شرح فتح المجيد 77

الدرس في شرح فتح المجيد 77، ألقاها

الاستدلال القرآني على إخلاص العبادة

يشرح المقطع الأول معنى الآية القرآنية ويبين دلالتها على إخلاص العبادة لله وحده. يأمر الله بطلب الرزق منه وحده وعبادته وشكره.

تحذير من الشرك ودعاء غير الله

المقطع الثاني يحذر من طلب الرزق من غير الله واعتباره شركًا، ويبين أن دعاء غير الله ضلال حيث لا يستجيب المدعوون لغير الله.

شرح معنى الدعاء وأنواعه في الإسلام

المقطع الثالث يشرح معنى الدعاء في الإسلام ويستشهد بآيات قرآنية وأحاديث نبوية، ويبين أنواع الدعاء مثل دعاء المسألة ودعاء العبادة.

الدعاء في الصلاة وأحكامه

المقطع الرابع يبين أن الصلاة الشرعية تشتمل على دعاء المسألة الذي لا تصح بدونه، مثل الفاتحة والدعاء بين السجدتين وفي التشهد.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم قال المؤلف رحمه الله تعالى: وقوله ﴿فابتغوا عند الله الرزق واعبدوه واشكروا له إليه ترجعون﴾. قال الشارح رحمه الله تعالى: يأمر عباده بابتغاء الرزق عنده وحده دون ما سواه ممن لا يملك لهم رزقًا من السماوات والأرض شيئًا، فتقديم الظرف يفيد الاختصاص. بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، ومن والاه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، ذكر الشيخ رحمه الله تعالى هذه الآية تحت هذا الباب، باب من الشرك أن يستغيث بغير الله أو يدعو غيره. قال: وقوله ﴿فابتغوا عند الله الرزق واعبدوه واشكروا له إليه ترجعون﴾، وجه هذه الآية أو الاستدلال بهذه الآية في هذا الباب أن الله جل وعلا أمر بابتغاء الرزق عنده، وكذلك أمر بعبادته وحده، وكذا أمر بشكره سبحانه وتعالى وحده. وهذه الأوامر تدل على أن هذه المأمور بها من العبادات، فإذا كانت من العبادات، فجعلها لله جل وعلا وإخلاصها لله جل وعلا عبادة، وصرفها لغير الله جل وعلا من الشرك. قال الشارح رحمه الله تعالى: يأمر عباده بابتغاء الرزق عنده وحده دون ما سواه ممن لا يملك لهم رزقًا من السماوات والأرض شيئًا. قال: فتقديم الظرف يفيد الاختصاص، قد يقول قائل: من أين لنا بأن طلب الرزق لا يكون إلا من الله جل وعلا؟ فالجواب: من هذا الأسلوب العربي الذي جاء به القرآن الكريم، قال الله جل وعلا: ﴿فابتغوا عند الله الرزق﴾، إذا كان في غير القرآن، سيقال: فابتغوا الرزق عند الله. فكون الظرف قدم على الرزق، فالقاعدة عند علماء المعاني أن تقديم ما حقه التأخير يفيد الحصر ويفيد الاختصاص. إذن في الآية في قول الله جل وعلا: ﴿فابتغوا عند الله الرزق﴾، أي أن الرزق عند الله جل وعلا ليس عند غيره، بل هو عند الله جل وعلا وخاص بالله جل وعلا. فإذا كان كذلك، فلا يبتغى الرزق إلا من الله، فمن طلبه من غير الله جل وعلا فقد أشرك بالله جل وعلا معه غيره. قال: وقوله ﴿واعبدوه﴾ من عطف العام على الخاص، فإن ابتغاء الرزق عنده من العبادة التي أمر بها، وهذا واضح في قوله: ﴿فابتغوا عند الله الرزق واعبدوه﴾. ابتغاء الرزق من الله إذا سأل الرزق من الله فهو داع لربه جل وعلا بأن يرزقه، والدعاء عبادة. قال العماد بن كثير: ﴿فابتغوا عند الله الرزق﴾ أي لا عند غيره؛ لأنه المالك له، وغيره لا يملك شيئًا من ذلك. ﴿واعبدوه﴾ أي أخلصوا له العبادة وحده لا شريك له، ﴿واشكروا له﴾ أي على ما أنعم عليكم، ﴿إليه ترجعون﴾ أي يوم القيامة فيجازي كل عامل بعمله. قال المصنف رحمه الله تعالى: وقوله ﴿ومن أضل ممن يدعو من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة وهم عن دعائهم غافلون وإذا حشر الناس كانوا لهم أعداء وكانوا بعبادتهم كافرين﴾. قال الشارح رحمه الله تعالى: نفى سبحانه أن يكون أحد أضل ممن يدعو غيره، وأخبر أنه لا يستجيب له ما طلب منه إلى يوم القيامة. والآية تعم كل من يدعى من دون الله، كما قال تعالى: ﴿قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر﴾. قال أبو جعفر بن جرير: ﴿وإذا حشر الناس كانوا لهم أعداء﴾ يقول تعالى ذكره: وإذا جمع الناس ليوم القيامة في موقف الحساب، كانت هذه الآلهة التي يدعونها في الدنيا لهم أعداء؛ لأنهم يتبرؤون منهم. الحاصل في هذه الآية: أن المصنف رحمه الله تعالى أورد هذه الآية تحت هذا الباب ليبين أن من دعا غير الله جل وعلا فقد وقع في الشرك. قال: كما قال تعالى: ﴿ويوم يحشرهم وما يعبدون من دون الله فيقول أأنتم أضللتم عبادي هؤلاء أم هم ضلوا السبيل قالوا سبحانك ما كان ينبغي لنا أن نتخذ من دونك من أولياء ولكن متعتهم وآباءهم حتى نسوا الذكرى وكانوا قوما بورا﴾. قال ابن جرير: ﴿ويوم يحشرهم وما يعبدون من دون الله﴾ من الملائكة والإنس والجن. فيه أن هذه الآية تفسرها الآية الأخرى، قال: قالت الملائكة الذين كان هؤلاء المشركون يعبدونهم من دون الله، تنزيهًا لك يا ربنا وتبرئة مما أضاف إليك هؤلاء المشركون. قلت: وأكثر ما يستعمل الدعاء في الكتاب والسنة واللغة واللسان الصحابة ومن بعدهم من العلماء في السؤال والطلب. كما قال: ﴿والذين تدعون من دونه ما يملكون من قطمير إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم ولو سمعوا ما استجابوا لكم ويوم القيامة يكفرون بشرككم﴾. وفي حديث أنس مرفوعًا: «الدعاء مخ العبادة»، وهو حديث ضعيف، لكن جاء ما يغني عنه وهو ما جاء عند أبي هريرة مرفوعًا: «الدعاء هو العبادة» وهو حديث صحيح. وفي الحديث الصحيح: «ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة»، وقد أخرجه الترمذي والحاكم والطبراني وغيرهم من حديث أبي هريرة، وفيه صالح المري وهو متروك. وأخرج أحمد في المسند من حديث عبد الله بن عمر، وقال الهيثمي في المجمع: إسناده حسن، والصواب أن فيه عبد الله بن لهيعة وهو ضعيف مختلط. وفي الحديث الثالث: «من لم يسأل الله يغضب عليه»، قلنا: خرجه الترمذي وابن ماجه وأحمد وغيرهم، وإسناده حسن، لكن بلفظ: «من لم يدع الله يغضب عليه». وحديث: «ليس شيء أكرم على الله من الدعاء»، قال الشارح: رواه أحمد والترمذي وابن ماجه وابن حبان والحاكم وصححه، وهذا الحديث كما ذكر رحمه الله تعالى رواه المذكورون من حديث أبي هريرة، وفيه عمران بن داور أبو العوام القطال البصري وهو صدوق يهم. وقوله: «الدعاء سلاح المؤمن وعماد الدين ونور السماوات والأرض»، قال: رواه الحاكم وصححه، ورواه غيره، ورواه أبو يعلى، وقال الهيثمي في المجمع: وفيه محمد بن الحسن بن أبي يزيد وهو متروك. وحكم عليه العلامة الألباني في الضعيفة برقم 79 و100 بأنه موضوع. وأما ما تقدم من كلام شيخ الإسلام وتبعه العلامة ابن القيم من أن الدعاء نوعان: دعاء مسألة ودعاء عبادة، وما ذكر بينهما من التلازم وتضمن أحدهما للآخر، فذلك باعتبار كون الذاكر والتالي والمصلي والمتقرب بالنفل وغيره طالبًا في المعنى، فيدخل في مسمى الدعاء بهذا الاعتبار. وقد شرع الله تعالى في الصلاة الشرعية من دعاء المسألة ما لا تصح الصلاة إلا به، كما في الفاتحة، وبين السجدتين وفي التشهد، وذلك عبادة كالركوع والسجود. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

شاركنا على