الدرس في شرح مسائل الجاهلية 31، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يناقش اعتقاد أهل الجاهلية بأن مخاريق السحرة هي من كرامات الصالحين ونسبتها إلى الأنبياء، ويوضح خطأ هذا الاعتقاد. يشير إلى استمرار هذا الخلط حتى العصور الحديثة.
يعرّف الكرامة بأنها أمر خارق للعادة يجريه الله على يد ولي صالح، ويفرق بينها وبين المعجزة والشعوذة. يوضح العلماء كيفية التفريق بين الكرامة والأحوال الشيطانية.
يشرح الفوارق بين الكرامة والأحوال الشيطانية، حيث تكون الكرامة بتأييد من الله لعباده الصالحين، بينما تكون الأحوال الشيطانية بإعانة الشيطان للفاسقين والكافرين.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، وسلّم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: العشرون، اعتقادهم في مخاريق السحرة وأمثالهم أنها من كرامات الصالحين، ونسبته إلى الأنبياء، كما نسبوه لسليمان عليه السلام. قال المؤلف رحمه الله تعالى: وهو يذكر معتقدًا من معتقدات أهل الجاهلية، حيث قال: اعتقادهم، والاعتقاد محله القلب، إذ أنه الحكم الجازم، الحكم الجازم، وليس كل ما يعتقده المرء يكون صحيحًا، فالعقيدة قد تكون عقيدة صحيحة، وقد تكون عقيدة باطلة، إذا كان هذا الحكم الجازم طابق الواقع فهي عقيدة صحيحة، وأما إن خالفت الواقع فهي عقيدة باطلة وفاسدة. فأيًّا ترى ما الذي كان يعتقده أهل الجاهلية؟ قال مؤلف رحمه الله تعالى: اعتقادهم في مخاريق السحرة، مخاريق جمع مخراق، على وزن مفعال، وما هو المخراق؟ المخراق هو الذي خرق العادة، أي التي لا يجري العادة بمثلها، هذا هو المخراق، أي شيء الذي يخرج عن العادة. العادة البشرية تسير على نمط معين، فكون أن شخصًا ما يخرج عن هذه العادة التي اعتاد عليها البشر في أنماط حياتهم وسلوكهم، يقال: هذا خرج عن العادة، هذا أتى بشيء خارق عن العادة، خارق وهو الخروج عن العادة. قال المؤلف رحمه الله تعالى: اعتقادهم في مخاريق السحرة، السحرة هم مظنة الخروج عن العادة، ومن تأمل في أعمال السحرة تدور على هذا المحك، على أنهم تصدر منهم أفعال وسلوكيات، إذا رآها المرء علم أنها هذا أمر مستغرب، لأنه قد خرج عن عادة البشر. قال رحمه الله تعالى: اعتقادهم فيما خاريق السحرة، أي التي أتت به السحرة وأمثالهم أنها من كرامات الصالحين، فكون هذا الفعل الذي أتى به الساحر وبه خرج عن العرف والعادة، يحسب عند أهل الجاهلية أن هذا يصف في كرامات الصالحين. الكرامات جمع كرامة، والكرامات جمع كرامة، وهو مأخوذ من الإكرام، مأخوذ من الإكرام، والإكرام كما يقول العلماء هو ما يعطاه المكرم من هبة من عطية، فهذه الكرامة من صورها، كما عند أهل الجاهلية أن كل ما خرج عن عادة الناس هذا يحسب من الكرامات. قال رحمه الله تعالى: ونسبته إلى الأنبياء، كما نسبوه لسليمان عليه السلام، وهذا يتعلق بما مضى، أن الكفار من كان في زمن سليمان عليه السلام عندما نسبوا أن سليمان يعمل ويفعل السحر، وهذا من الكذب الذي كانت قد دسته الشياطين والكهان في ملك سليمان، وما كان سليمان بساحر ولا بكاهن، حاشاه من ذلك، لكنه البهتان والافتراء. فأهل الجاهلية كانوا يعتقدون بأن سليمان كان يتعاطى السحر، وهو رجل صالح، إذن عندهم كان من فعل سليمان أنه أتى بأمور خرجت عن عادة البشر، فكان من ملكه أنه يسيطر على الريح بإذن الله، وعلى الطير وعلى الحيوانات، وسيرت له الدواب ونحو ذلك، فكانت هذه خروجًا عن العادة. فقالوا: إذن هذا سليمان عليه السلام امتلك ومن وصفه أنه فعل أشياء خرجت عن عادة الناس، وهم من أهل الصلاح، وهكذا بالمثل السحرة، السحرة كحال سليمان، أنهم آتوا بأمور خرجت عن العادة، وهم كذلك يعدون عندنا من أهل الصلاح، فهذا الذي أراده رحمه الله تعالى أن يبين هذا المعتقد الخبيث الذي وجد عند أهل الجاهلية. أنهم كانوا يعتقدون بأن السحرة من أهل الصلاح، من أين استطاعوا أن يأتوا بهذا؟ استطاعوا أن يأتوا بهذا لهذه النتيجة، كون أن السحرة أتوا بما يخالف العادة وما يخرج عن العادة، وهذه مسألة إخواني في الله، لربما اضطربت فيها أفهام الناس، ولا أقول هذه المسألة أنها مما وقع فيها الخلط في أيام الجاهلية، بل الأسف نجد حتى في هذه الأيام وفي هذه الأزمان، ومن ينتسب إلى أمة الإسلام. أن نجد أن بعض الناس يجعل كل من أتى خارقًا من خوارق العادات أنه رجل صالح، وأن هذه كرامات الله، حتى أصبح يلقب أهل السحر وأهل الشعوذة بأنهم أولياء، وهذا ليس ببعيد عنا، كم تسمع يا الناس يتحاكون عن الذهاب إلى الشيخ الفلاني، وإلى الشيخ الفلاني، وأنت تسمع مثل هذا اللقب، تظن أن هذا الشيخ شيخ علم، وإلا فلا أقل أن يكون شيخ عبادة. فإذا تحريت عن هذا الذي مشار إليه، فإذا به ساحر أو كاهن، فتتعجب كيف لُقب بشيخ، لأن هذا عند اعتقاد عند الناس أن هذا الكاهن والساحر لما خرجت على يديه عدة خوارق، خرجت عن عرف الناس، واستطاع أن يفعلها بشعوذته، قالوا: هذا لا يفعلها إلا إذا كان وليًا لله، وليكون إلا رجلًا صالحًا. ومسألة الكرامة إخواني في الله، والتفريق بينها وبين المخاريق، مسألة مهمة جدًا، مهمة جدًا، ولعدم تفريق الناس بين الكرامات وبين المخاريق للعادة، عند عدم تمييز هذا عن ذاك، أوقع الناس في الخلط، وما استطاع أن يميز الصالح من الطالح. فكان من اللزوم إخواني في الله، في مثل هذه المقامات أن يبين ما معنى الكرامة، وما الفرق بين الكرامة وبين هذه الأحوال من المخاريق. يقول علماء في تعريف الكرامة: أن الكرامة هي أمر خارق للعادة يجريه ربنا جل وعلا على يد ولي، يجريه ربنا جل وعلا على يد ولي، فأول من خصائص الكرامة، وأهل السنة يؤمنون بالكرامات، ولهذا سطروا في كتب الاعتقاد، في المبسطات وكذلك في المطولات، أنهم من اعتقاد أهل السنة وجماعة الإيمان بالكرامة. فما هي الكرامة؟ الكرامة هي أمر خارق للعادة، أمر خرج عن عادة الناس، خرج عن عادة الناس، ما اعتاد الناس على أن يفعل مثل هذا الفعل، أمر غريب، أمر عجيب، ليس بمقدور البشر من طبيعته البشرية أن يفعل هذا الأمر، فهو أمر خارق للعادة. وهذا الأمر الخارق للعادة، قال العلماء: على عادة من؟ قال العلماء: على عادة زمنه، ينبغي أن تكون هذه الكرامة أن يكون فيها خروج عن العادة التي اعتاد الناس عليها في أزمانهم، كل في زمنه. مثاله فيما سبق، كان من الكرامات وهي من خوارق العادات، ما يتعلق بالسفر السريع، أو قل الانتقال السريع، فلو أن رجل المثال في تلكم الأيام السالفة الماضية، لو قال قائل: أنا اليوم في أرض الحجاز، وما هي إلا لحظات وأنا في أرض الشام، وانتقل من هنا إلى هنا، فهذه كانت كرامة في تلكم الأزمان. كرامة ما يمكن هذا، كيف لي بشر أنه خلال لحظات يصل من بلد إلى بلد، وأين هذه البلد؟ أين الحجاز وأين أرض الشام؟ ماذا ما يمكن؟ لكن في هذا الأزمان هذا أصبح طبيعي جدًا، طائرة أنت في الساعة الواحدة هنا، ما تصل العصر إلا في أرض الشام، هذا ليس مستبعد. فلا يقول أحد: كيف يقولون أن تلك الكرامة ينتقل من هنا إلى هنا؟ هذا عندنا يقول: نعم، لكن لهذا قيد الكرامة أن تكون خارقة كل في زمنه، لكن في أزمانهم كان ذلك شيء غير طبيعي، غير طبيعي، وهكذا قل: كونك أن تخاطب البعيد، أن تخاطب البعيد، كان هذا لا يعقل أنك في بلد ثم تخاطب رجل في آخر بلد في طرف البلد الثاني، تخاطبه ويخاطبك، هذا ما يستحيل في عدة العرب أن يفعل ذلك. لكن في هذا الأزمان هذا أصبح شيء ليس بمستصعب، بل من الأيسر الأمور أن تأتي بهذه جوال، ثم تتكلم من هنا إلى هنالك، وأنت في بقعة في شرق الدنيا، وذاك في أرض غربها، وما أصبح ذلك كرامة عند هذه الأزمان. ومن هنا قال علماء: فينبغي أن تقيد أن الكرامة هي أمر خارق للعادة لعادة من؟ لعادة كل من كان في زمنه، فكونك تفعل فعلًا وهذا الفعل يخرج عن عادة زمنك أنت، فتكون هذه محسوبة كرامة. ثم قال علماء: وأن هذا الأمر الذي خرج عن العادة يجريه ربنا جل وعلا على يد ولي، على يد ولي، والولي هو كل عبد تقي، كل عبد تقي، وبهذا الوصف بهذا القيد بذكر لفظ الولي فائدة مهمة جدًا. لأننا لو قلنا: الكرامة هي خارقة للعادة، كما كان يدعي أهل الجاهلية، لا دخل كثير من الناس قد تجرى على أيديهم خوارق للعادات، لكن فهل تسمى هذه كرامة بالنسبة إليهم؟ لا، ما تسميها كرامة، لماذا؟ لأن الشرط الأخير هذا مقيد، وما هو وصف الأخير؟ أن يكون هذا وليًا من أولياء الله، أن يكون عبدًا صالحًا. لابد أن يكون هذا الأمر يسمى كرامة بأن يكون هذا الأمر خارقًا للعادة، وأن يجريه ربنا جل وعلا على يدي ولي، وبهذا القيد أخرج العلماء عدة أمور من ذلك، أخرج العلماء ما يسميه إلى الآن باللفظ العصري أو المعاصر بماذا؟ بالمعجزة، معجزة الأنبياء، فهي تسمى في المصطلح الشرعي بالآية، الآيات تسمى بالبينات، تسمى بالبراهين، الذي يؤتاها الأنبياء. فهذا الأمر الذي إذا كان الأمر خارقًا للعادة أجراه الله ربنا جل وعلا على يدي نبي، ما تسمى هذه كرامة، بل تسمى آية، تسمى معجزة، وإذا كان هذا الأمر خارقًا للعادة أجراه ربنا جل وعلا على العصاة، على الفسقة، على الكفرة، على الفجرة، فهذا يسمى أحوال شيطانية، يسمى شعوذة، يسمى دجل. إذن تلاحظ يا عبد الله: الاقتصار على كلمة خوارق العادات هذه الكلمة، وهذا المصطلح ليس فيه دلالة واضحة، لأن خوارق العادات قد يجريها ربنا جل وعلا على يد الأنبياء، فتكون آية معجزة، وتكون خوارق العادات قد يجريها ربنا جل وعلا على يد الأولياء، فتسمى حينها كرامة. وقد يجريها ربنا جل وعلا على الكفرة والفجرة، وتسمى حينها دجلًا أو شعوذة أو أحوال شيطانية، وبهذا الأمور الثلاثة، عبد الله، تستطيع أن تميز تميز بين هذا الأمر الذي خرج عن العادة من أي صنف هو، من أي صنف هو. فإذا جاء ساحر، إذا جاء ساحر وفعل أمرًا خار، هذا يعد كرامة؟ لا، لا يعد كرامة، وإنما هذا يسمى دجلًا، يسمى شعوذة، أو يسمى كما يسميه العلماء بالأحوال الشيطانية، الأحوال الشيطانية. إذن إخواني في الله: علمنا ما هو الضابط، وما هو التعريف للكرامة، إذا انضبط هذا التعريف لديك يا عبد الله، حينها ستميز، تأتي مسألة وهي تبع لهذا الموضوع، إذن ما الفرق بين كرامات الأولياء وبين الأحوال الشيطانية؟ ما الفرق بين هذا وبين هذا؟ هناك عدة فروق تفرق بين هذا وبين ذاك. من هذه الأمور: أن كرامات الأولياء هي من عند الله جل وعلا، ربنا سبحانه وتعالى هو الذي يمكن لها العبد الصالح أن يفعلها، أما ما يتعلق بالأحوال الشيطانية فهي من الشيطان، من الشيطان. هل أنبئكم على من تنزل الشياطين؟ تنزل على كل أفاك أثيم، الشيطان تتنزل، قال العلماء: أن تنزل الشيطان بمعنى إعانة الشياطين، الشياطين تعين من؟ تعين كل أفاك كذاب، صاحب بهت وبهتان وافتراء على أمثال هؤلاء تتنزل الشياطين، بماذا؟ أنها تعينهم في أقوالهم، وتعينهم أيضًا في أفعالهم، تمكنهم أن يفعلوا أشياء هي خارجة عن العادة. مثل الطيران، هذا يمكن لا يستبعد أن أحد السحر يطير في الجو، يرى وقد رؤي ذلك، وقد شهد ذلك، ولذات الأخبار تتناقل عن أمثال هؤلاء بإمكانهم أن يطير في الجو، يطير في الهواء، لكن بمن؟ بإعانة من الشيطان، يرفعه ثم يسير به إلى تلك الأسقاع وإلى تلك الأماكن البعيدة. فمن فوارق الكرامة والأحوال الشيطانية: أن الكرامة هي من تأييد الله جل وعلا، وأما أحوال الدجل وما يقع من خوارق العادات للسحرة، فإن ذلك من الشيطان. الأمر الثاني: أن كرامة الأولياء إنما هي تبع للمتابعة لطاعة الله وطاعة الرسول عليه الصلاة والسلام، هي من أسباب طاعة الله وطاعة الرسول عليه الصلاة والسلام، فإن العبد كلما ازداد إيمانًا لكان مهيئًا لإنزال الكرامة على يديه، ولجريان الكرامة على يديه. ولهذا قال علماء: أن الكرامة إنما يعطاها الولي إن كان من المقتصدين أو إن كان من السابقين، أن يكون من أهل الطاعة، من أهل الطاعة، ومن أهل المسارعة والمسابقة، فمن أمثال هؤلاء تصدر عنهم الكرامة، بخلاف الأحوال الشيطانية. فخوارق العادات تجري على من كان بعيدًا عن ذكر الله، بعيدًا عن شرع الله، محادًا لحدود الله جل وعلا، واقعًا فيما حرم الله سبحانه وتعالى، ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانًا فهو له قرين، إذا متى جاء الشيطان وأصبح قرينًا وأصبح صاحبًا ومصاحبًا لهذا. عندما غفل عن ذكر الله سبحانه وتعالى، ومن هنا عندما تسمع عن خوارق العادات التي يعطاها الساحر، فإنها تختلف تختلف على ماذا؟ تختلف على حسب فجوره، وعلى حسب كفره، فكلما بلغ الساحر والمشعوذ في الكفر، كلما كانت عادته أقوى، وكلما قل كفره وقل خبثه، قلت خارقته للعادة. فهذا من الفوارق المهمة يا عبد الله، ومن هنا كان من عبارات سلفنا الصالح، وأثر ذلك عن إمام الشافعي رحمه الله تعالى أنه قال: إذا رأيتم الرجل يطير في الهواء، ويمشي على الماء، فلا تصدقوه حتى تروا اتباعه للسنة. فليس الشأن يا عبد الله أن يأتي العبد بخارق من خوارق العادات، هذا ليس هو كل شيء، الأعظم من ذلك ما هو الأصل الذي جئت منه الكرامة، أو هذا الخارق العادة؟ فإن كان على يد عبد صالح تقي عرف باتباعه للسنة، فاعلم أن هذه كرامة من الله. وأما إن كان هذا العبد شقيًا تعيسًا محادًا لله جل وعلا في دينه وشرعه، واقعًا في الموبقات والحرمات والمحرمات، فاعلم أن ذلك من تزيين الشيطان له. وذكر كذلك بعض العلماء من الفوارق بين الكرامة والأحوال الشيطانية: أن الكرامة تكون لعبد صالح، ويخرق به العادة، هو الذي يظهر بها، ويكون أمره خروجًا عن عادة الناس، عن عادة الناس. بخلاف الأحوال الشيطانية، فهي في الحقيقة تمثيل، أو ما يسمى بتخييل، ليس قامت على يده، وما جرت على يده، إنما الذي قام به شخص آخر وهو الشيطان، فلم تجر حقيقة على يد هذا الكاهن أو المشعوذ أو الساحر أو ذاك الذي يدعي الولاية، وهو من أبعد الناس. كما يذكر بعضهم مثل ما نسمع أو قرأنا يقرأ في بعض كتب أهل البدع والأهواء ممن يؤلف كرامات الأولياء، مثاله ذكر أن وليًا من أولياء الله من كرامته أنه كان يخطب الجمعة في عدة مساجد، يخطب الجمعة في عدة مساجد، يخرج الناس من مساجدهم في بعض القرى والأنحاء، فيجتمعون فيسألوا: من خطيبكم؟ يقول: الشيخ الفلاني، ما شاء الله، وأنتم من خطيبكم؟ سبحان الله، الشيخ الفلاني، وأنتم من؟ فكيف هذا يقع؟ هذه طبعًا هذا الأمر الآن، هل هي كرامة؟ هل هذا الشخص الذي فعل هذا الفعل هو بنفسه؟ لا، ليس بنفسه، هو واحد، أما البقية هم شياطين، شياطين وجان قد تمثلوا به. فهذا من أعظم الفوارق بين الكرامة وبين خوارق العادات الذي يعطاها من أمثال هؤلاء، فهي ما هي إلا تمثيل، وكذلك تزيين، وكذلك دجل. فالحاصل إخواني في الله، وهذا الموضوع كما قلنا مترامي الأطراف، هو يتصل اتصالًا وثيقًا بموضوع الولاية، ولا وسع المقام لذكر ذلك، لكن يهمنا عبد الله أن نعلم أن هذا الاعتقاد الذي جرى عليه أهل الجاهلية، وللأسف استشرى هذا المفهوم حتى رأينا في هذا الأزمان أن الناس يجعلون من صور الولاية. وأن العبد لا يكون وليًا إلا إذا جاء بخارق للعادات، فأصبح يحكمون على هذه الطريق، وعلى تلك الطريق، كما نرى من مع الطرق المبتدعة، كالطريقة الرفاعية، مثلًا تفتخر على غيرها من الطرق أن بإمكان أتباعها أنهم يدخلون إلى النار ولا يحترقون. وهناك فرقة أخرى تفتخر على غيرها من الفرق، وأنا لهم الولاية بحجة أن بإمكانهم إدخال الشيش أو ما يسمى بالحديد إلى جنوبهم، إلى بطونهم، إلى رؤوسهم، ويخرجون من شق آخر، ولا يتضررون، قالوا: هذا لا يعلى ولايتنا. وفرقة أخرى من الفرق المتصوفة، لربما كانوا يفتخرون على غيرهم بأنهم أهل الولاية، بحجة أنهم يمشون على الجمر، يمشون على الجمر، فانظر يا عبد الله إلى أمثال هؤلاء، كلهم ظن أن كل من فعله خارقًا للعادة أنه رجل صالح، لا يا عبد الله. فليس العبرة بهذا الخارق، وإن من عبرة يا عبد الله أن تكون هذه الخارق العادة يعطاها العبد الصالح، كما قلنا بشروطها، فأسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.