الدرس في شرح فتح المجيد 13، ألقاها
يتناول هذا الفصل تفسير الآيات التي تأمر بعبادة الله وحده وتعدد حقوق العشرة، ويشرح أهمية هذه الآيات في جمعها لحقوق الله والوالدين والأقارب وغيرهم. كما يستعرض تفسير الإمام ابن كثير لآية الوصايا العشر من سورة الأنعام.
يشرح هذا الفصل الوصايا الإلهية الواردة في القرآن الكريم، ويتناول تفسير الآيات التي تنهى عن الشرك بالله والإحسان إلى الوالدين وعدم قتل الأولاد خشية الفقر، واجتناب الفواحش وعدم قتل النفس التي حرم الله إلا بالحق.
يناقش هذا الفصل تحريم التصرف في مال اليتيم إلا بالطرق الحسنة التي تزيد من نمائه، ويستمر هذا الحظر حتى يبلغ اليتيم سن الرشد، مع توضيح ارتباط بلوغ أشده بالرشد وزوال السفه مع البلوغ.
بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، قال الشيخ العلامة عبد الرحمن بن حسن رحمه الله تعالى: قال المصنف رحمه الله تعالى: وقوله ﴿واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا﴾، قال رحمه الله تعالى: قال العماد بن كثير رحمه الله تعالى: في هذه الآية يأمر تعالى عباده بعبادته وحده لا شريك له، فإنه الخالق الرازق المنعم المتفضل على خلقه في جميع الحالات، فهو المستحق منهم أن يوحّدوه ولا يشركوا به شيئًا من مخلوقاته. انتهى. وهذا تفسير جامع مختصر، جمع بين الاختصار وبين الإلمام بالمفسر. فالله عز وجل في هذه الآية، كما ترون، يقول: ﴿واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا﴾، وهذا أمر من الله عز وجل بعبادته وحده لا شريك له سبحانه وتعالى. قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن رحمه الله تعالى: وهذه الآية هي التي تسمى آية الحقوق العشرة؛ لأن الآية جاء فيها: ﴿واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا وبالوالدين إحسانًا وبذي القربى واليتامى والمساكين والجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب وابن السبيل﴾، فذكر في هذه الآية عشر وصايا. وكما ذكر رحمه الله تعالى أنها تسمى بآية الحقوق العشرة؛ لأنها جمعت فيها حق الله عز وجل الذي هو أحق الحقوق، ثم بعد ذلك حق الوالدين، ثم بعد ذلك حق القرابة، ثم حق اليتامى والمساكين، والجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب وابن السبيل. فهذه الآية، كما ترون، جمعت عشرة حقوق، جمعت حق الله عز وجل وجمعت كذلك حق كل ذي حق من هؤلاء المذكورين. قال رحمه الله تعالى: وفيه بعض النسخ المعتمدة من نسخ هذا الكتاب تقديم هذه الآية على آية الأنعام، ولهذا قدمتها لمناسبة كلام ابن مسعود الآتي لآية الأنعام؛ ليكون ذك، ذكره بعدها أنسب. يقول الشيخ عبد الرحمن بن حسن: إن في بعض النسخ تقديم آية النساء على آية الأنعام، وفي بعضها تقديم آية الأنعام على آية النساء. فقال رحمه الله تعالى: ولهذا قدمتها؛ أي قدم آية النساء على آية الأنعام؛ لأنه سيأتي آثار ابن مسعود في تفسير ماذا في تفسير آية الأنعام، فناسب أن تكون آية الأنعام قبله. قال رحمه الله تعالى: وهذا كذلك في إشارة إلى أن الشيخ رحمه الله تعالى ترر كتابة هذا الكتاب أكثر من مرة؛ لذا اختلفت النسخ عنه رحمه الله تعالى. قال رحمه الله تعالى: قال المصنف رحمه الله تعالى: وقوله تعالى: ﴿قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم أن لا تشركوا به شيئًا وبالوالدين إحسانًا ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده وأوفوا الكيل والميزان بالقصط لا نكلف نفسًا إلا وسعها وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى وبعهد الله أوفوا ذلكم وصاكم به لعلكم تذكرون وأن هذا صراطي مستقيمًا فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون﴾. قال رحمه الله تعالى: قال العماد بن كثير: يقول تعالى لنبيه ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم: قل لهؤلاء المشركين الذين عبدوا غير الله وحرموا ما رزقهم الله: تعالوا، أي هلموا وأقبلوا، أتلوا ما حرم ربكم عليكم، أي أقص عليكم ما حرم ربكم عليكم حقًا لا تخرصًا ولا ظنًا، بل وحيًا منه وأمر من عنده. بل وحيًا منه وأمر من عنده: ﴿أن لا تشركوا به شيئًا﴾، وكأن في الكلام محذوفًا دل عليه السياق. قال: تقديره: ووصاكم أن لا تشركوا به شيئًا، ولهذا قال في آخر الآية: ﴿ذلكم وصاكم به﴾. انتهى كلام ابن كثير رحمه الله تعالى. قال رحمه الله تعالى: قل لهؤلاء المشركين الذين عبدوا غير الله وحرموا ما رزقهم الله: تعالوا، وكما قال رحمه الله تعالى: إن تعالوا بمعنى هلموا وأقبلوا على هذه الوصايا العظيمة التي وصاكم الله عز وجل بها وأمركم الله عز وجل بها. تعالوا أتلوا ما حرم ربكم عليكم، أبين لكم وأقص لكم ما حرم ربكم عليكم حقًا لا تخرصًا ولا ظنًا، بل وحيًا منه وأمرًا، أي أن ما أقوله لكم إنما هو من عند الله عز وجل، ليس من عندي وليس من عند أحد من الخلق، وإنما هو من عند الله عز وجل الذي بيده الأمر وإليه الأمر كله. قال رحمه الله تعالى: ﴿ألا تشركوا به شيئًا﴾، ومعنى قول الله عز وجل: ﴿ألا تشركوا به شيئًا﴾، نفي عبادة ما سوى الله عز وجل وإثبات العبادة لله عز وجل وحده؛ لأن الله عز وجل إذا نهى عن الشرك، فإن هذا النهي عن الشرك يتضمن إثبات التوحيد لله عز وجل وحده وإثبات العبادة لله عز وجل وحده سبحانه وتعالى لا شريك له. قال رحمه الله تعالى: وَكَأَنَّ فِي الْكَلَامِ مَحْذُوفًا، أي في قوله: ﴿ألا تشركوا﴾، يقول الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى: وَكَأَنَّ فِي الْكَلَامِ مَحْذُوفًا وَمُقَدَّرًا، قال: دل عليه السياق. هذا المحذوف لم يكن عن تخرص، وإنما دل عليه سياق هذه الآية. قال: تقديره: ووصاكم أن لا تشركوا به شيئًا. قال رحمه الله تعالى: قوله ﴿وبالوالدين إحسانًا﴾، قال القرطبي: الإحسان إلى الوالدين برهما وحفظهما وصيانتهما وامتثال أمرهما ما دام في المعروف، وإزالة الرق عنهما، وترك السلطنة عليهما. يقول القرطبي رحمه الله تعالى: الإحسان إلى الوالدين ما هو؟ يقول: برهما وحفظهما وصيانتهما وامتثال أمرهما ما كان في المعروف؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إنما الطاعة بالمعروف»، وقال صلى الله عليه وسلم: «لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق»، فالطاعة تكون بالمعروف. قال رحمه الله تعالى: وقوله ﴿ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم﴾، الإملاق الفقر، أي لا تئدوا بناتكم خشية العيلة والفقر. وكان منهم من يفعل ذلك بالإناث والذكور خشية الفقر. قال رحمه الله تعالى: وفي الصحيحين عن ابن مسعود: قلت يا رسول الله، أي الذنب أعظم؟ قال: «أن تجعل لله ندًا وهو خلقك»، قلت: ثم أين؟ قال: «أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك». والولد يدخل فيه الذكر والأنثى. قال رحمه الله تعالى: وقوله ﴿ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن﴾، قال ابن عطية: نهى عام عن جميع أنواع الفواحش. وهي المعاصي، وظهور وبطون حالتان تستوفيان أقساما ما جعل له من الأشياء. قال رحمه الله تعالى: وقوله ﴿ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق﴾، قال في الصحيحين عن ابن مسعود رضي الله عنه مرفوعًا: «لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة». قال رحمه الله تعالى: وقوله ﴿ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون﴾، قال ابن عطية: ذلكم إشارة إلى هذه المحرمات، والوصية الأمر المؤكد المقرر. قال: لعلكم تعقلون، لعل للتعليل، أي إن الله تعالى وصاكم بهذه الوصايا لنعقلها عنه ونعمل بها. قال رحمه الله تعالى: وقوله ﴿ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده﴾، قال ابن عطية: هذا نهي عام عن القرب الذي يعم وجوه التصرف، وفيه سد الذريعة. ثم استثنى ما يحسن، وهو السعي في نمائه. قال مجاهد: التي هي أحسن: التجارة فيه. قال رحمه الله تعالى: حتى يبلغ أشده، قال مالك وغيره: هو الرشد وزوال السفه مع البلوغ. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، استغفرك وأتوب إليك.