغفرة الذنوب مهما كثرت، شرط الإخلاص لله تعالى وعدم الإشراك به. تحقيق التوحيد في القلب يحرق الذنوب ويوجب غفران الله ورحمته.
لا إله إلا الله تتطلب النطق بها والاعتقاد بمعناها والعمل بمقتضاها، بما في ذلك تحقيق التوحيد والبراءة من الشرك. العمل بمقتضاها يشمل الظاهر والباطن وهو جزء أساسي من الإيمان.
بسم الله والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، ومن والاه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. ثم أما بعد. قال المصنف رحمه الله تعالى: وللترمذي وحسنه عن أنس قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: قال الله تعالى: «يا ابن آدم، إنك لو أتيتني بقراب الأرض خطايا، ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا، لأتيتك بقرابها مغفرة». الحديث أخرجه الترمذي. قال: وفيه كثير بن فائد البصري، وهو مجهول الحال، لكنه متابع، تابعه أبو قتيبة سلم بن قتيبة، وهو صدوق، عن سعيد بن عبيد به، وإسناده حسن، كما في المختارة للضياء. وإسناد الترمذي فيه هذا الراوي الذي هو مجهول الحال، فيرتقي ما في سنن الترمذي بغيره إلى الحسن لغيره. قال رحمه الله تعالى: قال الترمذي: اسيده محمد بن عيسى بن سورة، أبو عيسى، صاحب الجامع، وأحد الحفاظ، كان ضرير البصر، رضي الله عنه وأرضاه. قال: روى عن قتيبة، وهناد، والبخاري، وخلق، مات سنة تسع وسبعين ومائتين. قال: وأنس بن مالك بن النضر الأنصاري الخزرجي، خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم، خدمه عشر سنين، وهذه منقبة عظيمة لأنس بن مالك رضي الله عنه وأرضاه، إذ أنه خالط رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قرب، وخدم خير البشر صلى الله عليه وسلم. قال: وقال له: «اللهم أكثر ماله وولده، وأدخله الجنة». والحديث في الصحيحين، من حديث أنس: أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا له بالبركة في ماله وولده. قال رحمه الله تعالى: وقد جاوز المئة. قال: مات سنة اثنتين، وقيل: سنة إحدى وتسعين، وقد جاوز المئة. قال: وقد رواه الإمام أحمد من حديث أبي ذر بمعناه. وهذا لفظه: «ومن عمل قراب الأرض خطيئة، ثم لقيني لا يشرك بي شيئا، جعلت له مثلها مغفرة». وإسناده صحيح. قال رحمه الله تعالى: ورواه مسلم، أي: حديث أبي ذر. فحديث مسلم أخرج حديث أبي ذر، رواه الإمام مسلم رحمه الله تعالى بلفظ: «ومن لقيني بقراب الأرض خطيئة، لا يشرك بي شيئا، لقيته بمثلها مغفرة». رواه الإمام مسلم برقم سبعة وثمانين وستمائة وألفين. قوله رحمه الله تعالى: قوله: «لو أتيتني بقراب الأرض» بضم القاف. فقيل: بكسرها، والضم أشهر. قال: وهو ملؤها، أو ما يقارب ملؤها. قوله: «ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا»، قال: شرط ثقيل في الوعد بحصول المغفرة، وهو السلامة من الشرك، كثيره وقليله، صغيره وكبيره. انظروا يا جماعة إلى هذا الأمر، يقول الإمام العلامة عبد الرحمن بن حسن رحمه الله تعالى: في قوله صلى الله عليه وسلم: «ثم لقيتني» أي: في قول الله عز وجل في الحديث القدسي: «لا تشرك بي شيئا»، ثم لقيتني، لا تشرك بي شيئا، قال: شرط ثقيل في الوعد بحصول المغفرة، ما هو هذا الشرط الثقيل؟ قال: وهو السلامة من الشرك، كثيره وقليله، صغيره وكبيره. قال ابن رجب: «من جاء مع التوحيد بقراب الأرض خطايا، لقيه الله تعالى بقرابها مغفرة». إلى أن قال: «فإن كمل توحيد العبد، وإخلاصه لله تعالى فيه، وقام بشروطه بقلبه ولسانه وجوارحه، أو بقلبه وبلسانه عند الموت، أوجب ذلك مغفرة ما قد سلف من الذنوب كلها، ومنعه من دخول النار بالكلية». فمن تحقق بكلمة التوحيد قلبه، أخرجت منه كل ما سوى الله تعالى محبة وتعظيما وإجلالا ومهابة وخشية وتوكلا. وحينئذ تحرق ذنوبه وخطاياه كلها، وإن كانت مثل زبد البحر. قال العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى في معنى الحديث: «ويعفى لأهل التوحيد المحض لأهل التوحيد المحض، الذي لم يشوبوه بالشرك، سواء كان ذلك الشرك أصغر أو كان شركا أكبر». قال: «ما لا يعفى لمن ليس كذلك، ممن وقع منه بعض أفراد الشرك الأصغر، أو وقع في الشرك الأصغر». قال: «ولو لقي الموحد الذي لم يشرك بالله شيئا البته ربه بقراب الأرض خطايا، أتاه بقرابها مغفرة». ولا يحصل هذا لمن نقص توحيده، بماذا؟ إما أن يكون نقص توحيده بوقوعه بشيء من أنواع الشرك، أو يكون نقص توحيده بضعف تعظيمه وإجلاله ومحبته وتوكله على الله عز وجل. قال رحمه الله تعالى: فإن التوحيد الخالص الذي لا يشوبه شرك، لا يبقى معه ذنب، لأنه يتضمن من محبة الله وإجلاله وتعظيمه وخوفه ورجائه ما يوجب غسل الذنوب، ولو كانت قرابة الأرض. فالنجاسة عارضة، والدافع لها قوي. فالنجاسة عارضة، ما هي النجاسة؟ نجاسة الذنوب عارضة، أي: تعرض على القلب. وما الدافع لها قوي؟ الدافع تحقق التوحيد في قلب الموحد، من التعظيم والإجلال والمحبة والخوف والرجاء لله رب العالمين. قال رحمه الله تعالى: وفي هذا الحديث كثرة ثواب التوحيد، وسعة كرم الله وجوده ورحمته. وهذا يدل على رحمة الله عز وجل بعباده، وعلى تفضله وإكرامه سبحانه وتعالى، فهو الكريم المنان. قال رحمه الله تعالى: والرد على الخوارج الذين يكفرون المسلم بالذنوب. وهذا الحديث فيه ماذا؟ ولو ماذا جاء بقراب الأرض خطايا؟ ما دام عنده التوحيد، يكون سببا لماذا؟ لغفران تلكم الخطايا. قال رحمه الله تعالى: والصواب طول أهل السنة: أنه لا يسلب عنه اسم الإيمان، ولا يعطاه على الإطلاق. بمعنى: لا يقال في من شرب الخمر، ووقع في الزنا، وما شابه ذلك: أنه مؤمن على إطلاقه، ولا يقال: أنه ليس بمؤمن على إطلاقه. بل يقال: هو مؤمن عاص، أي: أنه مؤمن، ولكنه عاصي. أو يقال: هو مؤمن بإيمانه، فاسق بماذا؟ فاسق بكبيرته. قال رحمه الله تعالى: وعن عبد الله بن مسعود قال: «لما أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم، انتهى به إلى سدرة المنتهى، فأعطي ثلاثا: أعطي الصلوات الخمس، وخواتيم سورة البقرة، وغفر لمن لا يشرك بالله من أمته شيئا المقحمات». رواه مسلم. قال: والمراد بالمقحمات: الذنوب الكبار العظام، التي تهلك أصحابها، وتوردهم النار، وتقحمهم إياها. والتقحم: الوقوع في المهالك. قال ابن كثير في تفسيره: وأخرج الإمام أحمد، والترمذي، وابن ماجه، والنسائي عن أنس بن مالك قال: قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية: «هو أهل التقوى وأهل المغفرة». قال: «وقال ربكم: أنا أهل أن أتقى، فلا يجعل معي إلها، فمن اتقى أن يجعل معي إلها، كان أهلا أن أغفر له». الحديث أخرجه المذكورون. وفيه سهيل بن أبي حزم أبو بكر البصري، ضعيف. قال المصنف رحمه الله تعالى: تأمل الخمس اللواتي في حديث عبادة. ما هي الخمس؟ الذي في حديث عبادة: «شاهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم، وروح منه، وأن الجنة حق، وأن النار حق». يقول الشيخ: تأمل الخمس اللواتي في حديث عبادة، فإنك إذا جمعت بينه وبين حديث عتبان، تبين لك معنى قول: لا إله إلا الله، وتبين لك خطأ المغرورين. قال: والتنبيه لرجحانها بجميع المخلوقات، مع أن كثيرا ممن يقولها يخف ميزانه. قوله: «بجميع المخلوقات»: بمعنى أن لا إله إلا الله لا يعدل معها شيء. قوله: «مع أن كثيرا ممن يقولها يخف ميزانه»: أي: بعضهم يقول: لا إله إلا الله، مع هذا يخف ميزانه، ويكون سببا لدخوله النار. قال: وفي إثبات الصفات، خلافا للمعطلة. في إثبات الصفات في الأحاديث المذكورة، التي أشير إليها، فيها إثبات الصفات. ومن هذه الصفات: أن الله عز وجل يتكلم. قال رحمه الله تعالى: فيه أنك إذا عرفت حديث أنس، عرفت أن قوله في حديث عتبان: «إن الله حرم على النار من قال: لا إله إلا الله، يبتغي بذلك وجه الله»: أنه ترك الشرك، ليس قولها باللسان. فهذا يدل على أن لا إله إلا الله المراد بها: النطق بها باللسان، واعتقادها بالجنان، والعمل بمقتضاها. ومن العمل بمقتضاها: ماذا؟ تحقيق التوحيد ظاهرا وباطنا، والبراءة من الشرك كذلك ظاهرا وباطنا. والله أعلم. وسبحانك اللهم بحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.