الدرس في شرح مسائل الجاهلية 116، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
أهل الجاهلية كانوا يقتلون الأنبياء وأتباعهم الذين يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، والقسط يعني العدل وشرع الله. هذه الخاصية تظهر مدى عنادهم ورفضهم للعدل.
قتل الأنبياء يحدث دائمًا بغير حق وظلم، والقيد في الآية الكريمة لبيان الواقع لا للاحتراز. عادة أهل الكفر في قتل الأنبياء وأتباعهم تظهر في العديد من الآيات القرآنية.
من يعتدي على الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر له عذاب أليم، كما يظهر في قصة أصحاب الأخدود وصاحب ياسين. منزلة هؤلاء الآمرين عظيمة حيث ألحقهم الله بعد الأنبياء والرسل في الذكر القرآني.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: العاشرة بعد المئة، قتل الذين يأمرون بالقسط من الناس، أي أن من خصائصي ومن صفات أهل الجاهلية قيامهم بهذا الفعل المشين، قتل الذين يأمرون بالقسط من الناس. وهنا قوله "قتل الذين يأمرون بالقسط من الناس" بمعنى قتل الآمرين بالقسط من الناس، لأن القاعدة البيانية عند أهل البيان أن الاسم الموصول مع صلته بقوة المشتق، المشتق اسم فاعل أو اسم مفعول. فهنا "قتل الذين يأمرون بالقسط" عند اسم موصول وصلته يكون بقوة المشتق، بمعنى قتل الآمرين بالقسط. ولماذا جنح المؤلف رحمه الله تعالى إلى ذكر الموصول مع صلته؟ قال علماء: إنما يفعل ذلك عند بعض العلماء، وهذا في باب البيان لبيان العلة، أي هذا هو السبب القتل "قتل الذين يأمرون بالقسط من الناس". وقول رحمه الله تعالى "القسط"، القسط هنا بمعنى العدل، والعدل المراد به شرع الله سبحانه وتعالى، وشرع الله جل وعلا يقوم على الأمر والنهي، فمن أمر بالمعروف ونهى عن المنكر فقد قام بالقسط، فقد قام بالقسط ودعا إلى القسط، أي دعا إلى العدل. إذن في هذا التوضيح بيان من المؤلف رحمه الله تعالى على أن من أهل الجاهلية أنهم يتربصون بالآمرين بالقسط، وأعظم من أمر بالقسط هم أنبياء الله، أعظم من أمر بالقسط هم أنبياء الله سبحانه وتعالى، بل كانت مهمتهم ودعوتهم ترتكز على هذه الركيزة، على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فقام الكفار من أهل الجاهلية ومن أهل الكتاب ﴿فَتَرَبَّصُوا بِهِمُ الدَّوَائِرُ﴾، ﴿فَتَرَبَّصُوا بِهِمُ الدَّوَائِرُ﴾، ﴿فَقَتَلُوا مِنْهُمْ مَنْ قَتَلُوا﴾. وإذا كان أهل الجاهلية بلقوا بهم الجرأة والوقاحة إلى قتل أنبياء الله ورسله، فمن باب أولى أن تمتد أيديهم إلى من دونهم من أتباع الرسل، وهذا الذي وقع. فإذا أهل الجاهلية تأمروا بكل آمر بالقسط، سواء كان نبيًا رسولًا أو كان كذلك تابعًا من أتباعهم. وذكر ذلك ربنا جل وعلا عنهم بقوله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنْ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾، ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾. ففي هذه الآية أخبر ربنا جل وعلا أن من صفة الذين كفروا من أهل الجاهلية، ويدخل معهم من كان من أهل الكتاب من اليهود والنصارى، أنهم كانوا قتلة للآمرين بالقسط من الأنبياء والرسل ومن كان دونهم. فقال سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾. طيب، هنا مسألة، إذا كان من عادة أهل الكفر أنهم يقتلون الأنبياء بغير حق، وهل معنى ذلك أن إذا كان قتل النبي بحق يجوز؟ يقول وصف الكفار أنهم يقتلون النبيين بغير حق، يقتلونهم بغير حق، فهل معنى الآية أن النبي إذا قتل بحق يجوز؟ لا، ليس هذا المراد، لأن القيد إخواني في الله، القيد إذا ذكر أحيانًا يذكر من باب الاحتراز والإخراج، والقيد يذكر أحيانًا من باب ذكر بيان الواقع، أي أن هذا الذي حصل، وهذا المورد هنا في الآية، أي أن قتل الأنبياء ما يقع إلا بغير حق، هذا هو الحاصل، أن قتل الأنبياء ما وقع في واقع الناس إلا أنهم يقتلون بغير حق. فهذا القيد من باب ليس من باب الاحتراز والإخراج، لا، وإنما من باب بيان الواقع، أي هذا هو الحاصل يا أيها الناس. أعبدوا ربكم والذي خلقكم، هذا الحاصل، ما الذي خلقكم؟ هو الله سبحانه وتعالى، فأدل ذلك على أن قيود هنا أحيانًا تذكر لبيان الواقع. فإن قتل الأنبياء يقع في الناس بغير وجه حق، يقتلون ظلمًا وعدوانًا عليهم الصلاة والسلام. فقال ربنا سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنْ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾، ﴿بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾. وعادة الأنبياء كما قلنا إخواني في الله، وهذا ليس خاصًا باليهود، وإن كان بعضهم يجنح إلى هذه الآية وخاصة في اليهود، لا، باليهود والنصارى وغيرهم، فإن الأمم السالفة كانت من جرائمها أنهم اعتدوا على أنبياء الله وعلى رسل الله وعلى أتباع الرسل. فقوم نوح عندما بعث إليهم نوح هددوه بالقتل، حتى قال ربنا سبحانه وتعالى: ﴿إِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ﴾. وهنا فائدة، قال علماء: أن لفظة الرجم غالبًا ما تذكر في القرآن بمعنى القتل، كلمة الرجم غالبًا ما تذكر في القرآن بمعنى القتل، ﴿لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ﴾، أي من المقتولين، هددوا نوحًا بالقتل، مع أنهم ما أمرهم إلا بالقصد، ما أمرهم إلا بالعدل. وهكذا في شعيب مع قومه، كما قال ربنا جل وعلا: ﴿وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ﴾، بمعنى قتلناك. بل هذه طبيعة في الكفار، فكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم، ﴿فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾. فكان من عادة أهل الكفر أنهم يتربصون بأنبياء الله وبرسل الله ممن يدعو إلى الله جل وعلا، يأمر بالقسط، أنهم يمتد إليهم الأيدي بالقتل. وهكذا قصد ما حكاه ربنا جل وعلا عن عادة أهل الكفر أيضًا في أتباع الرسل، لم يصل هذا الإجرام في حق الأنبياء، بل حتى أتباع الأنبياء ممن أمر بالقسط، ممن أمر بالعدل، فإن أهل الكفر كانوا كذلك يتربصون بهم الدوائر، ولربما قتلوهم. وما قصة أصحاب الأخدود عنا ببعيد، كانوا أتباع رسل وكانوا متبعين لأنبيائهم، فكان من أمرهم أن شقت لهم الأخاديد وألقوا فيها يحترقون فيها وهم أحياء، وما كان منهم وما نقم منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد. وهكذا في قصة صاحب ياسين: ﴿وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ﴾، ﴿اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ الآيات، خطبة عظيمة مفحمة ذكر فيها ركائز دعوة الأنبياء، أمرهم بها بتوحيد الله جل وعلا ونفي الشرك عنه، أمرهم بالقسط، فكان من أمرهم -كما قال المفسرون- أنه قتل، قيل: أنه أحرق إحراقًا، وقيل: أنهم داسوه، وقيل: أنهم نشروه بالمناشير، الحاصل أنه قتل في ذات الله، مع أنه من أتباع الأنبياء ومن أتباع الرسل. فعلى هذا إخواني في الله، قال علماء: فمن فعل مثل هذا الفعل ففيه خصلة من خصال الجاهلية، وحكمه من حكمهم، ما حكمهم؟ قمع ربنا جل وعلا ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾. فمن امتدت أيديهم إلى الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، فتصدى لأمثال هؤلاء من أهل الإيمان فقتلهم ورجمهم أو نكل بهم، فإن الله قد بشره -مع أن البشارة الأصل لا تكون إلا في الخير- الإشارة البشارة لا تكون إلا في الخير، لكن هنا ربنا قال: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾. ما هي البشرى في العذاب؟ قال علماء: هذا من باب التهكم، من باب التهكم، يتهكم ربنا سبحانه وتعالى بأمثال هؤلاء، أن البشارة لهم في عذاب أليم، لا يعلم بشدته إلا الله سبحانه وتعالى. وإن كانت بعض الأحاديث -كالأحاديث المشهورة عند كثير من المفسرين- أن من أشد الناس عذابًا رجل قتل نبيًا أو آمرًا بالمعروف أو ناهيًا عن المنكر، من أشد الناس عذابًا، لكن الحديث بهذا اللفظ أورده سماحة الشيخ الألباني رحمه الله تعالى في السلسلة الضعيفة والموضوعة، لم يثبت هذا الحديث. لكن الآية واضحة دلالتها، ظاهرة على أن الذي يعتدي على الآمرين بالمعروف، الآمرين بالقسط، فله ماذا؟ فله عذاب أليم. وفي هذه الآية إخواني في الله الدلالة واضحة أولًا على فضل الذي يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وكيف أن منزلته بعد منزلة الأنبياء والرسل، ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنْ النَّاسِ﴾، إذن منزلة الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر عظيمة وعظيمة جدًا، لدرجة أن الله ألحقهم بعد الأنبياء وبعد الرسل. وفي ذلك أن الذي ينتصب لهذه المهمة لا يظن أن الدنيا ستنشرح له أو تفتح له الأبواب، لا يا عبد الله، بل ربما ضاقت عليه الأمور، بل ربما امتدت عليه الأيدي لدرجة أن دمه يسفك، وذلك في سبيل الله، وذلك في جنب الله. الحاصل إخواني في الله أن المؤلف رحمه الله تعالى أراد أن يبين أن من خصائص ومن صفات أهل الجاهلية أنهم يقتلون الآمرين بالقسط، ويدخل في الذي يأمر بالقسط يدخل في ذلك الأنبياء والرسل، ويدخل كذلك فيهم أتباع الأنبياء وأتباع الرسل. فأسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، وأسأله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.