شرح العقيدة التدمرية 44

الدرس في شرح العقيدة التدمرية 44، ألقاها

مفهوم الإسلام والاستسلام لله

يشرح المقطع معنى الإسلام كاستسلام لله وحده وطاعته في كل وقت، ويوضح أن تغيير الأوامر الإلهية لا يعد مخالفة بل هو طاعة لله في كل مرحلة زمنية. يُبين أن الإسلام يتضمن عبادة الله وحده وامتثال أوامره.

وحدة رسالة الأنبياء والرسل

يؤكد النص على وحدة دين الأنبياء رغم اختلاف بعض الشرائع، ويشدد على ضرورة الإيمان بجميع الأنبياء والرسل وعدم التفريق بينهم. يُستشهد بتغيير القبلة في الإسلام وتأكيد القرآن على وحدة رسالة الأنبياء.

الرد على الشرك والثنوية

يناقش المقطع مفهوم الشرك بالله وأصوله، ويرد على الثنوية من المجوس الذين يعتقدون بوجود أصلين للنور والظلمة، مبينا تناقضاتهم في وصف الظلمة. يُبين أن الشرك يأتي من الشيطان ويتجلى في عبادة غير الله.

التفريغ النصي الكامل

أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. وبعضهم قال رحمه الله تعالى: فالإسلام يتضمن استسلاما لله وحده، فمن استسلم له ولغيره كان مشركا، ومن لم يستسلم له كان مستكبرا عن عبادته، والمشرك والمستكبر كافر، والإسلام له وحده. ويتضمن عبادته وحده وطاعته وحده، كما ذكر رحمه الله تعالى: أن الإسلام يتضمن الاستسلام لله عز وجل وحده، فمن استسلم لله ولغيره بمعنى أنه أذعن لغيره محبة وخوفا وتعظيما لغيره كان مشركا بالله عز وجل. ومن أشرك بالله عز وجل في الإسلام كان مشركا، ومن لم يسلم لله عز وجل في الإسلام أصلا كان مستكبرا عن عبادة الله عز وجل. قال: وهذا دين الإسلام الذي لا يقبل الله غيره، وذلك إنما يكون بأن يطاع في كل وقت بفعل ما أمر به في ذلك الوقت. فإذا أمر في أول أمر باستقبال الصخرة التي بها بيت المقدس، ثم أمر ثانيا باستقبال الكعبة، كان كل من الفعلين حين أمر به داخل في دين الإسلام. طيب. مراد الشيخ الشام رحمه الله بذكر هذا الأمر أن الإنسان يكون مستسلما لله عز وجل بامتثال أوامر الله عز وجل في ذلك الوقت الذي أمره الله عز وجل بطاعته. فمثلا في أول الإسلام حينما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم ومن معه إلى المدينة، كان في أول الإسلام يصلون مستقبلين بيت المقدس، وكان في ذلك الوقت مأمورين بذلك، وكان النبي صلى الله عليه وسلم حينما يفعل ذلك هو ومن معه في طاعة الله عز وجل؛ لأن القبلة حينها كانت إلى بيت المقدس، فلم يكن في ذلك مخالفة لأمر الله عز وجل. وأمرهم باستقبال الكعبة كان الأمر الثاني، وامتثال الأمر الثاني كذلك طاعة لله عز وجل؛ لأنه امتثال لأمر الله عز وجل في ذلك الوقت. ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: 144]، فالنبي صلى الله عليه وسلم كان يستقبل بيت المقدس؛ لأنها كانت قبلة من سبقه، ثم أمره الله عز وجل باستقبال الكعبة، فكان في الاستقبال الأول مطيعا لله عز وجل هو ومن معه، وفي استقباله الآخر كان كذلك مطيعا؛ لأنه ممتثل لأمر الله عز وجل في ذلك الوقت. قال رحمه الله تعالى: كان كل من الفعلين حين أمر به داخل في دين الإسلام؛ فرضا الدين هو الطاعة والعبادة له. فكل من الفعلين سواء كان في استقبال بيت المقدس أو في استقبال الكعبة حينما أمر بالكعبة بعد أن كانت القبلة إلى بيت المقدس، قالوا: إنما تنوعت بعض صور الفعل وهو وجهة المصلي. فكذلك الرسل دينهم واحد، وإن تنوعت الشرعة والمنهاج والوجهة والمنسك، فإن ذلك لا يمنع أن يكون الدين واحدا، كما لم يمنع ذلك في شرعة الرسول الواحد. قال: والله تعالى جعل من دين الرسل أن أولهم يبشروا بآخرهم ويؤمنوا به، وآخرهم يصدقوا بأولهم ويؤمنوا به. قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ أَصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ [آل عمران: 81]. قال ابن عباس رضي الله عنهما: لم يبعث الله نبيا إلا أخذ عليه الميثاق لئن بعث محمد صلى الله عليه وسلم وهو حي ليؤمنن به ولينصرنه، وأمره أن يأخذ الميثاق على أمته لئن بعث محمد وهو حي ليؤمنن به ولينصرنه. قال رحمه الله تعالى: وقال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ [المائدة: 48]. فأمرنا أن نقول: آمنا بهذا كله ونحن له مسلمون. فمن بلغته رسالة محمد صلى الله عليه وسلم فلم يقر بما جاء به لم يكن مسلما ولا مؤمنا، بل يكون كافرا وإن زعم أنه مسلم أو مؤمن. «لا يسمع بي أحد من هذه الأمة - يهودي ولا نصراني - ثم لم يؤمن بي إلا كان من أهل النار» كما قال صلى الله عليه وسلم. قال الله عز وجل: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: 3]. قال المفسرون: فمن لم يرض بهذا الدين - هذا الإسلام الخاص - فلم يرض بما رضيه الله عز وجل، فلا رضي الله عنه. قال رحمه الله تعالى: وقد تنازع الناس فيمن تقدم من أمة موسى وعيسى هل هم مسلمون أم لا؟ وهو نزاع في اللفظ؛ لأن الإسلام الخاص الذي بعث الله به محمدا صلى الله عليه وسلم ليس عليه إلا أمة محمد صلى الله عليه وسلم. والإسلام عند الإطلاق اليوم يتناول هذا الدين الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم، فعلى هذا المعنى تكون أمة عيسى وأمة موسى ليست مسلمة. وأما الإسلام العام المتناول لكل شريعة بعث الله بها نبيا من الأنبياء، فإنه يتناول كل أمة متبعة لنبي من الأنبياء؛ لأن الإسلام لله بفعل ما أمر الله به في تلك الشريعة هو من الإسلام العام. قال رحمه الله تعالى: ورأس الإسلام مطلقا شهادة أن لا إله إلا الله، وبها بعث الله جميع الرسل. قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: 36]. قال: وأصل الشرك الشرك بالشيطان؛ بمعنى أن الشيطان هو الذي يزين هذا الشرك، فتارة يدلهم على عبادة الأنبياء، وتارة أخرى يدلهم على عبادة الملائكة، وتارة يعبدون الكواكب، وتارة الأصنام، وتارة الأشجار، وتارة الأحجار، وتارة القبور، وما شابه ذلك. وهذه كلها من عبادة الشيطان. قال تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: 31]. قال: فبين أن اتخاذ الملائكة والنبيين أربابا كفر، وهذا معلوم في بداهة العقول، كما أنه معلوم في شريعة الله عز وجل. قال رحمه الله تعالى: وقد ذكر أرباب المقالات ما جمعه من مقالات الأولين والآخرين في الملل والنحل والآراء والزيوف، فلم ينقلوا عن أحد إثبات شريك مشارك لله في خلق جميع المخلوقات، ولا مماثل له في جميع الصفات. بل أعظم ما نقل في ذلك قول الثنوية من المجوس القائلين بالأصلين: النور والظلمة. قال الشيخ السلام رحمه الله تعالى: الذين يقولون بالأصلين النور والظلمة، وأن النور خلق الخير والظلمة خلقت الشر. ثم ذكروا لهم في الظلمة قولين: أحدهما أنها محدثة، فدل على أنها ليست بإله، والثاني أنها قديمة، فتكون مشاركة لله عز وجل بهذا الاعتبار.

شاركنا على