الدرس في شرح العقيدة التدمرية 29، ألقاها
درس يتناول انتقاد المعتزلة لإثبات الصفات الإلهية، بينما يرد عليهم أهل السنة بأن العبرة بما جاء به الدليل النقلي والعقلي. يُبين أن إثبات الصفات لا يستلزم التشبيه أو تعدد القدماء.
يناقش المقطع مفهوم التشبيه في إثبات الصفات الإلهية، ويبين أن الاصطلاح الذي يسمى تشبيهًا لم يدل عليه الدليل الشرعي ولا العقل. يُظهر أن القرآن نفى المماثلة بين الله والمخلوقات.
يناقش الرد على شبهة تماثل الأجسام التي أثارها المعتزلة وبعض الصفاتية، ويتناول مسألة الاستفصال في الألفاظ المجملة لمنع الخلط في المعاني. يُبيّن أن إثبات الصفات لا يستلزم التجسيم وتماثل الأجسام.
بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، تقدّم معنا في الدرس الماضي الكلام على ما أخذ بعض الطوائف في ضابط التشبيه، وأن كل فرقة تجعل للتشبيه معنى، ثم يلزمون كل من وقع في ذلك المعنى بأنه مشبه، سواء كان ذلك التشبيه قد جاءت به الأدلة العقلية والنقلية أم لم يكن كذلك، فيسمون كل من وقع في مصطلح عليه بأنه تشبيه بأنه مشبه. ومر معنا في الدرس الماضي أن من مذهب المعتزلة أن إثبات الصفات يستلزم التشبيه، لماذا؟ لأن أخص صفة عندهم القدم، فيقولون: إن أثبتتم الصفات، إما أن تكون هذه الصفات حادثة وإما أن تكون قديمة. فإن قلتم بأنها حادثة، فيلزم من ذلك حلول الحوادث في الذات الإلهية، ويستلزم من ذلك أن تكون الذات الإلهية حادثة، وهذا ممتنع. وهذا ممتنع لأن من كان متصفًا بصفة الحدوث لازم أن يكون حادثًا، وهذا ممتنع عندنا وعندكم. فبقي أن يقال بأن هذه الصفات قديمة. وإذا قلتم -يا أهل السنة- بأن هذه الصفات قديمة، يلزم عندنا -أي عند المعتزلة- أن تكون الصفات أو يستلزم من ذلك تعدد القدماء، يستلزم من ذلك تعدد القدماء، وهذا تشبيه. وينصون كذلك على أنه شرك بالله جل وعلا؛ لأنه مشابهة غير الله جل وعلا بالله بأخص شيء به، وهو صفة القدم. فهؤلاء إذا أطلقوا على الصفاتية اسم التشبيه والتمثيل، كان هذا بحسب اعتقادهم الذي ينازع فيه أولئك. أي ينازع فيه الصفاتية، مثلا المعتزلة يقولون لأهل السنة والأشاعرة بأنهم مشبهة، فهل يقر أهل السنة والجماعة والأشاعرة بهذا اللقب؟ الجواب: لا يقرون به؛ لأن العبرة بما جاء به الدليل النقلي، وجاء به الدليل العقلي أيضًا، كما سيأتي بيان ذلك من كلام شيخ الإسلام رحمه الله. قال رحمه الله تعالى: ثم يقول لهم أولئك -أي المثبتة للصفات- يقولون للمعتزلة ونحوهم من النفاة: هب أن هذا المعنى قد يسمى في اصطلاح بعض الناس تشبيهًا، هذا على سبيل التنزل، هب أنه اصطلاح عند بعض الناس. قال: فهذا المعنى لم ينفه عقل ولا سمع، هذا المعنى الذي أثبتموه -أيها المعتزلة- وسميتموه بأنه تشبيه، هذا لم ينفه سمع ولا عقل، بل العقل يثبته، والنقل كذلك يثبته لله جل وعلا الصفات. قال الله جل وعلا: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾، وقال الله جل وعلا: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾، وقال ربنا جل وعلا: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾، وقال الله جل وعلا: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾، وقال الله جل وعلا: ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾، ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، إلى غير ذلك من الآيات المثبتة لهذا المعنى. والعقل يثبت الصفات، وقد دل العقل على إثبات جملة من الصفات كما مر معنا فيما مضى، دل العقل على إثبات الصفات السبع، وهذا عندنا وعند الأشاعرة. ودل العقل عند أهل السنة والجماعة كذلك على إثبات صفة الحكمة لله جل وعلا، على صفة الرحمة، صفة الغضب، صفة الرزق، وما شابه ذلك من الصفات التي دل عليها العقل، وكذلك دل عليها النقل. فإذا هذا الاصطلاح الذي سميتموه تشبيهًا لتنفوا به الصفات، اصطلاح محدث، لم يدل عليه الدليل لا من النقل ولا من العقل، بل جاء الدليل على خلافه. فيقول شيخ الإسلام: هب أن هذا المعنى قد يسمى في اصطلاح بعض الناس تشبيهًا، فهذا المعنى لم ينفه عقل ولا سمع. وإنما الواجب نفي ما نفته الأدلة الشرعية والعقلية. والقرآن قد نفى مسمى المثل والكف والند ونحو ذلك، كما قال الله جل وعلا: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، وقال: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾، وقال سبحانه: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾، ونحو ذلك. ولكن يقولون: الصفة في لغة العرب ليست مثل الموصوف ولا كفؤه ولا نده. فلا تدخل في النص. أما العقل الصحيح فلم ينفِ مسمى التشبيه في صورة المعتزلة، بل يثبته. يقول شيخ الإسلام رحمه الله: والقرآن قد نفى مسمى المثل والكف والند، ونحن ذاكرون ذلك، ولكن -أي المثبتة- يقولون: الصفة في لغة العرب ليست مثل الموصوف. فالصفة عرض، والموصوف عين ذات، فالصفة للموصوف، لا تكون الصفة إلا بموصوف، ليس هناك صفة قائمة بذاتها، بل الصفة لابد أن تكون قائمة بغيرها. وليس ثم ذات من غير صفات إلا في الذهن، أما في خارج الذهن لا توجد ذات من غير صفات. وكذلك أيضًا يقولون: إن الصفات لا تقوم إلا بجسم متحيز، والتحيز عندهم هو توجيه الجسمية؛ لأنهما متلازمان؛ لأن الحيز ينشغل بالجسم. فيقولون: إن الصفات لا تقوم إلا بجسم متحيز، والأجسام متماثلة، فلو قامت به الصفات لزِم أن يكون مماثلًا لسائر الأجسام، وهذا هو التشبيه. إذن عندهم مقدمتان ونتيجة، المقدمة الأولى: إن الصفات لا تقوم إلا بجسم متحيز. المقدمة الثانية: والأجسام متماثلة. النتيجة: إن الصفات متماثلة، فإذا أثبتنا لله جل وعلا الصفات، والصفات لا تقوم إلا بجسم متحيز، والأجسام متماثلة، لازم أن تكون صفات الخالق مماثلة لصفات المخلوق. قالوا: وهذا هو التشبيه. هذه الآن شبهة أخرى، وشبهة التحيز والجسمية، وأن الأجسام متماثلة، هذا بناء على القول بأن الأجسام مركبة من الجواهر الفردة، والجواهر الفردة عندهم متماثلة. وكذلك يقول هذا كثير من الصفاتية الذين يثبتون الصفات وينفون علوه على العرش وقيام الأفعال الاختيارية به ونحو ذلك، الأشاعر والكلابية والماتريدية ومن كان على شاكلتهم ممن يثبت بعض الصفات وينفي البعض الآخر، يقولون بهذه شبهة أيضًا. فيقول شيخ الإسلام: وكذلك كثير من الصفاتية الذين يثبتون الصفات وينفون علوه على العرش وقيام الأفعال الاختيارية به ونحو ذلك، ويقولون: الصفات قد تقوم بما ليس بجسم. فهل هذا متصور أو غير متصور؟ يعني ممكن أن يكون علم بدون عالم، صفة من غير موصوف، سميع من غير سمع، بصير من غير بصر، طويل من غير قصد، أبيض من غير شيء يقال بأنه أبيض، إلى غير ذلك. فهؤلاء أتوا بما يقال ببطلانه ببداهة العقول؛ لأن الصفة عرض، والعرض لا يقوم إلا بجسم. قال رحمه الله تعالى: وأما العلو على العالم فلا يصح إلا إذا كان جسما. فلو أثبتنا علوه لزم أن يكون جسما، وحينئذ فالأجسام متماثلة، فيلزم التشبيه. قال رحمه الله: فلهذا تجد هؤلاء يسمون من أثبت العلو ونحوه مشبهة، كما يقول صاحب الإرشاد وأمثاله، صاحب الإرشاد جويني أبو المعالي الجويني، وهو من رؤساء الأشاعرة. قال رحمه الله تعالى: وكذلك قد يوافقهم على القول بتماثل الأجسام القاضي أبو يعلى من الحنابلة، وهو من حيث المظهر ومن حيث الظاهر موافق لقول الإمام أحمد، أي يقول بقول إمام أحمد رحمه الله تعالى في الإثبات، إلا أنه متأرجح، فتارة يقرر مذهب المعتزلة، وتارة يقرر مذهب الأشاعرة في التفويض. فالحاصل: يقول شيخ الإسلام: قد وافقهم -أي وافق المعتزلة والأشاعرة- على القول بتماثل الأجسام القاضي أبو يعلى وأمثاله من مثبتة الصفات والعلو، هؤلاء يثبتون الصفات والعلو، ولكنهم يقولون بهذه الشبهة بشبهة تماثل الأجسام. ولكن هؤلاء قد يجعلون العلو صفة خبرية، والعلو هل هو صفة خبرية فقط؟ الجواب: أنه صفة خبرية وعقلية. قال: كما هو أول قولي القاضي أبي يعلى. فيكون الكلام فيه -أي في صفة العلو- كالكلام في الوجه؛ لأن صفة الوجه صفة خبرية ما تدرك إلا بالخبر، ما تدرك بالعقل. قال رحمه الله تعالى: وقد يقولون: إنما يثبتونه -يعني صفة العلو- لا ينافي الجسم. كما يقولونه في سائر الصفات. والعاقل إذا تأمل وجد الأمر فيما نفوه كالأمر فيما أثبتوه، لا فرق. والقاعدة عندنا: القول في بعض الصفات كالقول في البعض الآخر، إما أن تثبت الجميع وإما أن تنفي الجميع. قال رحمه الله تعالى: وأصل كلام هؤلاء كلهم على أن إثبات الصفات يستلزم التجسيم، والأجسام متماثلة. والمثبتون يجيبون على هذا تارة بمنع المقدمة الأولى، وتارة بمنع المقدمة الثانية في قولهم: الأجسام متماثلة. وتارة بمنع كلتا المقدمتين، وهذا حق. وتارة بالاستفصال. أهل السنة تارة يمنعون هذا، وتارة يمنعون هذا، وتارة يمنعون المقدمتين، وتارة يستفصلون. ما تريدون بالأجسام؟ هل أردتم بالجسم كذا وكذا؟ إن أردتم به معنى صحيحًا أثبتناه، وإن أردتم به معنى باطلًا نفيناه. كما تقدّم معنا في الاستصالح في الألفاظ المجملة، ولفظ الجسم من ألفاظ مجملة. نكتفي بهذا. إلهنا سبحانك، اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، نصلي عليك، وأتوب إليك. شكرًا.