شرح مسائل الجاهلية  132

شرح مسائل الجاهلية 132

الدرس في شرح مسائل الجاهلية 132، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

تعريف الكهانة وأصنافها في الجاهلية

الكهانة كانت منتشرة في الجاهلية وكان لها احترام كبير عند العرب، وتعرف بأنها إخبار عن المغيبات أو المستقبل. وللكهنة أصناف مختلفة منها من يستعين بالجن ومنهم من يعتمد على التخمين أو العادة والتجربة.

تحريم إتيان الكهان والعرافين وآثاره

الكهانة والعرافة محرمة شرعًا، وقد دلت الأدلة على تحريم إتيان الكهان والعرافين، ومن يأتيهم فقد ارتكب إثمًا عظيمًا قد يصل إلى الكفر إذا صدقهم فيما يقولون. ومن يسألهم فقط لا تقبل صلاته أربعين يومًا.

تفصيل حكم إتيان الكهان والعرافين

يختلف حكم إتيان الكهان والعرافين باختلاف الدافع وراء ذلك، فمن يأتي لإقامة الحجة عليهم فعله مشروع إذا كان أهلًا لذلك، بينما من يصدقهم يكفر. ومن يسألهم لفضول أو تصديق تختلف أحكامهم الشرعية.

ختام وتأكيد على قدرة الله تعالى

المقطع يؤكد على أن الله هو القادر على كل شيء ويختم بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه، مع التأكيد على أن الله تعالى أعلم. وهذا الختام يشدد على أهمية التوكل على الله.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، أذكر إخواني في الله ذكر هذه المسائل التي شمّلها وجملها لنا المؤلف رحمه الله تعالى في الفقرة الأخيرة من هذه الرسالة. وحديثنا إخواني في الله حول المسألة الرابعة، وهي الكهانة. والكهانة إخواني في الله، ومنه التكهن، والذي يمارس هذا الفن يسمى بالكاهن والكهنة والكهان. والكهانة خصلة من خصال أهل الجاهلية، وكان العرب قد اشتهروا بذلك. كانت الكهانة فاشية في الجاهلية، خصوصًا في العرب، فالكهانة كان لها رواج وانتشار سريع في النواحي وفي القبائل وفي القرى. وكانوا كما قال العلماء أيضًا: إن الكهانة لا تظن يا عبد الله أن الكهانة كانت مرذولة عندهم، لا بل كانت مهنة رفيعة، لدرجة أن العرب ما كانوا يقطعون أمرًا، سواء كان في سلم أو كان في حرب أو كان في هدنة أو كان في صلح، إلا واستشاروا في ذلك الكهنة. وهكذا في الأمور العظام، في أمر القتل والقتال، وأمور الثأر والانتقام، كانوا يرجعون في تثبيت أمورهم إلى الكهنة. كان الكهنة قد انتشروا هنا وهنالك، فكان القبائل العربية، وكان الفرد، سواء كان مجتمعًا أو فردًا، كان يحيل أمره إلى الكهنة. وهكذا من نظر في تاريخ العرب يسمع بذلك، بل حتى في سيرة الرسول عليه الصلاة والسلام قبل بعثته، كيف كان العرب يذهبون ذهابًا وإيابًا إلى الكهنة يستشيرونهم في أمورهم. قال القرطبي رحمه الله تعالى مبينًا هذه المنزلة: "إنهم كانوا في الجاهلية يترافعون إلى الكهان في الوقائع والأحكام، ويعظمونهم ويرجعون إلى أقوالهم". إذن الكهانة كانت خصلة من خصال الجاهلية، وخاصة في العرب، وكانت بالمقابل ليست بالمهنة المرذولة، بل كانت عندهم مهنة معظمة. كان العرب يعظمون الكهنة، بل كانت منزلة الكهنة كمنزلة رجال الدين، حتى كان يقول العرب مما يذكر ممن كتب في تاريخهم: "كان عند اليهود الأحبار، وكان عند النصارى الرهبان، وكان عند العرب الكهان". اليهود إذا تنازعوا رجعوا إلى أحبارهم إلى علمائهم، النصارى إذا تنازعوا ذهبوا إلى رهبانهم، وأما العرب إذا تنازعوا ذهبوا إلى كهانهم. فكانت لهم المنزلة الرفيعة وهكذا المرتبة العالية. وقبل الدخول إخواني في الله في حكم الكهانة، ننظر من هم الكهان؟ نسلط الأضواء إخواني في الله على التعاريف التي ذكرها العلماء الدين وعلماء الشرع في ضبط الكاهن. الكاهن إخواني في الله صور له صور عديدة، ومن خلال صوره تنوعت كلمات العلماء في ذكر ماهية الكاهن. فمما ذكر في ماهية الكاهن ما ذكره الحربي رحمه الله تعالى في غريب الحديث بقوله: "الكاهن هو الذي يخبر بما يكون برأيه وظنه". وتعريف آخر وهو الذي ذكره ابن قدامة رحمه الله تعالى كما في الكافي قال: "الكاهن الذي له رئي من الجن تأتيه بالأخبار". ومثل هذا التعريف ذهب إليه شيخ الإسلام رحمه الله تعالى في كتابه النبوات، بأن الكاهن عنده هو الذي يكون عنده جن تأتيه بالمغيبات وتأتيه بالأخبار. عنده جن يستعين به يحاول هذا الجن أن يسترق السمع من السماء، ثم إذا ضفر بأي شيء أو لا شيء نزل بما عنده وقرقرها في أذن الكاهن، فقام الكاهن وجعل هذه الكلمة في ضمن مئات الكذبات ثم يبثها للناس. فهذا صنف من أصناف الكهنة، وهو ممن يستعين بالجن. وصنف آخر من أصناف الكهنة طبعًا، وهذا هو الأصل كما قال الحافظ بن حجر رحمه الله تعالى: "الأصل في الكاهن هو الذي يستعين بالجن". هذا صنف، وهذا الأكثر، وهذا الأصل. صنف آخر من الكهنة ممن يأتي بالأخبار يأتي بذلك عن طريق الظن، عن طريق التخمين. وهذا الذي أشار إليه الحربي كما قلنا في غريب الحديث عندما عرف الكاهن قال بأن الكاهن هو الذي يخبر بما يكون برأيه وظنه. فهذا صنف من الكهانة أن يكون ذلك بمحض الرأي بمحض التخمين، لكن ليس أي تخمين. يقول علماء: إن الكهنة قوم أعطاهم الله سبحانه وتعالى قوة وملكة. كما صرح بذلك الخطابي رحمه الله تعالى عندما ذكر صفات الكهنة ممن كانوا يمارسون الكهانة قال: "الكهنة قوم لهم أذهان حادة ونفوس شريرة". فلهم أذهان حادة، الذهن بمعنى الفهم وكذلك التأمل، فقد يأتيه آت يسأل عن أسئلة، فلقوة ما عنده من إدراك يتخمن فيه ويتخرص فيه. فذا ربما يوافق الصواب لقوة حدة ذهنه وحدة عقله مع النفس الشريرة الذي يمتلكها. فهذا صنف من الكهنة يدخل في إخبار الناس بالمغيبات وبالأخبار عن طريق التخمين، وكذلك عن طريق التخريص والخرص. الصنف الثالث من أصناف الكهنة كما قال العلماء هو من يفعل ذلك عن طريق العادة والتجربة. رجل له سنين وسنوات عديدة في سلك الكهانة، تأتيه الأحوال الكثيرة، فالأحوال هذا من حكمة الله في خلقه وما يلاقيه الناس في الأفراد والمجتمعات أن الأحوال قد تتكرر من حالة إلى حالة. فبعض الأصحاب الكهنة مثل الأطباء، الأطباء عندما يأتيه الرجل يقول: يا أخي أنا عندي كذا وعندي كذا، خلاص عرفت المرض هذا علاجه. قد لا يضطر إلى الفحص لا يضطر إلى أخذ عين من الدم لا يضطر إلى أخذ بشيء من الفحوصات ما يحتاج لهذا كله، هذه الحالة معروفة عنده يعرفها. هذا لمن كان عنده ممارس، وهكذا الكهنة. فمن خلال العادة والتجربة إذا سأله سائل بشيء أمر مستقبلي أو أمر غائبي أو سأله عن أشياء يبحث عنها، فلربما من خلال طرحه يعرف هذه الأشياء وذلك من خلال العادة والتجربة. ولو ربما هذا الصنف الأخير لربما استعان بالطرق واستعان كذلك بالتنجيم واستعان كذلك بالعيافة، يستعين بأشياء حتى يصل إلى ما يصبو إليه في إعطاء هذا السائل ما أراد من سؤال. إذن إخواني في الله الكهانة لها صور، الكهانة لها مجالات، إما عن طريق الجن، وهذا الأكثر، وهذا هو الأصل في الكهانة. وإما أن يكون من يتشبه بهم كحال من يأتي بالتخمين ويأتي بالظنون، أو كذلك من يمارس الكهانة عن طريق العادة والتجربة. ومن خلال الممارسة فهؤلاء كلهم من أمر الكهانة. وقد ذكرنا إخواني في الله بداية أن كما قال الحافظ بن حجر رحمه الله تعالى أن الكاهن يستعين بالجن. وهنا. قال علماء: الكهانة كما صرح بذلك العلماء قديمًا قبل بعثة النبي عليه الصلاة والسلام كانت منتشرة، وكان الجن يكثرون الصعود يكثرون الصعود إلى السماء لاستراق السمع ذهابًا وإيابًا. وكان يتواصلون مع كهانهم من أوليائهم، إلى أن بعث الله نبينا محمدًا عليه الصلاة والسلام أغلقت السماء وحرست السماء، منعًا لاستراق السمع. فإذا نزل الوحي بشيء من السماء وينزل ذاك الجن بشيء من السماء فيلتبس على الناس أي الوحيين هذا؟ أهو من وحي السماء الذي أنزل على محمد أم أنه من سرق الجن من وحي السماء؟ فحتى لا يشتبه الأمران كان من حكمة الله سبحانه وتعالى في فترة بعثة نبينا عليه الصلاة والسلام أن حرست السماء. فكانت يرجمون بها فلا ما استطاع أحد منهم أن يسترق السمع خلال بعثته عليه الصلاة والسلام. ثم تأتي المرحلة الثالثة وذلك بعد بعثته عليه الصلاة والسلام وبعد قبض روحه، فتحت السماء واستطاع الجن أن يسترقوا السمع لكن بقلة. إذن كانت هي ثالث مراحل في استراق السمع. المرحلة الأولى قبل بعثته كان ذلك بكثرة، وأثناء بعثته كان هذا منعدمًا أو قال بالندرة، ثم بعد بعثته لكن كان ذلك بقلة. كما نرى في هذه الأزمان تجد الشهب بعد فترة ترمى هنا وهنالك دلالة على من يحاول استراق السمع من السماء. بقي إخواني في الله والذي يهمنا في أمر الكهانة ما حكم الكهانة؟ ما حكم هذه الممارسة أن شخص يمارس الكهانة؟ وهذا الأسف وإن كان موجودًا في الجاهلية لا زال يوجد في هذه الأزمان. وقد مر ذلك معنا في بعض الصور وهي كلها من صور الدجل وهي كلها من خصائص الجاهلية سارت في هذه المجتمعات. وهكذا الكهانة، الكهانة من يدعي علم الغيب عن طريق أشياء إما جن وإما عن طريق تجربة. الكهانة إخواني في الله محرمة، ودلت الأدلة الشرعية الكثيرة على تحريمها واتفاق الأمة على منعها. ومن ذلك ما جاء في صحيح مسلم من حديث معاوية بن الحكم السلمي أنه سأل نبينا وقال له: "يا رسول الله إن منا رجال يأتون الكهان". فقال عليه الصلاة والسلام: "فلا تأتوهم". منع نبينا صلى الله عليه وسلم من إتيان الكهان، فلا يجوز لأحد أن يأتي كاهنًا بحجة أنه يريد أن يتعرف على مستقبله أو يتعرف على ما تخبئه له الأزمان على حد زعمه. وأيضًا يدلك على عظم الناهي ما جاء في صحيح مسلم من عن بعض أزواج النبي عليه الصلاة والسلام أن نبينا قال: "من أتى عرافًا فسأله لم تقبل له صلاة أربعين يومًا". فهذا يدلك على عظم الإثم، أربعين يومًا تصلي فيها لله وأنت ملزم فيها بالصلاة لكن اعلم أن صلاتك لا تقبل، صلاتك أجرها لا يقبل وأنت ملزم بتأدية الصلاة. لماذا لا تقبل منك الصلاة؟ لفداحة أمرك ولعظيم جرمك أنك خضعت لمثل أمثال هؤلاء الحثالة ممن يدعون الغيب فاستسلمت لهم. ما معنى العراف؟ وهذه مسألة أخرى اختلف العلماء في الربط بين العراف والكاهن. كثير من العلماء ذهبوا إلى أن العراف هو الكاهن والكاهن هو العراف، أي أنها أسماء وجهان لعملة واحدة. تسميه عراف تسميه كاهن هو هو. فمن أتى عرافًا هو بمعنى من أتى كاهنًا. والعراف والكاهن وهذا يقول به جماعة من العلماء. ومنهم من فرق بين العراف والكاهن. والذي فرق أتى ببعض الفروقات. منهم من أهل العلم من يقول بأن الفرق بين العراف والكاهن بأن الكاهن هو الذي مختص بإخبارك عن المستقبل عن الغيب هذا الكاهن. وأما العراف هو الذي يختص بإخبارك عما غاب عن العين من الضالة والمسروقات هذا اختصاصه. تقول: يا أخي أنا أريد أن أسأل عن إيش؟ أتسأل وإذا قال: الله أنه أريد أن أعرف أنا داخل على الزواج وداخل على المشروع وأنا ما أدري شيء مستقبلي. يقول: إذهب إلى هذا، هذا كاهن مختص بإخبارك في المستقبل. وإن جاء آخر يريد أن يسأل تسأل عن ماذا؟ قال: الله أنا وقع عندي سرقة وسرق بيتي أو ضاع علي متاع أو اختفى علي حاجة. وإذا عرف ما كان وإذهب إلى العراف. فبعض يفرق بين العراف والكاهن بالإختصاص. الكاهن مختص بالمستقبل بإخبارك عما في المستقبل. وأما العراف متعلق بالإخبار عن المغيبات. ومن من فرق بتفريق آخر يقول: أن العراف هو الذي يستند يستند على مقدمات، يستند على مقدمات يستعين بها أحيانًا كما مر معنا عن طريق الطرق إما خط في الأرض إما عن طريق رمي بالحصى إما عن طريق قراءة فنجان هذا الذي يستعين بمقدمات يسمى عراف. وأما الكاهن لا هو الذي يتعاون مع الجن يتعاون مع الجن فهذا هو الكاهن. لنص الحديث في هذا الباب وهناك من فرق كذلك من الفروقات في هذا الباب كثيرة. لكن من أهل علم أتى بأمر أعظم وهو شيخ الإسلام رحمه الله تعالى يرى أن الكاهن هو اسم عام يدخل في طيه وفي ظله كل من يدعي علم الغيب. هذا ترجيح شيخ الإسلام رحمه الله تعالى يرى أن العراف اسم عام فمن يدخل في العراف يدخل عنده الكاهن، الكاهن جزء من العراف على تعريف شيخ الإسلام وعلى ترجيحه. الكاهن والرمال والخطاط وصاحب الطرق والمنجم كلها أولى والعياف كلها أولى يدخلون تحت ماذا؟ تحت اسم العراف. وهذا قول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى. إذن علمنا إخواني في الله أن الأقوال العلماء في العراف والكاهن من من يقول بأنهم هما شخص واحد ومن من يفرق بينهما ومن من يجعل أن العراف هو أعظم رتبة وهو عنوان لكل من يدعي علم الغيب فيكون الكاهن واحد منهم ويدخل في ذلك المنجم ويدخل في ذلك غيره. وهكذا مما يدل على عظم إتيان الكهان وعلى عدم جواز ذلك ما جاء في مسند إمام أحمد وفي السنن قوله عليه الصلاة والسلام: "من أتى كاهنا أو عرافا فسأله لم تقبل فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد". وهذه اللفظة اختلفها العلماء اختلافًا عظيمًا. فمن أهل علم يضعف هذا الأحاديث المروية بهذا اللفظ، ومن أهل علم يحسنها. فعلى قول من يقول بتحسين الحديث وأن من أتى عراف أو كاهن فقد كفر بما أنزل على محمد. هؤلاء لجأوا إلى ترتيب الإتيان إلى العراف. وأن الإتيان إلى العراف إخواني في الله حكمه يختلف بحكم الآتي إليه. فبعض الناس ويمكن أن تختصر الإتيان إلى العرافين إلى ثلاث نوايا. من يأتي إلى العراف يأتي إلى ثلاث نوايا. النية الأولى من يأتي إلى العراف أو يأتي إلى الكاهن بحجة الاستماع فقط. بعض الناس كما نسميه فضول يسمع أن هذه خيمة أو أن ذاك البيت فيه رجل جاء من هنا وهناك. وهذا رجل يعرف عنده قراءة في الكف أو قراءة في التنجيم أو عنده معرفة في ما في الضمير أو يعرف يقول: الله سأتي إليه نعرفا هذا ما ينفع ولا يضر هذا كله كذب لكن سأتي أستمع أشوف سبحان الله فيذهب. قال: يا أخي والله أنا كذا أقرأ كفي يعني هو في نفسه غير مصدق لكن يريد أن يسمع. فهذا الذي يقول العلماء من جاء بهذه الصورة يسأل فقط وإن لم يترتب على هذا السؤال شيء من التصديق. فهذا الذي يدخل في الوعيد الأول "فإن صلاته لا تقبل" لمدة أربعين يوم. سؤالك فقط حرمان لك من قبول صلاتك فقط. الصورة الثانية إن من جاء إليهم فسألهم وصدقهم. فسألهم وصدقهم فهذا قد كفر. ثم اختلف العلماء في صورة الكفر. لكن على قول جماعة أنه كفر الكفر الأكبر. ووجه ذلك كما قال ابن القيم رحمه الله تعالى: وجه أنه الكفر الأكبر إذا جئت إلى كاهن فصدقته بما يقول فإنك تكفر الكفر الأكبر لأنك اعتقدت أن هؤلاء يعلمون الغيب. وهذا اعتقاد كفر لأنك سألت وصدقت صدقت بما قال. يقول: ابشر يا عبد الله مستقبلك زاهر مفعم بالحيوية هذا تصديق منك. فأخرجت وأنت منشرح بهذه العبارة هذا كفر لأنك ظننت واعتقدت أن هذا يعلم الغيب. فهذا وجه الكفر. الصورة الثانية من الإتيان من أتى الكاهن أو العراف لا لكي يسأله ولا لكي يصدقه. وليس من باب الفضول وإنما جاء من باب إقامة الحجة من باب إقامة الحجة وأن يكذب هذا الكاهن فيما يدعيه. بعض الناس في بعض القرى قد تنطلي عليهم حيل الكاهن فيأتي رجل من أهل الصلاح يريد أن يبطل هذا يقول: يا إخوان هذا كذب هذا ما يصح هذا دجل. يقول: إيش تقول دجل؟ أنا بالأمس أخبرت بالخبر الفلاني وأصبحت اليوم بما قال كيف تقول له هذا كذب؟ هذا رجل ولي من أولياء الله. وكما يقع الآن عندنا يسمون المشعوذ يسمى بالشيخ هذا قد وقع. سمعنا هذا الشيخ الفلاني تقول إيش من الشيخ؟ شيخ دجل. فهذا بعض الناس يصدق من أمثال هؤلاء فيضطر بعض أهل الصلاح إلى الإتيان إلى هؤلاء يأتي يطرق الباب عليه لا أنه كما يقع من باب الفضول ولا أنه من باب التصديق. لا من باب أن يكذبه ويفضحه بين الناس. كأن يأتيه بأشياء ويعرف هذا الصالح أن هذا الكاهن لن يستطيع له طلبًا. يستطيع له ذلك ويستطيع يقيم الحجة وأن يكذبه. فهل إذا فعل ذلك هل هذا مشروع؟ نعم يشرع إذا استطاع من استطاع أن يأتي إلى الكاهن وأن يضلل الكاهن وأن يبين عواره للناس فليفعل. فليفعل إن كان أهلًا لذلك. واستمد العلماء بما فعله نبينا صلى الله عليه وسلم مع ابن صياد. ابن صياد كان في زمن نبينا وكان من الكهان وكان من الكهان فأراد نبينا أن يبين ضلاله فذهب إليه نبينا وأتى إلى هذا الرجل فقال له نبينا: "إني خبأت لك خبأ" عندي شيء خبأته عليك. وما الذي خبأ نبينا؟ نبينا خبأ في صدره سورة الدخان. سورة الدخان خبأت لك شيء ما هو؟ فقال هذا الرجل وأراد ماذا أن يعرف ما في الضمير فدار ودار فأصبح يلوك ثم قال: "دخ". ما معنى دخ؟ أي ما استطاع أن يأتي بالكلمة الكاملة. فقال نبينا: "إخسأ لن تعد قدرك". إخسأ لن تعد قدرك أي أنت ما أنت إلا من إخوان الكهان مما يتخرصون يمنة ويسرى أو تأتيهم الأجنة بأخبار ناقصة ليست بكاملة. فقال علماء هنا نبينا أتى هذا الكاهن لإقامة الحجة لبيان إضلاله وكذلك كشف عواره. فدل ذلك على من من استطاع وكان أهلًا لذلك وعنده الطرق الذي يبين عوار هذا الرجل أمام الناس فليفعل. فإن هذا مما يجوز فعله. فالحاصل إخواني في الله أن هذه مسألة الكهانة التي كان عليها أهل الجاهلية طبعًا والكهانة أصبحت في هذا الزمان كثيرة وكثيرة جدًا بل أصبحت قريبة. وأدخل علماء على تعريف شيخ الإسلام رحمه الله تعالى أن العراف يدخل في ذلك يدخل في حيزه المنجم ويدخل في حيزه الرمال وصاحب الطرق وصاحب الفنجان وقراءة الكف. إذن نعلم بذلك أن من ذهب إلى المجلات وفتح الجرائد وكان يبحث عما يسميه أصحاب هذه الأزمان بالأبراج بالأبراج. أبراج معروفة أبراج اليوم هي عبارة أن كل رجل في شهر معين له برج. برج الميزان برج الأسد برج الدلو برج كذا برج كذا. فأنت تبحث في برجك. فمن قال علماء من ذهب إلى جريدة أو مجلة فتح مباشر الأبراج لكي يعرف فقط من باب الفضول من باب الفضول لا شيء. والله إنه والله من برج الدلو إيش ما ذكره في برج الله سأنظر إذا قرأت بهذا الفضول فإنك تدخل في قول نبينا: "من أتى عرافًا فسأله لم تقبل له صلاة أربعين يومًا". تخيل بهذه السهولة وكم من واحد منا لربما يدخل في هذا القدح العقدي في يومه وليلته. بعض الناس ما يدري يوميًا على هذا الحال يفتح الجريدة يقرأ الرياضة يقرأ السياسة ثم يفتح الأبراج إيش تقول؟ والله ما هذا كله كذب أنا سأنظر إيش تذكره آه زاهر المستقبل ما شاء الله طيب. لا تستهين يا عبد الله قراءات وكونك تفتح عبارة عن سؤال لأن السؤال عبارة عن طلب. السؤال في اللغة بمعنى طلب. كونك تطلب أن تعرف ما في برجك هذا دلالة على أنك كأنك ذهبت إلى منجم. لأن هذا من فعل المنجمين المنجم بدل من أن تأتيه إلى غرفته أعطاك علمه في هذه الأوراق. فكأنك تقرأ ما أتى به المنجم والمنجم كما قلنا على قول جماعة أنه يدخل في العراف. فكأنك أتيت عرافًا فسألته. فإن لم تصدقه فقد أحبط عملك وإن كنت صدقته فقد كفرت بما أنزل على نبينا صلى الله عليه وسلم. فحذار عباد الله من هذه المسلك الذي فشى وانتشر بين الناس. وأما ذاك إلا لجهلهم وتجوهلهم وبعدهم عن تعلم مسائل دينهم. فأسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا. ولأسأله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه. إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. والله تعالى أعلم.