شرح حائية ابن أبي داود 18

الدرس في شرح حائية ابن أبي داود 18، الدرس الثامن عشر:من( وبالقدر المقدور أيقن فإنه ... دعامة عقد الدين والدين أفيح ). ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

فضائل الصحابة وآل البيت في القرآن والسنة

يستعرض المقطع فضائل الصحابة رضي الله عنهم مستدلاً بآيات من سورة الفتح وأحاديث صحيحة، مبيناً منزلتهم العالية والنهي عن سبهم. كما يؤكد مكانة آل البيت المستقيمين على نهج النبي صلى الله عليه وسلم.

مكانة الصحابة ووجوب الترضي عنهم والإيمان بالقدر

يؤكد المقطع على فضل الصحابة ووجوب سلامة القلوب والألسن منهم، محذراً من الطعن فيهم لأنه طعن في الدين. ثم ينتقل إلى بيان أهمية الإيمان بالقدر خيره وشره كدعامة لعقد الدين.

مرتبة العلم من مراتب القدر الأربع وأدلة ثبوتها

يبيّن المقطع أن مرتبة العلم هي أول مراتب القدر الأربع، ويدلل عليها بآيات قرآنية وأحاديث تثبت علم الله الأزلي بكل شيء. ويوضح معنى الإيمان بهذه المرتبة بضرب الأمثلة كعلم الله بأعمال أطفال المشركين لو بلغوا.

إنكار القدرية الغلاة لعلم الله في القدر

يبيّن المقطع أن الله سبحانه يعلم ما لم يكن وما لم يُقدّر، ولو شاء وجوده لعلم كيفيته، وهذه مرتبة العلم أنكرها القدرية الغلاة وهم المعتزلة. ويذكر أن أول حديث في صحيح مسلم يروي قصتهم وإنكارهم لعلم الله تعالى.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد: فكان آخر الكلام عند قول المصنف رحمه الله تعالى: «وَقُلْ إِنَّ خَيْرَ النَّاسِ بَعْدَ مُحَمَّدٍ وَزِيرَاهُ قَدِيمًا ثُمَّ عُثْمَانُ الأَرْجَحُ». قال: «وَقُلْ خَيْرَ قَوْلٍ فِي الصَّحَابَةِ كُلِّهِمْ وَلَا تَكْتَطِعَانَا تَعِيبُ وَتَجْرَحُ، فَقَدْ نَطَقَ الْوَحْيُ الْمُبِينُ بِفَضْلِهِمْ». وفي الفتح آيات في الصحابة تمدح. وذكرنا شيئًا من فضائل أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام كما أشار المصنف رحمه الله إلى ذلك في سورة الفتح. ومن ذلك قوله جل وعلا: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾. قال جل وعلا: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾. قال جل وعلا أيضًا في هذه السورة التي فيها فضائل أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾. قال سبحانه وتعالى: ﴿فَأَنْزَلَ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾. وهذه آيات في سورة الفتح فيها ثناء عظيم وفضل كبير لأصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم. وهكذا جاء في قوله جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾. في هذه الآية كذلك فضل الذين أنفقوا وقاتلوا من قبل الفتح، والمراد بالفتح في هذه الآية صلح الحديبية. وهكذا بيان فضل من أنفق وقاتل بعد صلح الحديبية، لكن الذين أنفقوا وقاتلوا قبل هذا الفتح الذي هو صلح الحديبية أعظم منزلة عند الله جل وعلا من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا. أي: الذين أنفقوا من قبل وقاتلوا هم أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا. لكن كلا وعدهم الله جل وعلا الجنة، وكلا وعد الله الحسنى، والمراد بالحسنى الجنة. ومن فضائل أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام أن الله جل وعلا أمر نبيه محمدًا عليه الصلاة والسلام أن يشاورهم في الأمر: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾. فأمر من الله عز وجل لنبيه بأن يعفو عنهم وأن يشاورهم في الأمر. وهكذا أمر نبينا محمدًا عليه الصلاة والسلام بخفض الجناح لهم: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ في الآية الأخرى: ﴿لِمَنْ تَبِعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾. هذا من فضائل أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام. من فضلهم أن الله جل وعلا أمر بالسير على سيرهم، وتوعد من خالف: قال سبحانه: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾. فتوعد الله جل وعلا من خالف سبيل المؤمنين. وأصدق وصف استحقه من أهل الإيمان ومصاحبة النبي عليه الصلاة والسلام. وهكذا كذلك أمر الله سبحانه وتعالى بالإيمان بمثل إيمانهم: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾. الإيمان كأيمان الصحابة. قال: كله من الفضائل التي ذكرت في كتاب الله جل وعلا وفي أحاديث رسول الله عليه الصلاة والسلام. كذلك فضائل كثيرة فقد جاء النبي عليه الصلاة والسلام كما في الصحيحين، حديث عمران بن حصين رضي الله تعالى عنهما، قال عليه الصلاة والسلام: «خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ». فخير الناس قرن النبي عليه الصلاة والسلام، وهم أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام، فهم خير الناس. قال عليه الصلاة والسلام كما في حديث أبي سعيد الصحيح: «لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَوْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ». وهكذا قال النبي عليه الصلاة والسلام كما جاء في حديث أبي هريرة في صحيح الإمام مسلم: قال عليه الصلاة والسلام: «النُّجُومُ أَمَانَةٌ لِلسَّمَاءِ فَإِذَا ذَهَبَتِ النُّجُومُ أَتَى السَّمَاءَ مَا تُوعَدُ، وَأَنَا أَمَانَةٌ لِأَصْحَابِي فَإِذَا ذَهَبْتُ أَتَى أَصْحَابِي مَا يُوعَدُونَ، وَأَصْحَابِي أَمَانَةٌ لِأُمَّتِي فَإِذَا ذَهَبَ أَصْحَابِي أَتَى أُمَّتِي مَا يُوعَدُونَ». فأصحاب النبي عليه الصلاة والسلام أمنة لهذه الأمة، فإذا ذهبوا أتت الأمة ما توعد. ولذلك لما مات أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام ظهرت الفتن الكثيرة وحصلت النزاعات والخلافات الكثيرة، فكانوا أمنة رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم أجمعين لهذه الأمة من الوقوع في الضلالات وفي كذلك الزيغ والانحرافات. لكن لما مات أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام ظهرت الفتن الكثيرة، وهذا معنى قول النبي عليه الصلاة والسلام: «وَأَصْحَابِي أَمَانَةٌ لِأُمَّتِي فَإِذَا ذَهَبَ أَصْحَابِي أَتَى أُمَّتِي مَا يُوعَدُونَ». وهذا جاء بحديث سعيد بن الخدري في صحيح الإمام مسلم، قال عليه الصلاة والسلام: «يُغْزَى فِئَامٌ مِنَ النَّاسِ فَيُقَالُ لَهُمْ: هَلْ فِيكُمْ مِنْ صَاحِبِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ فَيُقَالُ: نَعَمْ، فَيُفْتَحُ لَهُمْ. ثُمَّ يُقَالُ: هَلْ فِيكُمْ مِنْ صَاحِبِ صَاحِبِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ فَيُقَالُ: نَعَمْ، فَيُفْتَحُ لَهُمْ. ثُمَّ يُقَالُ لَهُمْ: هَلْ فِيكُمْ مِنْ صَاحِبِ صَاحِبِ صَاحِبِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ فَيُقَالُ لَهُمْ: نَعَمْ، فَيُفْتَحُ لَهُمْ». فهذه فتوحات أخبر النبي عليه الصلاة والسلام عنها وأنها حصلت بفضل هذه الصحبة: صحبة من صحب النبي عليه الصلاة والسلام، وصحبة من صحب الصحابة، وصحبة من صحب التابعين. فلشرف هذه الصحبة كانت هذه الفتوحات التي أخبر عنها النبي صلى الله عليه وآله وسلم في هذا الحديث. وهكذا كذلك جاءت الأحاديث الكثيرة عن النبي صلى الله عليه وسلم التي فيها بيان فضل الصحابة، وفضل كذلك آل البيت وهم من الصحابة كذلك. فقد جاء في حديث زيد بن ثابت عند الإمام مسلم رحمه الله في خطبته عليه الصلاة والسلام يوم غدير خم، وهو مكان ما يقال له «خُم»، فهذا المكان خطب النبي صلى الله عليه وسلم فيه أصحابه وقال لهم عليه الصلاة والسلام: «أَذَكِّرُكُمُ اللَّهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أَذَكِّرُكُمُ اللَّهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي». فآل بيت النبي صلى الله عليه وسلم لهم كذلك فضل ولهم مكانة، وهذه المكانة إنما هي لمن بقي على نهجه وعلى متابعته للنبي عليه الصلاة والسلام وسلوكه الصراط المستقيم. أما من رجع القهقرى ومن نكص على عقبيه وترك سنة النبي عليه الصلاة والسلام أو ارتد، فهذا لا كرامة له. فالفضائل هذه إنما هي في حق آل البيت المستقيمين الطائعين. أما العاصون وأما كذلك المبتدعون والمخالفون والكافرون من باب أولى، فهؤلاء بقدر ما ارتكبوا فإنهم يحرمون هذا التقدير وهذه المكانة التي جعلها النبي صلى الله عليه وآله وسلم لهم. فلذلك علينا أن نعرف للصحابة قدرهم. وكما قال سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه وأرضاه: «النَّاسُ ثَلَاثُ مَنَازِلَ، مَنَازِلَتَانِ قَدْ مَضَتْ: الْمُهَاجِرُونَ وَمَنْزِلَتُهُمْ قَدْ مَضَتْ، وَالْأَنْصَارُ وَمَنْزِلَتُهُمْ قَدْ مَضَتْ، بَقِيَتْ مَنْزِلَةٌ وَاحِدَةٌ: مَنْ يَسْتَغْفِرُ لِأَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ». بعد أن ذكر الآيات التي ذكر فيها ربنا عز وجل أولًا حال المهاجرين، ثم بعد ذلك ذكر الأنصار، ثم قال: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾. فقال رضي الله تعالى عنه: «فَأَحْسَنُ مَا تَكُونُونَ عَلَيْهِ أَنْ تَكُونُوا عَلَى هَذَا الَّذِي أَخْبَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَنْهُ، وَهُوَ أَنْ تَسْتَغْفِرُوا لِأَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ». ولذلك أهل السنة والجماعة إذا تكلموا في كتب العقائد ذكروا هذا الأصل العظيم، وهو سلامة القلوب والألسن من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وبينوا أن من يطعن فيهم فهو زنديق مبتدع خارج عن جماعة المسلمين. ولذلك قال أبو زرعة الرازي رحمة الله تعالى عليه: «مَنْ يَطْعَنُ فِي أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ فَإِنَّمَا يَطْعَنُ فِي الدِّينِ، يَطْعَنُ فِي الدِّينِ، لِأَنَّ الطَّعْنَ فِي النُّقَلَةِ طَعْنٌ فِي الْمَنْقُولِ». الطعن في النقلة، وأصحاب النبي عليه الصلاة والسلام الذين نقلوا لنا هذا الدين، طعن في المنقول. ولذلك قال رحمه الله أيضًا: «إِنَّمَا أَرَادُوا أَنْ يُقَضِّحُوا فِي هَذَا الدِّينِ وَيُقَضِّحُوا فِي شُهُودِنَا»، أي: هؤلاء العدول الذين نقلوا لنا هذا الدين العظيم. ثم قال: «هُمْ زَنَادِقَةُ، هُمْ زَنَادِقَةُ»، أي: الذين يطعنون في أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم. فلذلك علينا أن نعرف لهؤلاء القوم قدرهم وفضلهم، فهم خير الناس. كما جاء من ابن مسعود أيضًا، وهو في صحيح المسند للشيخ الوادعي رحمه الله وغيره، أن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: «إِنَّ اللَّهَ نَظَرَ فِي قُلُوبِ الْعِبَادِ فَوَجَدَ قَلْبَ نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَيْرَ الْقُلُوبِ فَاصْطَفَاهُ لِرِسَالَتِهِ، ثُمَّ نَظَرَ فِي قُلُوبِ الْعِبَادِ فَوَجَدَ قُلُوبَ أَصْحَابِهِ خَيْرَ الْقُلُوبِ فَاخْتَارَهُمْ لِصُحْبَةِ نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَاعْرِفُوا لَهُمْ قَدْرَهُمْ، فَاعْرِفُوا لَهُمْ قَدْرَهُمْ». فالواجب معرفة قدر أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام، والترضِّي عنهم، والثناء الحسن لهم. فالله عز وجل قد أخبر أنهم سيقعون في أمور، والرسول عليه الصلاة والسلام قد أخبر أنهم ستقع بينهم أمور، ومع هذا حصل الرضا، حصل الثناء العظيم. كما قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: «اسْتَغْفِرُوا، اسْتَغْفِرُوا، أَوِ اسْتَغْفِرُوا لِأَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ أَخْبَرَ أَنَّهُمْ سَيَقْتَتِلُونَ». يعني: لا يمنع عنكم ذلك، أي: حصول القتال بين أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام والفتن، أن ماذا؟ أن لا تستغفروا لهم، أو أن تقعوا فيهم الطعن. فهم قد علم منهم هذه الأمور وأنهم سيقعون فيها، ومع هذا أمر الشرع بالترضي عنهم وبذكر الثناء والاستغفار لهم. ولذلك ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام في حديث حسّنه بعض أهل العلم ومنهم الشيخ الألباني رحمة الله تعالى عليه، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «إِذَا ذُكِرَ أَصْحَابِي فَأَمْسِكُوا، وَإِذَا ذُكِرَتِ النُّجُومُ فَأَمْسِكُوا، وَإِذَا ذُكِرَ الْقَدَرُ فَأَمْسِكُوا». يعني: عن الكلام. والمراد بالإمساك عن الكلام: الكلام بالباطل. أما الكلام في ذكر فضائلهم ومحاسنهم فنحن مأمورون بذلك، لكننا نَهِينَا عن الكلام بالباطل: ما فيه الهمز واللمز والغمز والطعن والقدح في أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام. وهكذا ما يتعلق بالكلام في القدر، وما يتعلق كذلك في النجوم: الكلام بالباطل، أو ما يكون ذريعة للوقوع في الباطل. فما تجاسر أحد في الكلام في مثل هذه الأمور وأعطاها ما لا ينبغي له، فإنه تزل قدمه ويخرج عن الصراط المستقيم بسبب التعدي والمجاوزة في الكلام في هذه الأمور، وخاصة إذا تكلم فيها بغير ما يوافق كتاب الله وسنة رسول الله عليه الصلاة والسلام. قال رحمه الله: «وَبِالْقَدَرِ الْمُقَدَّرِ أَيْقَنْ، فَإِنَّهُ دَعَامَةُ عَقْدِ الدِّينِ وَالدِّينِ وَفِيحِهِ». هذا فيه ذكر لما يتعلق بالإيمان بالقدر، وهو الركن السادس من أركان الإيمان، وهو الإيمان بالقدر خيره وشره. فقال: «وَبِالْقَدَرِ الْمُقَدَّرِ أَيْقَنْ»، أي: أؤمن، «فَإِنَّهُ دَعَامَةُ عَقْدِ الدِّينِ وَالدِّينِ وَفِيحِهِ». الإيمان بالقدر دلت عليه الأدلة الكثيرة في كتاب الله وفي سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام. قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾. ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾. قال جل وعلا: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾. وقال جل وعلا: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾. وقال جل وعلا: ﴿لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾. وقال الله جل وعلا: ﴿وَلَكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا﴾. وقال جل وعلا: ﴿الَّذِي خَلَقَ فَقَدَّرَ وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى﴾. ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى﴾. وقال جل وعلا: ﴿ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى﴾. وهذه الآيات كثيرة. ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾. ﴿ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾. الآيات كثيرة في بيان الله جل وعلا قدر الأمور. وهكذا كذلك في سنة النبي عليه الصلاة والسلام: قال عليه الصلاة والسلام كما في حديث عبد الله بن عمر بن العاص رضي الله تعالى عنهما في صحيح الإمام مسلم: قال عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ مَقَادِيرَ الْخَلَائِقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ». وفي لفظ: «إِنَّ اللَّهَ قَدَّرَ مَقَادِيرَ الْخَلَائِقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ». فهذا يدلنا على أن الله جل وعلا قدر أمور الخلائق، أي: الأفعال التي يفعلها الخلائق. فالله قدر الخلائق وقدر أفعالهم وكذلك مفعولاتهم. فكل شيء بقدر يحصل في ملكوت الله جل وعلا بقدر الله جل وعلا. فما من طائر يطير إلا بقدر الله عز وجل، وما تسبح سمك في البحر إلا بقدر الله جل وعلا، وما يصيح حيوان إلا بقدر الله جل وعلا، وما نتكلم إلا بقدر الله جل، حتى وضعنا أيدينا على خدنا: إذا أخذ الإنسان يده ووضعها على خده هذا بقدر الله جل وعلا، قد كتب. كما قال ابن عباس رضي الله عنهما كما جاء عند البخاري في خلق أفعال العباد معلقًا، قال ابن عباس: «كُلُّ شَيْءٍ بِقَدَرٍ، حَتَّى وَضْعُكَ يَدَكَ عَلَى خَدِّكَ، حَتَّى وَضْعُكَ يَدَكَ عَلَى خَدِّكَ». أي: هذا بقدر الله جل وعلا. فكل شيء يحصل في ملكوت الله عز وجل إنما هو بقدر الله سبحانه وتعالى. والإيمان بالقدر معناه: الإيمان بأن الله سبحانه وتعالى علم في الأزل الأشياء وقدرها، ثم كتبها في اللوح المحفوظ، ثم وقوع هذه الأمور التي قدرها جل وعلا وكتبها وفق مشيئته سبحانه وتعالى. فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن. والإيمان بعد ذلك بأن الله سبحانه وتعالى خلق هذه الأشياء. فهذا معنى الإيمان بالقدر. فهو يتضمن الإيمان بأربع مراتب: العلم، والكتابة، والمشيئة، والخلق. هذه مراتب القدر الأربع، وتجمع في قولك: علم، كتابة، مشيئته، ثم خلقه وهو إيجاد وتكوين. علم، كتابة، مشيئته، ثم خلقه وهو إيجاد وتكوين. هذه مراتب القدر الأربع دلت عليها الأدلة في كتاب الله جل وعلا وفي سنة النبي عليه الصلاة والسلام. فأما مرتبة العلم فأدلتها كثيرة. ففي كتاب الله جل وعلا قال سبحانه: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾. وقال سبحانه وتعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا﴾. وقال جل وعلا: ﴿أَنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾. قال سبحانه وتعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾. وقال سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾. وقال سبحانه وتعالى: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾. فآيات كثيرة في بيان هذه المرتبة، وهي مرتبة العلم السابق لله عز وجل الأزلي. وهكذا في سنة النبي عليه الصلاة والسلام: جاء في الصحيحين أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «مَا مِنْ نَفْسٍ مَنْفُوسَةٍ إِلَّا وَقَدْ عَلِمَ اللَّهُ مَنْزِلَهَا مِنَ الْجَنَّةِ وَمِنَ النَّارِ، وَإِلَّا وَقَدْ كُتِبَتْ شَقِيَّةً أَوْ سَعِيدَةً». فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فِيمَ الْعَمَلُ؟ قَالَ: «اعْمَلُوا، فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ». فَأَمَّا مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ السَّعَادَةِ فَيُسَرُّ لِعَمَلِ أَهْلِ السَّعَادَةِ، وَأَمَّا مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ فَيُسَرُّ لِعَمَلِ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ. ثُمَّ تَلَا قَوْلَ اللَّهِ جَلَّ وَعَلَا: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾. ففي هذا الحديث بيان علم الله سبحانه وتعالى السابق. وهذا جاء عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما كما في البخاري: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ أَوْلَادِ الْمُشْرِكِينَ، فَقَالَ: «اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ، اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ». ففيه إثبات العلم السابق الذي هو ثابت لله سبحانه وتعالى بهؤلاء الأطفال. وأحاديث كثيرة في بيان هذه المرتبة. وما معنى الإيمان بمرتبة العلم؟ معناه: الإيمان بأن الله سبحانه وتعالى علم ما كان من الأمور وما يكون منها وما سيكون، وما لم يكن لو كان كيف كان يكون. قال الله عز وجل: علم بالأمور الماضية التي كانت وانقضت، وهكذا علم ما يكون منها من الأمور الحاضرة فهي بعلم الله سبحانه وتعالى، وهكذا ما سيكون في المستقبل من أمور فالله سبحانه وتعالى يعلمها، يعلمها قبل وقوعها. والأمور التي لم تقدر ولم تقع ولم يقدر الله جل وعلا أنها تقع، لكنه سبحانه وتعالى يعلم إذا وقعت هذه الأمور كيف تقع. فمن ذلك مثلًا: أطفال المشركين، لما سئل رسول الله عليه الصلاة والسلام عن أطفال المشركين قال: «اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ». أطفال المشركين لم يقع منهم البلوغ، لكن الله عز وجل يعلم ماذا يكون الحال منهم إذا بلغوا. فهو جل وعلا يعلم إذا بلغ هؤلاء الأطفال، أي أطفال المشركين، ماذا يكون منهم العمل: هل سيدخلون في دين الإسلام أو يبقوا على الكفر والعياذ بالله وعلى دين آبائهم وأجدادهم. وهكذا كذلك أخبر الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم عن المنافقين الذين لم يخرجوا مع الصحابة: ﴿ثَبَّطَهُمُ اللَّهُ﴾، أي: ثبت المنافقين عن الخروج مع أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم. إذا خروج المنافقين مع أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام لم يحصل، لكن إذا حصل فالله سبحانه وتعالى يعلم ماذا يفعل هؤلاء المنافقون. ولذلك قال سبحانه وتعالى: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ﴾. فأخبر الله عز وجل عن المنافقين وأنهم إذا خرجوا مع الصحابة نشروا بين أوساطهم الفتنة وأوضعوا خلالهم كذلك الفتنة. فالله جل وعلا علم بهذا من المنافقين مع أنه لم يحصل منهم، لم يحصل منهم، ولكنه سبحانه وتعالى علم أنهم إذا خرجوا مع الصحابة فإنهم سيفعلون هذه الأفعال وهذه الأمور من نشر الفتنة بين أوساط الصحابة، وكذلك نشر الفساد والمكر بين أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام. وهكذا كذلك طلب الكفار الرجعة والعودة إلى الدنيا، فهذا لم يقدره الله سبحانه وتعالى أنه يكون، لكن يعلم الله جل وعلا إذا قدر هذا فهو يعلم سبحانه وتعالى ماذا يصير من هؤلاء الكافرين الذين طلبوا الرجعة وطلبوا العودة. وذلك قال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾. هم يطلبون الرجعة للحياة الدنيا بزعمهم أنهم سيعملون الصالحات. الله سبحانه وتعالى لم يمكنهم من ذلك، وهذا الأمر لم يكن ولم يقدر، لكن إذا قدره الله سبحانه وتعالى وشاء أن يكون فهو يعلم سبحانه وتعالى كيف يكون، وهو أن هؤلاء الكفار الذين يطلبون العودة والرجوع إلى الدنيا إنما هم ماذا؟ إذا رجعوا وقدر أنهم يرجعوا لحصل الأمر كما حصل منهم أولًا: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾. وهكذا كذلك المشركون لم يسمعهم ربنا سبحانه وتعالى سمعًا يستفيدون منه فيستجيبون لدين الله سبحانه وتعالى، وهذا لم يحصل للكفار: سمع الإجابة والدخول في هذا الدين. هم سمعوا وأقيمت عليهم الحجة بذكر الأدلة، لكن ربنا سبحانه وتعالى لم يوفقهم لسمع الإجابة، وهو السمع الذي يقتضي منهم الإجابة والدخول والإذعان في هذا الدين. ولماذا منعهم الله سبحانه وتعالى ولم يوفقهم للإجابة؟ بسبب أنفسهم، بسبب أنفسهم. لماذا؟ لأنه لو أسمعهم جل وعلا لحصل منهم التولي والإعراض، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾. ﴿وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَ تَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾. فإذا لم يحصل للمشركين هذا النوع من السمع الذي يصده الإجابة والإذعان لهذا الدين، لكن لو قدر الله سبحانه وتعالى أنهم يسمعون سمعًا ماذا يحصل منهم؟ أنهم لا يستجيبون بل يتولون ويعرضون والعياذ بالله. فهذا معنى أن الله جل وعلا علم ما كان وما يكون وما سيكون وما لم يكن لو كان كيف يكون. يوضح بذكر هذه الأمثلة التي سمعتم في هذه الآيات. قد يشكل على بعض الناس: ما معنى إن الله جل وعلا علم ما لم يكن؟ ما لم يكن لو كان كيف يكون؟ أي: ما لم يكن لو كان، فالله جل وعلا يعلمه كيف يكون. قد يشكل على بعض الناس هذا، لكن تتأمل مثل هذه النصوص وهذه الآيات التي أخبر ربنا عز وجل فيها عن حصول أمور لم تقدر ولم تكن، لكنه يعلم جل وعلا كيف تكون لو وقعت وكيف تكون لو قدرت. فهذا معنى أنه سبحانه وتعالى علم ما لم يكن وما لم يقدر، لكن لو قدره ولو شاءه أن يكون فهو سبحانه وتعالى يعلم ماذا كيف تكون هذه الأمور. وهذه المرتبة، مرتبة العلم في القدر، أنكرتها القدرية الغلاة وهم المعتزلة. القدرية الغلاة وهم الذين ظهروا في أواخر عهد أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام في عهد أبي هريرة، وفي عهد جابر بن عبد الله، ووعلة بن الأسقع، في عهد عبد الله بن عمر. وأول حديث في صحيح الإمام مسلم رحمه الله فيه قصة هؤلاء القدرية الذين لم يؤمنوا بعلم الله