شرح حائية ابن أبي داود 7

الدرس في شرح حائية ابن أبي داود 7، الدرس السابع:من( وقل غير مخلوق كلام مليكنا*بذلك دان الأتقياء وأفصحوا ). ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

الرد على شبهة خلق القرآن من آية المحدث

يبين أن لفظ المحدث في الآية يعني جديدًا لا مخلوقًا، مستشهدًا بقول ابن تيمية وحديث المطر. ويرد على تشبيه إنزال القرآن بإنزال المطر والحديد موضحًا أن إنزال القرآن إنزال صفة وكلام لا إنزال عين وخلق.

الفرق بين إنزال القرآن وإنزال المطر والحديد والأنعام

يقرر ابن أبي العز الفرق بين إنزال القرآن المنسوب لله مباشرة وإنزال المخلوقات المقيد بمصادر حسية. ثم يذكر تحريف الجهمية لآية تكليم الله لموسى بنقل الفاعل والمفعول لنفي صفة الكلام.

رد شبهة المعتزلة في تأويل تكليم الله لموسى

يناقش حجة عمر بن العلاء على معتزلي أنكر حقيقة التكليم مستدلاً بآية الأعراف مانعًا تحريف لفظ الجلالة. ويبطل قولهم بالتأويل المجازي مؤكدًا أن توكيد الفعل بالمصدر ينفي المجاز ويثبت الحقيقة.

الفرق بين الخالق والمخلوق وصفاتهما وخاتمة الدرس

يوضح أن التمييز بين الخالق والمخلوق يكشف اختلاف صفات كل منهما. ويشير المتحدث إلى استكمال الموضوع في درس قادم.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد، فنواصل في ذكر بعض شبه القائلين بخلق القرآن. قد ذكرنا فيما مضى بعض هذه الشبه وأجبنا عنها. ومن هذه الشبه التي يستدل بها من قال بخلق القرآن: إنهم يستدلون بقول الله جل وعلا: ﴿ وَمَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مِّن رَّبِّهِم مُّحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ ﴾ [الأنبياء: ٢]. فقالوا: ذكر الله عز وجل في هذه الآية أن كلامه محدثًا، ومنه القرآن. ﴿ وَمَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مِّن رَّبِّهِم مُّحْدَثٍ ﴾، فإذا قالوا: القرآن محدث، أي بمعنى مخلوق. والجواب على هذا: أن المحدث في هذه الآية ﴿ مَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مِّن رَّبِّهِم مُّحْدَثٍ ﴾ ليس بمعنى مخلوق، وإنما بمعنى جديد. محدث: أي جديد، كلام حادث: أي جديد، أحدثه الله جل وعلا. فالله جل وعلا كلامه منه سابق، ومنه هو لاحق وحادث، أي جديد. فكلم الله عز وجل الأنبياء في وقت مضى، والله جل وعلا سيكلم الناس يوم القيامة. فالكلام الذي تكلم الله جل وعلا به مع الملائكة، وكلم الأنبياء، كلام سابق. والكلام الآن الذي يأمر به جل وعلا، إذا أراد شيئًا إنما أمره إذا أراد شيئًا أن يقول له: كن فيكون. فهذا الكلام حادث، أي الآن. هذا حادث الآن، جلوسنا الآن هو بأمر الله، وما يحصل في ملكوت الله جل وعلا من هبوب رياح، أو نزول مطر، أو وفاة بعض البشر إلى آخر ذلك، كل هذا بأمر الله جل وعلا الحادث، أي الآن. لأنه جل وعلا إذا أراد شيئًا أي أن يقع في ملكوته، أمر: ﴿ إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ ﴾ [يس: ٨٢]. فما هو كائن في ملكوت الله جل وعلا هو بأمر الله جل وعلا: كن فيكون. فهذا الكلام حادث بمعنى جديد. ففي الآية قوله جل وعلا: ﴿ مَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مِّن رَّبِّهِم مُّحْدَثٍ ﴾: محدد، أي جديد، ليس بمعنى مخلوق. كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: «معنى حادث هنا: محدد، أي جديد، وليس هو بمعنى مخلوق». قوله جل وعلا: ﴿ لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَٰلِكَ أَمْرًا ﴾ [الطلاق: ١]. هاهنا معنى يخلق أمرًا. الجواب: لا، وإنما يجدد أمرًا. لأن الأمر غير الخلق، كما تقدم. وهكذا في قوله جل وعلا: ﴿ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا ﴾ [طه: ١١٣]. أي: القرآن، أو يحدث لهم ذكرًا. هل المعنى أن القرآن يخلق لهم ذكرًا؟ معنى باطل، قرآن لا يخلق ذكرًا. فإذا ما معنى: ﴿ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا ﴾؟ أي: القرآن، يعني يجدد، يجدد لهم ذكرًا. لأن الإنسان إذا قرأ القرآن، فإن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم، فيجدد عند الإنسان ذكرًا في قلبه بربه جل وعلا إلى آخر ذلك. فإذا معنى قوله جل وعلا: محدث، ليس بمعنى مخلوق، وإنما بمعنى جديد. وما يدل على هذا: أن النبي عليه الصلاة والسلام عندما نزل المطر، حسر عليه الصلاة والسلام عن بدنه حتى صابه المطر. فقالوا: لم فعلت يا رسول الله؟ قال: «إنه حديث عهد بربه». إنه حديث عهد بربه. ما معنى قوله عليه الصلاة والسلام: «حديث عهد بربه»؟ أي: أن نزول هذا المطر بأمر الله جل وعلا الحادث الآن. لأن هذا المطر إنما نزل بأمر الله، أراد الله جل وعلا وشاء أن يكون هذا المطر، فأمر بذلك فنزل المطر. فإذا نزول المطر الآن هو بأمر الله جل وعلا له الحادث، أي الآن، الجديد. هذا الذي أمر الله جل وعلا به. فإذا استدلال هؤلاء بهذه الآية استدلال باطل، وهذا الجواب عنه كما سمعتم. استدلوا كذلك بما جاء في كتاب الله جل وعلا من أن الله جل وعلا أنزل المطر، وأنزل الحديد، وأنزل ثمانية أزواج. وقالوا: هذا الإنزال إنزال خلق، هذا الإنزال إنزال خلق. وهكذا القرآن أنزله الله، وهو كذلك إنزال خلق، فهو مخلوق كالمطر الذي أنزله الله، وكالحديد الذي أنزله الله، وكالثمانية الأزواج من الأنعام التي أنزلها الله. وهكذا القرآن هو مخلوق، أنزله الله. والجواب على هذا: أن الإنزال على نوعين. الإنزال على نوعين: إما أن يكون بإضافة عين، بإضافة عين، أي: المضاف عينًا، مضاف عين. فهذا إنزال خلق. الحديد عين، والمطر كذلك، والأزواج الثمانية هذه أعيان. فإنزالها إنزال خلق، إنزالها إنزال خلق. وأما الإنزال الذي هو بإضافة الصفة، بإضافة الصفة، إنما هو إنزال وحي وكلام. إنزال وحي وكلام. فالقرآن صفة، القرآن كلام الله، وكلام الله جل وعلا من صفاته. فإنزال القرآن ليس هو إنزال خلق، لأنه ليس عينًا مثل المطر والحديد والأزواج الثمانية من الأنعام. فإذا نفرق في الجواب على هذا بين إنزال خلق، وإنزال ليس بخلق. فإذا كان المنزل عينًا أضافها الله جل وعلا، فهذا إنزال خلق. وإذا كان المنزل ليس عينًا، فهو من باب إضافة الصفة إلى موصوفها. والقرآن كلام الله الذي هو صفة من صفاته جل وعلا. أيضًا أجاب ابن أبي العز الحنفي رحمه الله، كما في شرحه للطحاوية: أن بين الإنزالين فرق، بين الإنزالين فرق. بين إنزال المطر والحديد وثمانية أزواج من الأنعام، وبين إنزال القرآن. فرق بين هذين الإنزالين. قال: لأن إنزال المطر مقيد بأنه أنزل من السماء، أنزل من السماء. وفي بعض المواضع: أنزل من المعصرات. في بعض الآيات: أنزل من المزن، كما في قوله جل وعلا: ﴿ وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّماءِ مَاءً طَهُورًا ﴾ [الفرقان: ٤٨]. هذا في سورة الفرقان: ﴿ وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّماءِ مَاءً طَهُورًا ﴾. فالتنزل للمطر هنا من السماء، أي من العلو، أي من العلو. وقوله جل وعلا في سورة النبأ: ﴿ وَنَزَّلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا ﴾ [النبأ: ١٤]. من المعصرات. وهكذا في سورة الواقعة: ﴿ أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ * أَأَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنزِلُونَ ﴾ [الواقعة: ٦٨-٦٩]. والمزن: بمعنى السحاب. فقال رحمه الله: قيد الله جل وعلا نزول المطر وأنه من السماء، وأطلق إنزال الحديد وثماني أزواج من الأنعام. قال جل وعلا: ﴿ وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ ﴾ [الحديد: ٢٥]. وقال في الأنعام: ﴿ أَنزَلَ لَكُم مِّنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ ﴾ [الزمر: ٦]. فهذا إنزال مطلق. قال: فرق بين هذا وبين إنزال القرآن، الذي قال الله جل وعلا فيه: منه. لما ذكر الله جل وعلا إنزال القرآن، ذكر أنه منه. قال: فرق بين إنزال يقيد ويطلق، وبين إنزال يقول الله جل وعلا فيه: منه. فالقرآن إذا تأملت في كتاب الله جل وعلا، تجد أن الله جل وعلا يذكر أنه منزل منه، ومن عنده. ﴿ تَنزِيلٌ مِّنَ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴾ [فصلت: ٢]. ﴿ تَنزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ [السجدة: ٢]. ﴿ إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ ﴾ [الدخان: ٣]. ﴿ إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ ﴾ [القدر: ١]. ﴿ قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ ﴾ [النحل: ١٠٢]. فهذه تجد في كتاب الله جل وعلا الآيات التي ذكر فيها نزول القرآن، أن الله جل وعلا يقول فيها: منه جل وعلا، ومن عنده. ففرق، قال رحمه الله، بين هذا وهذا. وذكر من فوائد: منها أن المطر نسب نزوله إلى السماء لأنه يأتي من جهة العلو. ونسب يعني الحديد كذلك، وأنه أنزل، قال: لأنه يستخرج من الجبال. الحديد يستخرج من الجبال، والجبال عالية على الأرض. فكان الحديد نزل، الجبال عالية من الأرض، فأخرجه من الجبال، نزول من علو إلى سفل. ولذلك قال رحمه الله: قالوا لذلك إذا كان المعدن من جبل أعلى كان أجود. يعني: أفضلية الحديد كلما استخرج من جبل أعلى. إذا استخرج من جبل أعلى من جبل كان أجود. يعني: كلما كان من أعلى كان أجود، وكان أجود من الحديد الذي هو أسفل. هذا من باب الفوائد نذكرها. فقال رحمه الله: ذكر الله هذا في القرآن في إنزال الحديد، والحديد يستخرج من الجبال، والجبال عالية من الأرض. وقال في نزول الأنعام ثمانية أزواج: قال: هذا يحتمل إما أن تكون من هنا في الأنعام، من الأنعام لبيان الجنس، أي: من جنس الأنعام أنزل ثمانية. ويحتمل أن تكون لبيان ابتداء الغاية. يعني: نزول هذه الأزواج الثمانية من الأنعام. قال: ذكور الأنعام حين تأتي الإناث، ويترق الفحل الأنثى، يكون نزول المني من أعلى لأسفل. وهكذا إذا ولدت هذه الأنعام، فإنها تنزل من البطن ومن الفرج إلى الأسفل. كل هذا النزول، هذا ذكره رحمه الله في كتابه، في شرحه للطحاوية، مما يريد رحمه الله أن يبين الفرق بين إنزال القرآن، وإنزال الأنعام، أو إنزال ثمانية الأزواج من الأنعام، أو إنزال الحديد، أو إنزال المطر. فهذه جملة من استدلالات، التي أهم استدلالات، التي استدل بها القائلون بخلق القرآن، هؤلاء الجهمية والمعتزلة. إذا احتج عليهم بآيات القرآن التي فيها تكليم الله جل وعلا لموسى، ما موقفهم منها؟ إنه حجة عليهم. فهم موقفهم بين التحريف، الذي هو تعطيل، وبين الرد والإنكار. لا مخرج لهم من هذا إلا إما أن يحرف ويعطل، وإما أن ينكر. ففي آيات الله عز وجل التي في كتابه سبحانه وتعالى، حرفوها وعطلوها. منها قوله جل وعلا: ﴿ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا ﴾ [النساء: ١٦٤]. حرفوا لفظ الجلالة وعطلوه، وجعلوا لفظ الجلالة منصوبًا، ليكون الفاعل موسى، متأخر على مفعوله، ليكون المتكلم موسى، ما هو الله. فيقولون: ﴿ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا ﴾، فالله لفظ الجلالة هنا مفعول، جعلوه مفعولًا، وجعلوا موسى هو الفاعل. وساعدهم في هذا أن حركة الإعراب في موسى لا تظهر. معلوم أن موسى هنا فاعل مرفوع بالضم المقدرة، منع من ظهورها التعذر. فما معهم إلا لفظ الجلالة، جعلوه منصوبًا. ولذلك لما سمع أحد المعتزلة عمر بن العلاء رحمه الله وهو يقرأ هذه الآية: ﴿ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا ﴾، قال: أريدك أن تقول: «وكلم الله موسى تكليما». أي: لا تقول: «وكلم الله»، وإنما قل: «وكلم الله موسى تكليما». فقال له عمر بن العلاء رحمه الله: «هد أن النقرات هكذا». فأين أنت من قوله جل وعلا: ﴿ فَلَمَّا جَاءَ مُوسَىٰ لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ ﴾ [الأعراف: ١٤٣]؟ كيف الآن تفعل ما فيه؟ فبهت المعتزلي، بهت، ما عنده جواب. الآن ما يستطيع أن يحرف، ولا استطاع أن يحرف لفظ الجلالة. لكن هنا ما يستطيع. ﴿ وَلَمَّا جَاءَ مُوسَىٰ لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ ﴾، فحجه رحمه الله، أي: عمر بن العلاء، حج هذا المعتزلي. فإذن هنا هم حرفوا وعطلوا. وهكذا مثلًا في الاستواء: يقولون: استولى. تحريف وتعطيل لنفي هذه الصفة. فوافقوا اليهود. أمر اليهود بأن يقول: حطة، فأبوا وقالوا: حنطة، لهوان. وكذلك الجهمي: قيل له: استوى، فأبى، وزاد الحرف للنكران. نون اليهودي، ولا مجهمي، هما في الميزان سيان. سوى نون التي زادها اليهود في حطة وقالوا: حنطة، هي الهم الجهمية التي زادوها في استوى، فقالوا: استولى. فهم يتبعون في هذا اليهود، والعياذ بالله. وكما تقدم: أخذوا كذلك من الأخطل في قولهم: إن حقيقة الكلام أنه الكلام النفسي. «إن الكلام لفي الفؤاد، وإنما جعل اللسان عن الفؤاد دليلا». كما تقدم. وإما ينكرون، ينكرون النصوص. وهذا فعلهم مع حديث رسول الله عليه الصلاة والسلام. قالوا: هي أخبار آحاد، عطلوها، ولم يقبلوها، بزعم أن خبر الآحاد لا يقبل في العقيدة. فردوا النصوص الواردة عن النبي عليه الصلاة والسلام التي فيها إثبات صفة الكلام. فإذن هم بين تحريف وتعطيل، أو ماذا؟ أو إنكار. وهكذا من تحريف وتعطيل: أنهم يجعلون الآيات في القرآن مجازًا، ليست حقيقة. فيقول الله عز وجل في هذه الآيات: لم يتكلم حقيقة، وإنما هذا من باب المجاز. وهذا يدلنا على أن القول بالمجاز خطره عظيم، ودخل منه المعتزلة في تعطيل صفات الرب جل وعلا. ورحم الله الإمام ابن القيم حيث قال: «المجاز طاغوت». وتصدى في الرد على المجاز، وبين أنه طاغوت، لأنه يفضي إلى تعطيل الأمر والنهي، وإلى تعطيل الشريعة، إلى آخر ذلك من هذه المفاسد العظيمة. فمن ذلك أنهم يقولون في قوله جل وعلا: ﴿ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا ﴾: مجاز، ليس حقيقة، وإنما مجاز. إذن ما المراد؟ قال: مراد الكلم، الكلم من الجرح. وما المعنى؟ كما يقول الزمخشري، وهو من المعتزلة: «جرحه بمخالب الحكمة». كلم الله موسى تكليما: أي جرحه بمخالب الحكمة. فهنا التكليم ليس كلامًا حقيقيًا، وإنما من باب الكلم، وهو الجرح. وهذا باطل. أولاً: لأن القائلين بالمجاز، إذا أكد الكلام بالمصدر، فإنه ينفي المجاز. إذا أريد نفي المجاز عند القائلين به، أنه إذا أكد الكلام بالمصدر، فإنه يفيد الحقيقة وينفي المجاز. أي: أن المراد حقيقة. وهنا في هذه الآية أكد بالمصدر: ﴿ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا ﴾. تكليما: مصدر. فأكد بالمصدر، مما يدل على نفي المجاز. وهذا يقول به أهل المجاز الذين يقولون بالمجاز: إذا أكد الكلام بالمصدر، فإنه يراد به الحقيقة، ولا يراد به المجاز. فهكذا يرد عليهم بهذا. ومن قال بخلق القرآن قد توعده الله جل وعلا في الدنيا والآخرة. فمن الناس من عوقب في الدنيا قبل الآخرة. لأنهم قالوا: القرآن مخلوق، فعاقبهم الله عز وجل. لأنهم تجرأوا، فمن الناس من تجرأ، صار يقسم بالله جل وعلا أن هذا القرآن مخلوق. ومن هؤلاء، كما ذكر بعض أهل العلم: أن هناك كان من الناس من يقول: يقسم بالله أن القرآن مخلوق. ويقول: إذا لم يكن القرآن مخلوقًا، يذهب الله عز وجل عني هذا القرآن من صدري. أنه حافظ لكتاب الله عز وجل. ويتجرأ على الله عز وجل، سبب الهوى، والعياذ بالله. فيقسم بالله أن هذا القرآن مخلوق، وإن لم يكن مخلوقًا، أذهب الله جل وعلا من صدره هذا الحفظ للقرآن. قال: فرأوه، فوجدوه، ورأوه لا يستطيع أن يقرأ آية من كتاب الله. قد كان حافظًا، قد كان حافظًا لكتاب الله. ويقول: اقرأ قرآن، اقرأ آية، ما يستطيع. أذهب الله جل وعلا عنه حفظ القرآن الذي كان في صدره، بسبب جرأته على الله جل وعلا، حيث يقسم بهذا القسم. فالحمد لله، وفق الله جل وعلا أهل السنة والجماعة إلى القول الحق في كلام رب العالمين، القرآن، وأنه كلام الله جل وعلا، تكلم به، وهو يتكلم متى شاء، وكيف شاء، وفي أي وقت شاء. لا يماثل كلام المخلوقين. فهذا كلام مخلوق، وهذا كلام خالق. والفرق بين الخالق والمخلوق هو يدلك على الفرق بين صفة المخلوق وصفة الخالق. وأنواصل إن شاء الله في درس لاحق، والحمد لله رب العالمين.