الدرس في شرح حائية ابن أبي داود 19، الدرس التاسع عشر:من( وبالقدر المقدور أيقن فإنه ... دعامة عقد الدين والدين أفيح ). ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
انتقل الشيخ إلى بيان المرتبة الثانية من مراتب القدر وهي مرتبة الكتابة بعد الفراغ من مرتبة العلم. استدل على ثبوت الكتابة بآيات قرآنية وأحاديث صحيحة تدل على أن الله كتب مقادير الخلائق في اللوح المحفوظ قبل خلق السماوات والأرض.
شرح المقطع أنواع الكتابة: الأزلية في اللوح المحفوظ، والعمرية في الأرحام، والسنوية في ليلة القدر، واليومية، مع التأكيد أن ما في اللوح لا يتغير. ثم انتقل إلى مرتبة المشيئة الثالثة مستدلاً بالقرآن والسنة وأبيات للإمام الشافعي، مبيناً الفرق بين المشيئة الكونية النافذة والإرادة الشرعية.
بيّن المقطع بطلان قول القدرية الذين يجعلون مشيئة العبد مستقلة وغالبة لمشيئة الله. استدل بآيات قرآنية وأحاديث نبوية وآثار سلفية تؤكد أن مشيئة الله نافذة وما شاء كان، وأن الله خالق العباد وأعمالهم، وأن الإيمان بالقدر ركن من أركان التوحيد.
اختتم الشيخ الدرس مؤكداً أن الدين الإسلامي واسع وشامل يشمل العبادات والتوحيد وغيرهما. أعلن مواصلة الشرح في درس قادم مختتماً بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم.
بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن ولاه. أما بعد، فكان آخر الكلام عند قول المؤلف رحمه الله تعالى: «وبالقدر المقدور أيقن، فإنه دعامة الدين، فإنه دعامة عقد الدين، والدين أفيح». وذكرنا النصوص الواردة في الكتاب والسنة التي تدل على وجوب الإيمان بالقدر خيره وشره، وأنه الركن السادس من أركان الإيمان. ذكرنا معنى الإيمان بالقدر، وذكرنا أنه على أربع مراتب: مرتبة العلم، ومرتبة الكتابة، ومرتبة المشيئة، ومرتبة الخلق. تكلمنا على مرتبة العلم، ذكرنا أدلة هذه المرتبة من الكتاب والسنة، وذكرنا معنى الإيمان بهذه المرتبة، وبينا أن القدرية الغلاة ضلوا في هذا الباب في هذه المرتبة فأنكروها، كما أنكروا مراتب القدر الأخرى: الكتاب، والمشيئة، والخلق. وهذه طائفة القدرية كفرها السلف الصحابة رضي الله تعالى عنهم في ذلكم الزمان الذي ظهرت فيه هذه الطائفة. كفرهم ابن عمر، وأبو هريرة، ومعابر بن عبد الله، واثلة بن الأسقع، وغيرهم من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام. فانقرضت هذه الطائفة، وخلفت هذه الطائفة طائفة أخرى، وهم القدرية غير الغلاة، الذين أثبتوا مرتبة العلم، وكذلك أثبتوا مرتبة الكتابة، ولكن أنكروا مرتبة المشيئة والخلق، وعطلوا الله عز وجل عن مشيئته الكاملة، وعن خلقه جل وعلا، فجعلوا للعباد مشيئة مستقلة، وجعلوا العباد يخلقون أفعالهم. جعلوا العباد يخلقون أفعالهم، شبهوا المجوس. فالمجوس قالوا بخالقين، وهؤلاء قالوا بخالقين، وليسوا بخالقين فقط، وإنما قالوا بخالقين لأنهم جعلوا كل عبد يخلق فعل نفسه. وقد رد عليهم الإمام البخاري رحمه الله في كتابه العظيم «خلق أفعال العباد». وهؤلاء القدرية الغلاة بجحدهم القدر يكفرون، كما قال السلف الصالح، كما جاء عن عمر بن عبد العزيز، والإمام أحمد، والشافعي، وغيرهم من السلف الصالح: «ناظروا القدرية بالعلم، فإن أقروا به خصموا، وإن جحدوه كفروا». ناظروا القدرية بالعلم، أي بمرتبة العلم، يقال للقدري: هل تثبت مرتبة العلم لله عز وجل، وأن الله جل وعلا علم الأمور قبل وقوعها؟ إذا قال: نعم، خصم، فهو مخصوم. وإذا قال: لا، جحد، فهو كافر. ولذلك قال كما سمعتم عمر بن عبد العزيز، وإمام أحمد، والشافعي، وغيرهم: «ناظروا القدرية بالعلم»، أي هل يثبتونها؟ لا. فإن أقروا به، أي يثبتوا علم الله جل وعلا السابق للأشياء قبل وقوعها، خصموا، وإن جحدوه كفروا. ولذلك عمر بن عبد العزيز لما أظهر غيلان الدمشقي هذه المقالة الكفرية، دعاه عمر بن عبد العزيز رحمه الله، قال له: «يا غيلان، ما هذا الذي بلغني عنك؟» قال: «يكذب علي يا أمير المؤمنين، ما أقول شيئا، وإنما يكذب علي». قال: «ما تقول في العلم؟» أي في علم الله عز وجل السابق للأشياء. قال: «أقر بذلك». قال: «يا غيلان، إنك أن تقر بالعلم فتخصم، خير لك من أن تجحده فتكفر. إنك أن تقر بالعلم فتخصم، خير لك من أن تجحده فتكفر». وغيلان الدمشقي هذا أخفى بعد ذلك هذه المقالة، خائفا من عمر بن عبد العزيز. ولذلك عمر بن عبد العزيز رحمه الله لما ذهب هذا غيلان عنه، قال: «اللهم إن كان غيلان صادقا فاعف عنه، وإن كان كاذبا فاللهم اجعله آية وعبرة». فغيلان ذهب، ولم يتكلم في عهد عمر بن عبد العزيز رحمه الله. لكن لما توفي عمر بن عبد العزيز رحمه الله، ظهر بعد ذلك أحد الأمراء، وكان لا يبالي بهذا الأمر، فأظهر غيلان الدمشقي هذه المقالة بعد ذلك، بعد موت عمر بن عبد العزيز رحمه الله. ولكن بعد ذلك لما تولى هشام بن عبد الملك، وقد سمع أن غيلان قد أظهر ذلك، استدعاه، قال: «ألم تكن عاهدت أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز أنك لن تتكلم في هذا؟» قال: «تركني، أقيلني، لن أتكلم بعد ذلك». قال: «لا أقيلني الله إن أقلتك، لا أقيلني الله إن أقلتك». فصلبه، وتحقق فيه دعاء عمر بن عبد العزيز: «اللهم إن كان صادقا فاعف عنه، وإن كان كاذبا فاللهم فاجعله آية وعبرة». فكان آية وعبرة، فصلب هذا غيلان الدمشقي الذي أخذ هذه المقالة، مقالة القدرية. فانقرضت هذه الطائفة لقيام السلف الصالح رحمة الله تعالى عليهم ورضي الله تعالى عنهم بالدفاع عن المعتقد الصحيح. فانقرضت هذه الطائفة، وكما سمعتم ظهرت طائفة أخرى، هم قدرية غير غلاة، لأنهم أثبتوا العلم، وأثبتوا الكتابة، ولكن ضلوا في مرتبة المشيئة والخلق. المرتبة الثانية من مراتب القدر: مرتبة الكتابة. وأدلة هذه المرتبة كثيرة في كتاب الله وفي سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام. قال الله جل وعلا: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾ [التوبة: 51]. وقال جل وعلا: ﴿وَالتُّورِ * وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ * فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ * وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ * وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ * وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾ [الطور: 1-6]. وقال جل وعلا: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: 38]. وقال جل وعلا: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ [يس: 12]. فهذه النصوص دالة على أن الله سبحانه وتعالى قد كتب مقادير الخلائق، وأن كل شيء حاصل في ملكوت الله جل وعلا قد كتب. كتب الله جل وعلا ذلك قبل أن يخلق السماوات والأرض، قبل أن يخلق العباد، كتب هذه الأشياء التي ستحدث في ملكوته. وكل أمور حاصل الآن في ملكوت الله جل وعلا قد كتبت في اللوح المحفوظ، ووقعت وفق مشيئة الله سبحانه وتعالى. ويدل على هذه المرتبة حديث رسول الله عليه الصلاة والسلام، حديث الذي رواه الإمام مسلم رحمه الله، وهو حديث عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عرشه على الماء». وحديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، قال: «حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو الصادق المصدوق: إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يرسل إليه الملك فيؤمر بأربع كلمات: بكتب رزقه، وأجله، وعمله، وشقي أو سعيد». فهذا الحديث كذلك دال على أن الله سبحانه وتعالى كتب مقادير الخلائق وهم في بطون أمهاتهم. وكذلك أيضا أحاديث كثيرة من أحاديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه في الصحيحين، في قوله عليه الصلاة والسلام: «ما من نفس منفوس إلا وقد كتب الله مكانها أو منزلها من الجنة أو النار». فهذه النصوص تدلنا على أن الله سبحانه وتعالى كتب مقادير الخلائق. ومنه كذلك حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه في المسند وغيره، في أمر الله عز وجل القلم بأن يكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة، كما قال عليه الصلاة والسلام: «أول ما خلق الله القلم، قال له: اكتب. قال: وما أكتب؟ قال: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة. فجرى القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة». أي من أمور بأمر الله سبحانه وتعالى. وهذا القلم نطق وتكلم، القلم قال: وما أكتب؟ فأمره الله عز وجل أن يكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة. وكما قال ابن القيم رحمة الله تعالى عليه: والناس مختلفون في القلم الذي كتب به القضاء من الديان هل كان قبل العرش أم هو بعده؟ قولان عند أبي علي الهمداني والحق أن العرش قبل، لأنه قبل الكتابة كان ذا أركان وكتابة القلم الشريف تعقبت إيجاده من غير فصل زمان لما براه الله قال: اكتب كذا، فغدا بأمر الله ذا جريان هذا فيه بيان من ابن القيم رحمه الله لما دلت عليه نصوص الشرع من أن الله عز وجل حين خلق القلم أمره أن يكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة. إيمان مرتبة الكتابة معناه: الإيمان بأن الله سبحانه وتعالى كتب مقادير الخلائق في الأزل، قبل خلقهم، قبل خلق السماوات والأرض. ومن هذه الكتابة ما هي الكتابة الأزلية، وهي كتابة القلم، وهي الكتابة في اللوح المحفوظ، هذه كتابة أزلية. ومنها الكتابة العمرية، وهي كتابة مقادير الخلائق وهم في بطون أمهاتهم، على ما دل عليه حديث عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه. هناك كتابة سنوية تكتب في ليلة القدر، وهي مستنسخة من اللوح المحفوظ، كما في قوله جل وعلا: ﴿إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجاثية: 29]. وقال جل وعلا: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد: 39]. فالذي في صحف الملائكة يتغير، يتغير كتابته، وأما ما هو في اللوح المحفوظ فإنه لا يتغير. فالذي يثبت في صحف الملائكة هو على ما كان عليه في اللوح المحفوظ، وهي كتابة لا تتغير. فالذي يتغير من الكتابة ما كان في صحف الملائكة من كتابة الأمور التي تقدر للعباد. ومنها الكتابة اليومية، دل عليها قوله جل وعلا: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرحمن: 29]. وجاء في تفسير بعض السلف والعلماء: الكتابة اليومية التي تقدر للناس، ماذا سيأكل، وماذا سيعمل، وماذا يفعل. هذه كلها مقادير قد كتبت على العباد. فثبت لمرتبة الكتابة أن الإنسان يؤمن بهذه النصوص الواردة في كتاب الله وفي سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام التي دلت على هذه المرتبة، وما يتعلق بها من الكتابة الأزلية، أو الكتابة العمرية، أو الكتابة السنوية، أو الكتابة اليومية. فهذه مرتبة الكتابة، وهي المرتبة الثانية من مراتب القدر. والمرتبة الثالثة: هي مرتبة المشيئة. وأدلة هذه المرتبة كذلك كثيرة في الكتاب والسنة. منها قوله جل وعلا: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ * وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير: 28-29]. ومنها قوله جل وعلا: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ [الأنعام: 125]. وقال جل وعلا: ﴿ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ [يوسف: 99]. وهكذا قوله سبحانه وتعالى في آيات كثيرة لذكر مشيئته جل وعلا النافذة: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا﴾ [الأنعام: 107]. وهكذا، فما من أمور حاصلة إلا وهي بمشيئة الله سبحانه وتعالى. فما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن. وما لم يشأ لم يكن، فما شاء الله عز وجل هو الكائن. وهذه المشيئة الكونية، وهي التي يرادفها الإرادة الكونية، ما أراده الله عز وجل كونا وقدرا، فهذا لابد من وقوعه. هذه مشيئة كونية. وأما الإرادة الشرعية فقد تقع وقد لا تقع، قد تقع وقد لا تقع. لكن الإرادة الكونية فهي ترادف المشيئة، فلابد من وقوعها، فلابد من وقوعها. وللشافعي رحمه الله أبيات عظيمة يبين فيها شيئا ما يتعلق بهذه المرتبة، قال رحمه الله: ما شئت كان وإن لم أشأ *** وما شئت إن لم تشأ لم يكن خلقت العباد على ما علمت *** ففي العلم يجري الفتى والمسن على ذا مننت وهذا خذلت *** وذا لم تعن فمنهم شقي ومنهم سعيد ومنهم قبيح *** ومنهم حسن يقول: ما شئت كان وإن لم أشأ، أي ما شاء الله هو الذي يكون، وإن لم أشأ، وإن لم يشأ العبد، العبد لم يشأ شيئا وشاءه الله عز وجل، فالذي يقع ما شاء الله. ما شئت كان وإن لم أشأ. وما شئت، أي أنا، أي العبد، إن لم تشأ، أي يا رب، لم يكن. خلقت العباد على ما علمت، ففي العلم يجري الفتى والمسن. على ذا مننت وهذا خذلت، وذا لم تعن، فمنهم شقي، ومنهم سعيد، ومنهم قبيح، ومنهم حسن. هذه أبيات من أعظم ما قيل في القدر من الإمام الشافعي رحمه الله، فيما يتعلق بهذا القدر، بهذه المشيئة. مرتبة المشيئة لله سبحانه وتعالى. وأحاديث مرتبة المشيئة كذلك كثيرة. منها قوله عليه الصلاة والسلام كما في الصحيحين، حديث عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما، قال عليه الصلاة والسلام: «إن قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن، يقلبها كيف يشاء، يقلبها كيف يشاء». وهكذا جاء عنه عليه الصلاة والسلام في نوم الصحابة في الوادي، فقال لهم: «إن الله جل وعلا لما شاء أن يبعثكم بعثكم»، أي بعد نومكم. وهكذا في حديث علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، لما دخل النبي عليه الصلاة والسلام على علي بن أبي طالب وفاطمة رضي الله تعالى عنهما فوجدهما نائمين، فأيقظهما. فقال علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه: «أنفسنا بيد الرحمن، إن شاء أن يبعثنا بعثنا. أنفسنا بيد الرحمن، إن شاء أن يبعثنا بعثنا». فأقره النبي عليه الصلاة والسلام في قوله: «أنفسنا بيد الرحمن، إن شاء أن يبعثنا»، بإثبات المشيئة لله عز وجل. فقال علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، قال: «فذهب النبي عليه الصلاة والسلام، وسمعته وهو مول يضرب فخده، ويقول: وكان الإنسان أكثر شيء جدلا». قال: «إنسان أكثر شيء جدلا»، أو «أكثر شيء جدلا»، يعني إنسان جادل، عنده جدل. لكن أقر النبي عليه الصلاة والسلام عليا رضي الله تعالى عنه على إثبات المشيئة لله سبحانه وتعالى. فهذه مرتبة المشيئة من مراتب القدر. ضل في هذا كما سمعتم القدرية، الذين أطلوا الله عز وجل عن مشيئته، حيث جعلوا للعبد مشيئة مستقلة، وقالوا: مشيئة العبد هي التي تقع. إذا شاء العبد شيئا وشاء الله جل وعلا شيئا، أي مشيئة تقع؟ قالوا: مشيئة العبد. سبحان الله، يجعلون مشيئة العبد تقلب مشيئة الله سبحانه وتعالى. وهذا من أبطل الباطل والعياذ بالله. وهكذا يقولون: شاء الله أو لم يشأ، أنا سأفعل، سأفعل. شاء الله أو لم يشأ، لابد ما دخل، ما دام أنا شئت فإنه سيقع. ولذلك دخلوا عن رجلين اشترطا عبور الشاطئ، شاطئ البحر، فقال أحدهما للآخر: «سأعبر هذا الشاطئ، سأمر على هذا الشاطئ». قال: «هنقول: إن شاء الله». قال: «شاء أو لم يشأ، شاء أو لم يشأ، سأعبر، سأعبر». قال: فابتلعته الأرض، عقاب عاجل من رب العالمين سبحانه وتعالى. قال: «قل: إن شاء الله». قال: «شاء أو لم يشأ، سأمر، سأعبر، سأعبر، أنا مشيئتي، أنا أستطيع». قبل أن تلعثه الأرض. سبحان الله. وهكذا القدر الآخر الذي كانت له امرأة مولاة له، وكانت فقيهة رضي الله تعالى عنها ورحمها الله. فقال هذا القدر لهذه المولاة: «هاتي كاسا من الماء، أريد ماء أشرب». فجاءت له بكاس الماء، وقالت له: «اشرب». قال: «سأشرب هذا الماء». قالت له: «قل: إن شاء الله». قال: «شاء أو لم يشأ، أنا سأشرب، سأشرب، شاء الله أو لم يشأ». قالت: فضربت الكاس. وقبل ذلك قال لها: «إن لم أشرب فأنت» يعني تعتقين، «فأنت حرة إذا لم أشرب هذا الماء». فلما أراد أن يشرب، ضربت الكاس من يده، فعتقت. وسميت: مولاة السنة، مولاة السنة. فهؤلاء الضلال الذين يعطلون مشيئة الله سبحانه وتعالى، ويجعلون العبد مشيئته، يجعلون مشيئة العبد تغلب مشيئة الله سبحانه وتعالى. والله جل وعلا يقول: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ * وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾. فمشيئة الله سبحانه وتعالى هي التي تقع. ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن. فهذا ما يتعلق بمرتبة المشيئة. والمرتبة الرابعة: هي مرتبة الخلق. وأدلة هذه المرتبة كذلك في الكتاب والسنة كثيرة. منها قوله جل وعلا: ﴿أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ * وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: 95-96]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 21]. ﴿وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ﴾ [يس: 81]. ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان: 2]. ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [الأعراف: 54]. هذه النصوص دالة على أن الله جل وعلا خلق العباد، وخلق كذلك أعمال العباد، وخلقها. وكذلك هذه الأمور الحادثة في ملكوته جل وعلا، فكل شيء حادث في ملكوت الله سبحانه وتعالى فهو بخلق الله جل وعلا له. قد جاء النبي عليه الصلاة والسلام كما عند الحاكم في حديث حذيفة، قال عليه الصلاة والسلام: «إن الله يصنع كل صانع وصنعته. إن الله يصنع كل صانع وصنعته». يعني يخلق هذا الصانع الذي صنع، ويخلق كذلك صنعته التي صنعها، من سيارات أو بيوت أو غير ذلك. فالعباد مخلوقون لله عز وجل، وأفعالهم مخلوقة لله سبحانه وتعالى. وهذه الأمور كذلك التي صنعوها بأيديهم، كونوها من الحديد أو من الخشب أو من القطن أو كذا أو كذا أو من الأشجار، كل ذلك أصله موجود، هم لم يوجدوا هذا، لم يخلقوا هذا. الذي صنع الطائرة لم يخلق الحديد، والذي صنع الباب لم يخلق الخشب، والذي صنع هذه الفرش لم يوجد مادة هذه الفرش من القطن وغير ذلك. وهكذا أصلها موجود، خلقه الله سبحانه وتعالى. ولكن من نعمة الله سبحانه وتعالى على العباد أن سخر لهم هذه الأشياء، فيستغلوا عقولهم في صنع ما يحتاجون إليه في حياتهم. فصنعوا من الحديد أشياء كثيرة، من السيارات ومن كذا وكذا وكذا إلى آخر ذلك، ومن كذلك الأشجار، ومن الخشب، ومن كذا. فالله سبحانه وتعالى هو الذي خلق. لذلك قال النبي عليه الصلاة والسلام: «يقال يوم القيامة للمصورين: أحيوا ما خلقتم، أحيوا ما خلقتم». قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إن الله عز وجل يقول: ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي؟ فليخلقوا ذرة، أو ليخلقوا حبة». لا يستطيعون. فهؤلاء الذين يضاهئون بخلق الله عز وجل، فعلون هذه التماثيل وهذه الأصنام، يكلفون يوم القيامة بالنفخ فيها، وليسوا بنافخين، وليسوا بنافخين. وهذه المرتبة أيضا ضل فيها هؤلاء القدرية، حيث جعلوا العباد يخلقون أفعال أنفسهم، هم الذين يخلقون أفعال أنفسهم. وهذا كله باطل وضلال. فهذه مراتب القدر الأربع، تكلمنا عليها بشيء من الإيجاز والاختصار، فيما يتعلق بما ذكره المؤلف رحمه الله في الإيمان بالقدر. وقوله رحمه الله: «فإنه دعامة عقد الدين، والدين أفيح». أي أن الإيمان بالقدر من دعائم هذا الدين، لأنه من أركان الإيمان الستة. قد جاء عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وبعضهم يجعلهم مرفوعا عنه، أنه موقوف على ابن عباس، قال: «القدر نظام التوحيد، فمن وحد الله وصدق بالقدر فقد تم توحيده، ومن وحد الله وكذب بالقدر فقد نقض تكذيبه توحيده». يعني أن الإيمان بالقدر لابد منه. فإذا وحد الإنسان، وحد الله عز وجل، ولكن لم يؤمن بالقدر، فهذا التكذيب منه للقدر يهدم عليه التوحيد، فلم يتم له ذلك التوحيد. ومن وحد الله وصدق بالقدر، قال: فقد صدق، ماذا؟ إيمانه، أي بالقدر، توحيده الذي وحده، أي أنه لا توحيد إلا بالإيمان بالقدر. فالذي لم يؤمن بالقدر خيره وشره، هذا لم يوحد الله، لم يوحد الله جل وعلا، لأن توحيد الله جل وعلا يقتضي الإيمان بالله جل وعلا، وبملائكته، وبكتبه، وبرسله، وباليوم الآخر، وبالقدر خيره وشره. وقوله رحمه الله: «فإنه دعامة عقد الدين، والدين أفيح». يعني الدين واسع. الدين واسع، فيه ما يتعلق بالفرائض: الصلاة، وزكاة، وصيام، بر الوالدين. فيه نوافل، وفيه مستحبات. دين واسع، فيه الطاعات متنوعة. وليس معنا أن الدين أفيح أن الإنسان يفعل فيه ما شاء، ويدخل فيه ما ليس منه. يقول: الدين هو واسع، والمنهج أفيح، كما يقول أصحاب المنهج الأفيح، المنهج الواسع، يريدون يدخلون في الدين وينسبون للدين أمورا باطلة ليست من دين الله سبحانه وتعالى، تخالف الكتاب والسنة، وتخالف فهم السلف الصالح للكتاب والسنة، ويقولون: الدين واسع، والدين أفيح، والمنهج أفيح، ونحن نريد منهجا أفيحا، وهكذا. وهذا باطل. الدين واسع، ما يحتاج إلى توسع فيه. توسع ماذا فيه؟ الدين واسع أفيح من أصله ومن نفسه، بحمد الله واسع أفيح. تريدون ماذا توسعون فيه؟ ما كفاك هذا الوسع الذي جعله الشرع في هذا الدين العظيم؟ تريدون أن توسعوا أكثر، وعندكم يعني أشياء أخرى؟ هذا باطل. فالمؤلف رحمه الله يبين أن هذا الدين أفيح، بمعنى واسع، بحمد الله، فيه ما هو يعني ما يتعلق بالعبادات، وبالتوحيد، وهكذا إلى آخر ذلك. طيب، نواصل إن شاء الله في درس لاحق. وصلى الله وسلم وبارك على النبي محمد وعلى آله وصحبه وسلم. شكرا.