شرح مسائل الجاهلية  63

شرح مسائل الجاهلية 63

الدرس في شرح مسائل الجاهلية 63، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

مقدمة في القدح في حكمة الله

يتناول المقطع الأول مسألة القدح في حكمة الله تعالى، ويشرح معنى القدح ويفند اعتقاد أهل الجاهلية بأن الله خلق الكون باطلاً. بينما يبين المقطع الرابع أهمية الابتعاد عن اعتقاد الكفار والتوكل على الله.

بيان حكمة الله في خلق الكائنات

استعرض ابن القيم الحكم العظيمة من خلق الكائنات، منها معرفة أسماء الله وصفاته، وتنفيذ أوامره. وأكد أن كل شيء مخلوق لحكمة، حتى الأشياء التي قد تبدو شرًا قد تحمل خيرًا.

نفي الحكمة عن أفعال الله وأقوال الأشاعرة

يتناول المقطع مسألة تتعلق بحكمة الله جل وعلا في أفعاله وأوامره، ويبين أن أهل البدع نفوا الحكمة عن أفعال الله، بينما أهل السنة يربطون الأفعال بالحكم.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: الثانية والخمسون، القدح في حكمة الله تعالى، أي هذه المسألة الثانية والخمسون من مسائل الجاهلية التي تعقب فيها المؤلف رحمه الله تعالى أهل الجاهلية في ذكر خصالهم وأفعالهم، وهكذا من اعتقادات وأقوال صدرت عنهم. وفي هذه الفقرة ذكر رحمه الله تعالى ما يتعلق بقدحهم في حكمة الله سبحانه وتعالى. فقال: القدح في حكمة الله تعالى، والقدح في لغة العرب يأتي بمعنى العيب وبمعنى التنقص. فقال: ذكر صاحب المختار بأن القدح بمعنى عاب، قدح بمعنى عاب، قدح أخاه أي عاب أخاه. وهنا قول المؤلف: القدح في حكمة الله، أي ما يكون من التنقص في حكمة الله سبحانه وتعالى. فالله جل وعلا ذو الحكمة البالغة، ووصف نفسه وسمى نفسه بأنه الحكيم، وهو العليم الحكيم، وهو العزيز الحكيم. ففي ذلك إثبات للمسمى وإثبات للصفة. فالله الحكيم أي ذو الحكمة جل في علاه، هو حكيم في أفعاله، حكيم في خلقه، وفي أمره جل في علاه. وما معنى الحكمة؟ معنى الحكمة هو وضع الأشياء في موضعها لغايات حميدة. وهذا قيد مهم، لأن بعض الناس ربما إذا عرف الحكمة قال: وضع شيء في موضعه، لا إلى هذا الحد، إلى هذه المسألة، وضع الشيء في موضعه أو وضع الأشياء في موضعها، هذا هو تعريف للعدل، تعريف للعدل، هذا العدل، وضع الشيء في موضعه، هذا هو العدل، خلافه الظلم، وضع الشيء في غير موضعه. وفرق بين العدل وبين الحكمة، فالعدل كما سمعتم وضع الشيء في موضعه، وضع الأشياء في مواضعها، لكن الحكمة لها قدر زائد، فهي وضع الأشياء في موضعها لغايات حميدة، لغايات حميدة، فهذا هو التعريف الذي جرى عليه العلماء في معرفة الحكمة. فقال رحمه الله تعالى: القدح في حكمة الله، أي أن هذا من فعل ومن اعتقاد أهل الجاهلية، أنهم طعنوا في حكمة الله سبحانه وتعالى، كما قال جل في علاه: ﴿ما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلاً ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار﴾، أي كان أهل الجاهلية وكان الكفار يظنون هذا الظن، وبئس الظن، أنهم أن الله جل وعلا ما خلق الكائنات، ما أوجد الأرض والسماوات إلا لغير شيء، لغير قصد، خلق هكذا باطل، عبث. وقد رد عليهم ربنا جل وعلا في آيات كثيرة: ﴿أفحسبتم أنما خلقناكم عبثًا وأنكم إلينا لا ترجعون﴾، ربنا ما خلق هذه الكائنات عبثًا، ما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين، ليس هذا المراد من خلق السماوات والأجرام والأفلاك والأرض والأرض وما حوت من إنس وجن وكائنات وبهائم وحيوانات وحشرات، هذه المخلوقات ما خلقت لعبًا أو خلقت عبثًا أو خلقت باطلاً كما كان يظن أهل الجاهلية. إذن ما قاله المؤلف رحمه الله تعالى: القدح في حكمة الله، نعم، صدر هذا منهم، كان أهل الجاهلية يطعنون في حكمة الله سبحانه وتعالى، ﴿ما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلاً ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار﴾. وقد ذكر العلماء أن إنكار حكمة الله جل وعلا يكون على صورتين اثنتين، إما إنكار للحكمة من أصلها، أو تكون بإثبات الحكمة لكن لا يكون على الوجه الشرعي، لا يكون على الوجه الشرعي، فهؤلاء وهؤلاء كلهم دخلوا في هذا القدح، أنهم قدحوا في حكمة الله. فيدخل في القدح في حكمة الله من أنكر الحكمة من أصلها، كمن يظن أن الله جل وعلا أوجد هذه الكائنات بغير حكمة، ويدخل كذلك في القدح في حكمة الله من أثبت الحكمة بالجملة، لكن لم يجعلها على الوجه الشرعي. شيخ الإسلام رحمه الله تعالى ذكر الإجماع أن المسلمين قد أجمعوا على إثبات الحكمة بالجملة، لكن ذكر بعد ذلك الخلاف في كيفية إثبات الحكمة، في كيفية إثبات الحكمة. إذن يظهر أن هناك أناسًا ومنها من طوائف من أمة محمد صلى الله عليه وسلم من لربما خالف الشرع في إثبات حكمة الله سبحانه وتعالى. وقد استكلم العلماء رحمهم الله تعالى في بيان الحكم العظيمة التي من ورائها أراد ربنا جل وعلا من خلق هذه الكائنات والموجودات. ومن أعظم من استفصل في بيان هذه المسألة ابن القيم رحمه الله تعالى في كتاب «الشفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والتعليل»، سفر عظيم ألفه هذا الحبر الرباني في بيان أحوال الناس إذا حكمة الله عز وجل، وبالجملة ما يتعلق بمسائل القضاء والقدر. فتعرض رحمه الله تعالى إلى حكمة الله، أثبت حكمة الله جل وعلا، وبين الحكم العظيمة المرادة من إيجاد هذه المخلوقات. فذكر رحمه الله تعالى من هذه الحكم أنه سبحانه وتعالى بها، أي بإيجاد هذه المخلوقات، يعرف بأسمائه وبصفاته وبأفعاله وبآياته، فهذه حكمة عظيمة يجدها المرء من إيجاد هذه المخلوقات، وكذلك من إيجاد نفسك في هذه الدنيا. وذكر كذلك رحمه الله تعالى أنه سبحانه وتعالى يحب أن يعبد وأن يطاع وأن يشكر، ولا يتأتى ذلك ولا يتأتى هذه المقامات إلا بوجود هذه المخلوقات التي تخضع لحمد الله ولشكره ولإنابة إليه ولتعبده سبحانه وتعالى. قال: وهكذا أنه يأمر وينهى ويشرع، هذه حكمة عظيمة، إن لم تكن هناك كائنات ولا مخلوقات، إذن يأمر من وينهى من ويشرع لمن؟ فحكمة عظيمة بإيجاد هذه المخلوقات أن تظهر الأوامر وتظهر الشرائع. قال رحمه الله تعالى: أنه يدبر الأمر، أنه يدبر الأمر ويتصرف في ملكوته كيف شاء، كذلك هذا يظهر التصرف التام في مملكته سبحانه وتعالى في ملكوت السماء والأرض، لا يمكن ولا يتم إلا بوجود هذه المخلوقات حتى تظهر تدبير الله جل وعلا على هذه الكائنات. قال: أنه يثيب المحسن على إحسانه، وهكذا يثيب المسيء على إساءته. قال: وأنه يُعلم خلقه أنه لا إله إلا هو، وهذه حكمة عظيمة أن الكائنات وأن الإنس والجان يعترفون بوحدانية الله سبحانه وتعالى. قال: شهادة المخلوقات بأنه ربها وفاطرها. وقال كذلك: أنه سبحانه وتعالى يحب الجود ويحب العفو والمغفرة والصفح، هذا يظهر في إيجاد هذه المخلوقات. وآيات كثيرة وحكم عظيمة استفاض في ذكرها ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه العظيم. بل حتى ذكر ما يتعلق بالشر، أهل الشر هناك حكم من وجود الشر من المعاصي والآثام. ذكر نعم، أن هذه حكم. بل قال رحمه الله تعالى: أنه لا يوجد شيء هو شر من كل الوجوه. قال: لا يوجد شر من كل الوجوه. قال: لا يوجد. قال: بل حتى الشيطان ليس هو شر من كل الوجوه، بل فيه كذلك بعض الحسنات، ليس من أجله، ولكن حسنات تكون في غيره. ثم أطنب رحمه الله تعالى بذكر مثل هذه الحسنات، مثل آدم عليه السلام، جعل آدم على أحسن حال، جعل آدم على أحسن حال، وقع في الذي وقع فيه، نعم، زلت قدمه، لكن بعد ذلك تاب وأناب وارتفعت عند ربه جل وعلا، إذن كان ذلك بفعل وسوسة الشيطان. ثم ذكر رحمه الله تعالى عبرًا كثيرة، أنه لا يوجد شيء شر محض، بل هناك ما من شيء شر من كل الوجوه، بل قد يوجد خير ليس في أصله وإنما يظهر ذلك في غيره. وهذا الكتاب هو كتاب عظيم جدًا، يزيح الإشكالات التي تقع عند الناس حول حكمة الله سبحانه وتعالى. فربنا جل وعلا له الحكمة البالغة، خلق الإنسان لحكمة، خلق الجان لحكمة، خلق السماوات خلق الأرض، خلق الجبال، خلق الأنهار، خلق البحار، ما من شيء إلا خلقه الله جل وعلا لحكمة، علمها من علمها وجهلها من جهلها. فكونك يا عبد الله تجهل حكمة أمر ما يوجد، أن بعض الناس الأذهان والأفهام تتقاصر، قل: أنا أنظر في جسمي مثلاً، أرى أن هناك شيء لماذا هذا وجد؟ أو يرى بعض الناس في الحياة المناخية أو تضاريس الأرض أو ما يتعلق بالأفلاك وعالم الفضاء، فلربما يسبح في ذهنه فيجد أن أشياء من الأشياء ليس لها عبرة، هذا عند ظنك. فكون أن شخصًا ما يصل إلى أن شيئًا ما ليس له حكمة في ذهنه، ليس معنى أنه ينفي الحكمة تمامًا عنه، بل قد تكون هذه الحكمة ظهرت عند أناس لم تظهر عندك، وإنما تؤمن بأن الأشياء ما فعلت وما وجدت إلا لحكمة أرادها الله سبحانه وتعالى، فهي قد تخفى عليك، وقد يعلمها كذلك أخوان لهذا العلماء، اهتموا بهذا الموضوع، موضوع التعليلات الشرعية. فألفوا الكتب العظيمة التي فيها بيان لماذا الله جل وعلا أمر بكذا ولماذا جعل كذا ولماذا فعل كذا؟ وهذه مسألة عظيمة، وإن كانت مسألة فقهية، إلا أنها كذلك مسألة تعلق القلب بالله جل وعلا، وتدل على عظيم حكمة الله جل وعلا في أمره، وكذلك في فعله سبحانه وتعالى. وأهل البدع خالفوا في ذلك، وهم ممن يقذف في حكمة الله، وهم إن كانوا أثبتوا الحكمة بشكل عام، لكن في تفاصيلها فقد خالفوا. ومن أعظم من خالف في باب حكمة الله جل وعلا الأشاعرة، نفوا الحكمة، نفوا الحكمة عن أفعال الله سبحانه وتعالى، ما عندهم شيء وجد لحكمة، يقول: ما في داعي لحكمة أصلا، الرب جل وعلا هو الآمر وهو الناهي، يفعل ما يشاء، يتصرف كيف شاء، ليس بالضرورة أن تكون هناك حكمة. ثم ذهبوا بعد هذا الاعتقاد إلى ذكر أقوال لا تليق لا تليق بالرب جل وعلا، كان يقول قائل منهم: بأن الله جل وعلا يمكنه أن يبيح لعباده ما حرمه عليهم، يمكن أن يبيح الله ليش؟ ما في مانع من ذلك، والعكس بالعكس، قالوا: يمكن في حق الرب ويجوز في حق الرب سبحانه وتعالى أنه يحرم على العباد ما أباح لهم، ما هناك يمنع الرب سبحانه وتعالى. بل حتى في حكم الآخرة قالوا: يجوز في حق الله جل وعلا أن يأتي بالمطيع، بالمطيع الطائع العابد التقي الذي ما عصى الله طرفة عين، ما عصى الله طرفة عين في هذه الدنيا، يمكن أن الله يدخله النار، والعكس بالعكس، أن الله جل وعلا يأتي العصاة وإلى من لربما في دنيا ما عرف الله طرفة عين، كافر مرتد مشرك زنديق، يمكن على الله يدخله الجنة. يعني عبارات ما يمكن، لماذا؟ لأن هذا مآل نفي الحكمة، ربنا يفعل ما يشاء. ولهذا عقب ابن القيم رحمه الله تعالى على مثل هذه الأقوال، أن هذه الأقوال هي تنسب لله الظلم الذي تنزه عنه ربنا جل وعلا: ﴿إني حرمت الظلم على نفسي﴾، هذا ما يليق بالله عز وجل. وهكذا ما أبعد من ذلك إلى أن ما تسمى بلام التعليل عنده من نفاها، قالوا: ما عندنا ما يسمى بلام التعليل، إنما عندنا ما يسمى بلام الصيرورة. أهل السنة والجماعة يقولون مثلاً في قوله تعالى: ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾، عندما يشرحون هذه الآية العظيمة، أي أن الله جل وعلا خلق الإنسان وخلق الجن لغاية لحكمة عظيمة، ألا وهي إلى عبودية الله سبحانه وتعالى. أهل السنة يربطون الأفعال بالحكم، لكن هؤلاء أهل بدع لا، لا يقولون بهذا، ينفون الحكم عن أفعال الله جل وعلا، وأن الله ليس محتاجًا لحكمة حتى تعلل الأفعال أو تعلل الأوامر والنواهي. فيقولون هنا اللام على سبيل المثال: ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾، اللَّامُ هُنَا لَامُ الصَّيْرُورَةِ، أَنَّ اللَّهَ جَلَّ وَعَلَا، قَوْلِهِمْ: أَنَّ اللَّهَ جَلَّ وَعَلَا مَا خَلَقَ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِكَيْ يَكُونُوا عُبَّادَهُ، وَقَدْ كَانُوا عُبَّادًا لَهُ. فَعِنْدَهُمْ أَنَّ الْكَافِرَ هُوَ عَابِدٌ لِلَّهِ، وَأَنَّ الْمُشْرِكَ هُوَ عَابِدٌ لِلَّهِ، من أي وجه؟ من وجه أن العباد هنا العباد الكونية، أنهم قد ذللوا تحت قهر الله سبحانه وتعالى، ﴿إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبدًا﴾، يأتون، هذا عبيد لله، قالوا: هكذا الآية، ربنا خلق الإنس والجن لكي يكونوا عبيدًا له، وقد كانوا، ما هذا؟ هذا لنفي التعليل الذي ارتضوه لأنفسهم، ما عندهم شيء يسمى حكمة، ما عندهم شيء يسمى علة. ولهذا قول باطل، إخواني في الله، ﴿وانظروا ماذا كانوا يعملون﴾. وانظروا كذلك إلى قول الله جل وعلا كما حكى عن أهل الكفر أنهم أبطلوا الحكمة، فإن الله جل وعلا بالمقابل أثنى على أهل الإيمان عندما أثبتوا الحكمة: ﴿إن في خلق السماوات، والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب﴾، ﴾الذين يذكرون الله قيامًا وقعودًا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات والأرض﴾، ربنا ما خلقت هذا باطلاً: ﴾سبحانك فقنا عذاب النار﴾. ذكر ربنا جل وعلا هذه الآيات في سبيل المدح والثناء لأهل الإيمان ممن يتفكر في خلق الله جل وعلا، أن ذلك ما كان باطلاً، وإنما الحكمة ما خلقت ذلك باطلاً: ﴿سبحانك فقنا عذاب النار﴾. فينبغي للعباد أن المؤمن يتجافى عن اعتقاد الكفار، وأن يعلم عقيدة جازمة بأن الله جل وعلا ما أوجد الأشياء وما خلق الكائنات إلا لحكمة، لكن علمها من علمها وجهلها من جهلها. فأسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.