شرح فتح المجيد 61

الدرس في شرح فتح المجيد 61، ألقاها

قصة هدم العزة ودلالاتها

يروي قصة هدم خالد بن الوليد لشجرة العزة بأمر النبي، ويبين أن العزة كانت في الحقيقة شيطانة تفتن المشركين. يظهر هذا الفعل عزم النبي على محاربة الشرك.

التبرك بالأصنام والأموات: مفهومه وانتشاره

يشرح مفهوم التبرك بالأصنام والأموات، ويبين انتشاره في الماضي والحاضر. يوضح أن المشركين كانوا يتبركون بالأصنام، وهذا الاعتقاد ما زال موجودا عند قبور الأموات والمشاهد.

الشرك في التبرك بالأوثان والقبور: دراسة مقارنة

يقارن بين شرك المشركين الأوائل وشرك المتأخرين الذين يتبركون بقبور الصالحين. يبين أن كلا النوعين يتضمن عبادة غير الله والاعتقاد في قدرة الأوثان أو المقبورين على جلب النفع أو دفع الضر.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله قال رحمه الله تعالى: وأما العزة، فقال ابن جريج: كانت شجرة عليها بناء وأستار بنخلة بين مكة والطائف، كانت قريش يعظمونها، كما قال أبو سفيان يوم أحد: لنا العزة ولا عزة لكم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قولوا: الله مولانا ولا مولى لكم. والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، ومن والاه، واشهدوا أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، واشهدوا أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. ثم أما بعد، قول الشارح طيب، كما جاء في رحمه الله تعالى: يوم أحد، كان أبو سفيان يتبجح حينما كان مشركا، وكان رئيس المشركين حينها، حينما حصل ما حصل يوم أحد، وصعد النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة فوق الجبل، جعل يقول: لنا العزة ولا عزة لكم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ألا تجيبه؟ قالوا: ما نقول له يا رسول الله؟ قال: قولوا له: الله مولانا ولا مولى لكم. فاشهد أن أبو سفيان كان يتبجح ويفتخر بماذا؟ بهذه الآلهة الباطلة، بالعزة، فيدل على مكانتها عندهم. قال رحمه الله تعالى: وروى النسائي وابن مردويه عن أبي الطفيل قال: لما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة، بعث خالد بن الوليد إلى نخلة، وكانت بين العزة، وكانت على ثلاث سمرات، فقطع السمرات وهدم البيت الذي كان عليها، ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره، فقال: ارجع؛ فإنك لم تصنع شيئا. فرجع خالد، فلما أتته السدنة أمعنوا في الجبل، وهم يقولون: يا عزة يا عزة. فأتاها خالد، فإذا امرأة عريانة ناشرة شعرها تحثن التراب على رأسها، فعقرها بالسيف فقتلها، ثم رجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره، فقال: تلك العزة. قال أبو صالح طيب: قوله رحمه الله تعالى: وروى النسائي وابن مردويه، كتابه غير موجود، مفقود. فإن الله وإن إليه راجعون. وابن كثير رحمه الله تعالى ينقل عنه بكثرة، أحيانا يذكره بسنده، وأحيانا لا يذكره بسنده، وأحيانا أساعد لذكرها الحافظ المكثر بإسناد ابن مردويه، لا تجدها في غيره. فالحاصل أن قوله رحمه الله تعالى: وروى النسائي، أي رواه النسائي في الكبرى، في السنن الكبرى، واضح، جماعة، برقم أحيانا عشر ألف وأربعمائة وثلاثة وثمانين، وإسناده حسن. وفيه: كما ترون، أن النبي صلى الله عليه وسلم لما فتح مكة، بعث خالد بن الوليد رضي الله عنه وأرضاه إلى تلك النخلة، وفيها كما ترون كيف كان الناس في تلك الأزمان يعتقدون في هذه الآلهة الباطلة. فإن خالد رضي الله عنه وأرضاه لما قطع تلك السمرات، فرجع، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: ما صنعت شيئا، أي أن العزة ما زالت موجودة. فلما رجع خالد، أبصرته السدنة، والسدنة هم الذين يقومون على ذلك القبر، يقومون على ذلك القبر، ويهيئون السرج، ويفعلون ما يفعلون من عبادات لهذه الآلهات. فالحاصل: كما جاء في هذا الحديث، أنه قال: فإذا امرأة عريانة، قال: أمعنوا. فلما أبصرته السدنة أمعنوا في الجبل، أمعنوا في الجبل. وفي بعض الألفاظ: أنه ماذا قال؟ فاحتدت أبصارهم إلى الجبل، وكأنهم ينظرون إلى شيء معين. فلما رآهم خالد بن الوليد رضي الله عنه وأرضاه انطلق إلى حيث أمعنوا، فلما قدم، فإذا بامرأة، جاء في بعض الألفاظ: حبشية، عريانة ناشرة شعرها أو راسها، وفي بعض الرواية: أنها ماذا؟ أنها واضعة يديها على عنقها، وكما جاء: فكانت تحث على رأسها التراب، وكانت تحث على رأسها التراب. فلما رأوها، أي السدنة، رأوها ورأوا أن خالدا أقبل عليهم، قالوا: خب ليه يا عزة، خب ليه يا عزة. وكانوا يقولون: سبحانك يا عزة، خب ليه يا عزة. فقال خالد بن الوليد رضي الله عنه وأرضاه: يا عزة كفرانك لا غفرانك، ثم علاها بالسيف رضي الله عنه وأرضاه حتى شقها، حتى شقها. وكانت هي تلك الشيطانة العزة، تلك الشيطانة التي كانت تفتن من تفتن من المشركين حينها، واضح جماعة. وهذا يدلنا على أن هؤلاء إنما كانوا يعبدون الجن، إنما كانوا يعبدون في حقيقة الأمر الجن، كما قال الله جل وعلا عن الملائكة: أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون؟ قالوا: سبحانك، إنما كانوا يعبدون الجن، أكثرهم بهم مؤمنون. واضح جماعة. لذا ذكر من ذكر من الأئمة، ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: أن كل عبادة كانت لغير الله عز وجل، إنما هي عبادة للشياطين، إنما هي عبادة للشياطين، وإن كان أصحاب هؤلاء القبور يظنونها أن هؤلاء القبور، ولكن الشياطين هم الذين يعبدون حقيقة، ولكن الشياطين هم الذين يعبدون حقيقة؛ لأنهم ربما تكلم من داخل قبر، فيقول: قد تكلم السيد الفلاني، وتكلم الولي الفلاني، وإنما هو ماذا؟ وإنما هو الشيطان. وأحيانا يأتي الإنسان في المنام في الماء، فيقول له: زر قبر فلان تجد بغيتك، اذهب إلى قبر فلان تجد حاجتك، اذهب إلى السيد فلان تكسب كربتك. فإذا جاء القبر، قال له: حاجتك كذا وكذا، وكربتك كذا وكذا، فهي ما فرجتها عنك، أو كما يقول له، فيفتن ذلك الرجل غاية الفتنة. إذن هي من أعمال الشياطين، هذه العبادات من أعمال الشياطين والعياذ بالله، ومن أفعال الجهلة الذين يعبدون غير الله جل وعلا، ويعلقون قلوبهم بغير الله جل وعلا. فانظر إلى أهل التوحيد، انظر إلى خالد بن الوليد رضي الله عنه وأرضاه، أولئك يقولون: سبحانك يا عزة، خب ليه، خب ليه. وخالد رضي الله عنه وأرضاه يعلوها بالسيف. جاء في بعض الألفاظ أو ذكر بعض أصحاب السير: أنه شقها نصفين، أنها ضربها بالسيف حتى شقها نصفين، وجعل يقول وهو يقدم عليها: كفرانك يا عزة لا سبحانك، كفرانك يا عزة لا سبحانك. فانظر إلى أهل التوحيد كيف يجعل الله عز وجل الشجاعة في قلوبهم والثبات، وانظر إلى أهل الخذلان كيف يكونون. قال رحمه الله تعالى: قال أبو صالح: كانوا يعلقون عليها السيور والعهن، رواه عبد بن حميد وابن جرير. وهذا كذلك معنى من المعاني، من أنهم كانوا يتبركون بها، ويطلبون منها البركة، وأن لها بركة ذاتية، بحيث أنهم إذا وضعوا عليها السيور والعهن وما شابه ذلك، يعتقدون فيها أنها ماذا؟ أنها تحصل فيها البركة، تحصل فيها البركة بمجرد ملامسة هذه الأشياء لها. وسيأتي لهذا مزيد بيان بإذن الله عز وجل. قال رحمه الله تعالى: قلت: وكل هذا وما هو أعظم منه يقع في هذه الأزمنة عند ضرائح الأموات، وفي المشاهد، كما ذكر رحمه الله تعالى. فكم من هؤلاء من عباد القبور ممن يذهب إلى القبر الفلاني أو السيد الفلاني، فيجعل أو فيمكث يتمسح به، يمرغ وجهه وجسده، بل ربما بعض النساء كما ذكر من رآهن في ذلك: أنها ربما تمسحت بفرجها من أجل الولد، بذلك الميت، أي تطلب البركة. وآخر يطلب البركة فيفعل ما يفعل، وآخر يفعل ما يفعل، وآخر يزجر، وآخر يمسح عينيه، وآخر وآخر، إلى غير ذلك من الأشياء التي ما أنزل الله عز وجل بها من سلطان. وإنما هو الظن السيء بالله عز وجل، إذ أنهم تركوا الإقبال عليه واللجوء إليه، وعلقوا قلوبهم بغير الله عز وجل، ورجوا وطلبوا البركة من غير الله عز وجل، والبركة إنما هي من الله. قال رحمه الله تعالى: وأما مناة، فكانت بالمشلل عند قديد، بين مكة والمدينة، وكانت خزاعة والأوس والخزرج يعظمونها ويهلون منها للحج. وأصل اشتقاقها من اسم الله المنان، وقيل: لكثرة ما يمنى أن يراق عندها من الدماء للتبرك بها. قال البخاري رحمه الله تعالى في حديث عروة عن عائشة رضي الله عنها: إنها صنم بين مكة والمدينة. قال ابن هشام: فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عليا فهدمها عام الفتح. وقال العماد بن كثير: فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد في غزوة بني المصطلق فكسرها. فمعنى الآية كما قال القرطبي: أن فيها حذفا، تقديره: أفرأيتم هذه الآلهة أنفعت أو ضرت حتى تكون شركاء لله تعالى. طيب، قوله رحمه الله تعالى: وأما مناة، فكانت بالمشلل عند قديد، بين مكة والمدينة، أي في مكان بين مكة والمدينة، وكانت خزاعة والأوس والخزرج ومن وراءهم يعظمونها ويهلون منها الحج. وكما ذكر الإمام ابن جرير الطبري وغيره: قالوا أن أصل اشتقاقها من اسم الله المنان، من المنان، كما أن العزيز من ماذا؟ كما أن العز من العزيز، واللات من الإله، فقيل لهذا، وقيل: لكثرة ما يمنى، أي ما يراق عندها من الدماء للتبرك بها. وقد ذكر العلماء رحمهم الله تعالى في قول الله عز وجل: ﴿وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ لماذا قال الله عز وجل: ومناة الثالثة الأخرى، مع أن لفظ الأخرى إنما يطلق على الثانية؟ واضح جماعة. قالوا: إن مناة لم تكن في المكانة كاللات والعزة، لم تكن في المكانة، وإن كانت مكانتها عالية، ولكن لم تكن في المكانة كاللات والعزة. لذا قالوا: إن الله عز وجل لما ذكر اللات والعزة ذكرها دون تقييد، لم يقل: الأولى والثانية، بخلاف مناة، قال: الثالثة، ثم قال: الأخرى، واضح جماعة. قالوا: فدل على أنها دون ذلك، دون الأولى والثانية. وقال بعضهم: إنما قيل: ومناة الثالثة الأخرى لتناسق الآيات، واضح جماعة، لتناسق الآيات، وإلا فإنها من الآلهات المعظمة. فالله أعلم، واضح جماعة. هذا أمر، أمر ثاني، فيما ذكره الشارح رحمه الله تعالى: من أن مناة كانت إما أنها مأخوذة من اسمه سبحانه وتعالى المنان، أي مشتقة من، وإما أنها سميت مناة لكثرة ما يمنى عليها من الدماء، يراق عليها من الدماء. فإنهم ذكر أهل السير: أنهم كانوا يكثرون عليها الدبائح تبركا، يكثرون عليها الدبائح تبركا، أي للتبرك. ولعل هذا المذكور، أي ذكره الشيخ رحمه الله، وجهه، ذكر هذه الآية، إشارة إلى مناسبة هذه الآية لهذا الباب، مناسبة هذه الآية لهذا الباب، من أن هذه الآلهات اللات والعزة ومناة الثالثة، عبدها المشركون، وكانت من جملة عبادتهم أن يتبركوا بها، وأن من جملة الشرك الذي أشركوا بالله عز وجل بهذه الآلهات أن يتبركوا بها، فاعتقدوا أن فيها بركة ذاتية، وأن من تمسح بها أو علق شيئا بها، فقد أصابته البركة بذلك المس، وبذلك التعليق. وقد ذكر الشارح رحمه الله تعالى ها هنا: أن من أهل العلم من قال: إن عليا هو الذي هدمها بإذن رسول الله صلى الله عليه وسلم أو بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومنهم من قال: إن خالدا هو الذي هدمها، فالله أعلم. قال رحمه الله تعالى: وقوله أيضا: فمعنى الآية كما قال القرطبي، أي في قول الله عز وجل: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى * وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ يعني قد يقول قائل: ماذا؟ إذن ألكم الذكر وله الأنثى؟ قالوا: لا. الآية فيها حذف وتقدير، ما هو التقدير؟ قالوا: تقديره: أفرأيتم هذه الآلهة أنفعت أو ضرت حتى تكون شركاء لله تعالى؟ ومعنى هذا: أن الآلهة التي اتخذتموها إنما هي آلهة لا تنفع ولا تضر، وإذا كان كذلك، فإنها لا تستحق أن تكون آلهة؛ لأن الإله من وصفه أن يكون نافعا لعابده، دافعا لضره. وأما إذا لم يكن كذلك، لا يستحق أن يكون إلها معبودا، واضح جماعة. من الإله والرب، الإله لا بد أن يكون ماذا؟ أن يكون مالكا للنفع والضر. فمن لم يكن مالكا للنفع ولا الضر، فلا يستحق أن يكون ماذا؟ إلها معبودا. قال الله جل وعلا عن إبراهيم: ﴿مَا لَا يَضُرُّكُمْ شَيْئًا وَلَا يَنْفَعُكُمْ﴾ ﴿أَفَلَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ قال رحمه الله تعالى: فقوله: ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى﴾ قال ابن كثير: أتجعلون له ولدا وتجعلون ولده أنثى وتختارون لكم الذكور؟ قوله: ﴿تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى﴾ أي جور وباطلة، أي جور وباطلة. فكيف تقاسمون ربكم هذه القسمة التي لو كانت بين مخلوقين كانت جورا وسفها؟ فتنزهون أنفسكم عن الإناث وتجعلونهن لله تعالى. بمعنى أن المشركين كما هو معروف: كانوا إذا بشر أحدهم بالأنثى، كما قال الله جل وعلا: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ * يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ هذا في حق أنفسهم، ثم في حق الله جل وعلا جعلوا لهم الذكور ورضوا بها، وقالوا: إن هذه الآلهات إنما هي بنات الله، إن هذه الآلهات إنما هي ماذا؟ بنات الله جل وعلا. كيف يرضون لله عز وجل أن يكون له بنات ناقصات، ولا يرضون لأنفسهم أن تكون لهم بنات؛ لأنهم في نظرهم ماذا؟ ناقصات. وهل هذا إلا قسمة ضيزة؟ كما قال الله جل وعلا. الجواب: بلى أو نعم. قالوا: الملائكة بنات الله. قالوا: الملائكة بنات الله. وكذلك هذه الآلهة لما أنثوها قالوا: كذلك بنات الله. ألا تصل أصلها ماذا؟ أد إله، فزادوا إليها ماذا؟ للتأنيث. فقالوا: هذه الآلهات كذلك. من هذا المعنى: فيقول: كيف ترضون أن تجعلوا الله عز وجل آلهات إناثا، أو تصفون الله عز وجل بأن له بنات، بأن له بنات، ولا ترضون لأنفسكم هذا المعنى؟ قال رحمه الله تعالى: فقوله: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ﴾ أي من تلقاء أنفسكم، ﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ أي من حجة. ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ﴾ أي ليس لهم مستند إلا حسن ظنهم بآبائهم الذين سلكوا هذا المسلك الباطل قبلهم، وإلا حظ أنفسهم في رياستهم وتعظيم آبائهم الأقدمين. أي كما قال الله عز وجل: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ﴾ والسلطان يطلق ويراد به الحجة والبرهان، وهؤلاء لا حجة لهم ولا برهان في إثبات ما ادعوه، أن هذه آلهة تستحق أن تعبد مع الله جل وعلا. قال: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ﴾ يتبعون الظن، وهل هو الظن الراجح؟ لا، بل هو الظن بمعنى الوهم؛ إذ أنهم لا أثارة لهم من علم في إثبات استحقاق إلهية في استحقاق هذه المألوهات للعبادة مع الله جل وعلا. وإنما كما قال: إنما هو حظ النفس والحرص على الرئاسة والتعظيم، وتعظيم الآباء وتقليد الآباء. إن وجدنا آباءنا على أمة، وإن على آثارهم مهتدون. ومطابقة الآيات للترجمة: من جهة أن عباد الأوثان إنما كانوا يعتقدون حصول البركة منها، بتعظيمها ودعائها والاستعانة بها والاعتماد عليها في حصول ما يرجونه منها ويؤملونه ببركتها وشفاعتها وغير ذلك. قوله: والاعتماد عليها في حصول ما يرجونه منها، ما يرجونه منها في الدنيا، وإلا فإن المشركين لا يؤمنون بالبعث، لا يؤمنون بالبعث. فهم يرجون منها حصول الخير ووقوعه في دنياهم، في دنياهم، كما أخبر الله جل وعلا عن هؤلاء المشركين: أنهم لا يؤمنون بالبعث. قال: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا﴾ ﴿قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾ فالحاصل: أن هؤلاء كذلك من تبركهم بهذه الآلهات: أنهم اعتمدوا عليها في حصول ما يرجونه منها، في حصول ما يرجونه منها، أي في حصول الخير، في حصول الخير منها. قال: ويؤملون ببركتها وشفاعتها، ببركتها وشفاعتها. وهذا أيضا معنى آخر من معاني الشرك، من معاني الشرك؛ إذ أنهم يعتقدون أن في هذه الآلهة أنها لهم شفعاء عند الله عز وجل، أنها تشفع لهم عند الله جل وعلا في جلب ما يرجونه ويؤملونه، في جلب ما يرجونه ويؤملونه. وهذا قد دل عليه كذلك قول الله جل وعلا في هؤلاء المشركين: أنهم قالوا في آلهتهم: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ إذن هم يعبدون هذه الآلهات بأنواع من أنواع العبادات، منها هذه المذكورة التي ذكرها الشيخ رحمه الله تعالى ها هنا، لأجل ماذا؟ ما نعبدهم إلا ليقربون إلى الله زلفا. إذن أرادوا منهم أن تكون لهم واصلة فيما بينهم وبين الله جل وعلا، إذن شرك المشركين كان من قبيل هذا الباب، من قبيل التوسط ووضع وصائط فيما بينهم وبين الله جل وعلا، جعلوها من تلقاء أنفسهم، وعبدوا هذه الوصائط وتقربوا إلى هذه الوصائط. كما قال الله جل وعلا: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ فهم عبدوهم لأجل ماذا؟ لأجل أن يقربوهم إلى الله زلفا. قال: وغير ذلك، أي وغير ذلك من المعاني التي لأجلها صار هؤلاء بها مشركون. قال: فالتبرك بقبور الصالحين كاللات، وبالأشجار والأحجار كالعزة ومناة، من فعل جملة أولئك المشركين مع تلك الأوثان. فمن فعل مثل ذلك واعتقد في قبر أو حجر أو شجر، فقضاها عبادة هذه الأوثان فيما يفعلونه معها من هذا الشرك. قال: على أن الواقع من هؤلاء المشركين مع معبوداتهم أعظم مما وقع من أولئك. بمعنى أن الشرك الذي حصل في زمن المتأخرين أعظم، لماذا؟ هو أعظم؛ لأن المشركين كما قال الله جل وعلا عنهم: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ إذن يتقربون إليهم لأجل أن يقربوهم إلى الله جل وعلا. أما مشركوا زماننا وزمان الشيخ رحمه الله تعالى، فإنهم يعتقدون في هؤلاء المقبورين الموتى الذين يزعمون أنهم صالحون، يعتقدون فيهم أن لهم نفعا وضرا. فإذا مسهم الضر، ضل من يدعون إلا أصحاب القبور، ضل من يدعون إلا أصحاب القبور، كما يقال عن بعضهم: مقال معناه أنه إذا جاءتك الأمور أو الأهوال أو ما شابه ذلك، فعليك بأصحاب القبور. فعليك بأصحاب القبور، بخلاف المشركين، المشركون إذا أصابهم الضر، ماذا يصنعون؟ وإذا نزلت بهم النازلة العويصة، لا يرجعون إلا إلى الله. ﴿ضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ﴾ فالمشركون إذا كانوا في شدة أمورهم، في شدة الحوادث، في اضطراب الأمور، ضل من يدعون مع الله جل وعلا، وأخلصوا العبادة لله جل وعلا عند الضر. أما مشركون هذه الأزمان وقبل هذه الأزمان، إذا نزل بهم الضر، فإنهم يشرعون ويرجعون إلى أصحاب القبور، يلهجون ويرجعون إلى أصحاب القبور. فالحاصل: أن هذا معنى من المعاني الذي لأجله كان هؤلاء أشد من المشركين في عبادتهم؛ لأنهم يعبدون في السراء والضراء، وأيضا لأن المشركين الأول كانوا يعبدون هؤلاء وهؤلاء، كما سمعتم، ربما كانوا أناسا صالحين أو قل ليسوا بفاسدين. بخلاف عباد القبور، فإن أكثر من يعبدونه منهم ما هو زنديق، ومنهم ما هو فاسق، ومنهم ما هو دون ذلك. فالحاصل: أنهم منهم ومنهم، بخلاف أولئك، فإنهم إما أن يعبدون أشجارا وأحجارا، وإما أن يعبدوا ناسا صالحين قد عرفوا بالصلاح. سبحانك اللهم بحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

شاركنا على