الدرس في شرح العقيدة التدمرية 14، ألقاها
يشرح شيخ الإسلام ابن تيمية المثلين المضروبين في وصف الجنة ويبين اختلاف مخلوقات الجنة عن الدنيا، مستدلاً بقول ابن عباس أن ليس في الدنيا شيء مما في الجنة إلا الأسماء. هذا يدل على أن الله أخبرنا عن مخلوقات في الجنة تشبه أسماءها في الدنيا ولكنها تختلف في الحقيقة.
النصوص الشرعية تدل على عدم تماثل الأشياء في الجنة مع نظيرتها في الدنيا رغم تشابه الأسماء، مما يدل على التباين بين مخلوقات الدنيا والآخرة. هذا التباين يؤكد اختلاف الحقيقة رغم تشابه الأسماء.
يناقش المقطع أقسام الناس في الإيمان بالصفات الإلهية واليوم الآخر، ويبين اختلاف السلف والأئمة عن الآخرين في الإثبات والنفي. كما يشرح مفهوم المثل الأعلى لله تعالى وقياس الأولى الذي دل عليه الكتاب والسنة.
بسم الله الرحمن الرحيم قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: فصل، وأما المثلان المضروبان، قال رحمه الله: فصل، وأما المثلان المضروبان، فإن الله سبحانه وتعالى أخبرنا عما في الجنة من المخلوقات من أصناف المطاعم والملابس والمناكح والمساكن، فأخبرنا أن فيها لبنا وعسلا وخمرا وماء ولحما وحريرا وذهبا وفضة وفاكهة وحورا وقصورا. وقد قال ابن عباس رضي الله عنهما: ليس في الدنيا شيء مما في الجنة إلا الأسماء. وإذا كانت تلك الحقائق التي أخبرنا الله عنها هي موافقة في الأسماء للحقائق الموجودة في الدنيا، وليست مماثلة لها، بل بينهما من التباين ما لا يعلمه إلا الله تعالى، فالخالق سبحانه وتعالى أعظم مباينة للمخلوقات منه أعظم مباينة للمخلوقات، ومنه مباينة المخلوق للمخلوق. ومباينته لمخلوقاته أعظم من مباينة موجود الآخرة لموجود الدنيا، إذ المخلوق أقرب إلى المخلوق الموافق له في الإسم من الخالق إلى المخلوق. وهكذا ذكر الشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى أنه قبل الشروع في هذين المثالين ذكر أن المسائل المتقدمة في المقدمة تتضح بمثالين أو تتضح بأصلين ومثالين. فأما الأصلان اللذان ذكرهما شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، فكما مر معنا أن القول في بعض الصفات كالقول في البعض الآخر، والأصل الثاني أن القول في الصفات كالقول في الذات. ثم انتقل رحمه الله تعالى إلى الكلام على المثال، فابتدأ بالمثال الأول، وهو الكلام على الجنة. فقال: إن الله جل وعلا أخبرنا عما خلق في الجنة من أصناف الملاذ، من السمار والمناكح والشراب وغير ذلك. وذكر ما ذكره ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: ليس في الدنيا شيء مما في الجنة إلا الأسماء. أي إلا الأسماء، فالتشابه في الأسماء. وهذا تقرير لما تقدم ذكره، أن كون الشيء كالشيء في الإسم باعتبار الإسم لا يلزم منه المماثلة فيما يختص به كل واحد من المسميين. فالله عز وجل ذكر في الجنة أن فيها ماء، والماء في الدنيا معروف، ولكن هل الماء مثل الماء؟ الجواب: لا، كما قال ابن عباس رضي الله عنهما: ليس بينهما إلا الأسماء. فإذا ذكر الأسماء باعتبارها في الذهن، كيف ذلك؟ الماء معروف، لكن إذا قيل: كيف الماء الذي في الجنة؟ ماذا سيقول الجواب؟ سيقول: الله أعلم بكيفيته. إذا قيل له: هل تقول بأن الماء الذي في الجنة مثل الماء الذي في الدنيا؟ الجواب: لا، كما دلت على ذلك النصوص من كتاب الله جل وعلا ومن سنة رسوله صلى الله عليه وسلم. قال الله جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا وطمعا ومما رزقناهم ينفقون * فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين﴾. وقال نبينا صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة وهو يصف الجنة: "إن في الجنة ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر". وهذا يدلنا على أن الأشياء قد تذكر بأسماء معروفة، لكن حقيقة الشيء لا كحقيقة الشيء الآخر. فشيخ الإسلام رحمه الله تعالى يقول: فإذا كانت تلك الحقائق التي أخبر الله عنها هي موافقة في الأسماء للحقائق الموجودة في الدنيا، وليست مماثلة لها، بل بينهما من التباين ما لا يعلمه إلا الله تعالى. فالخالق سبحانه وتعالى أعظم مباينة للمخلوقات من مباينة المخلوق للمخلوق، لماذا؟ لأن مباينة المخلوق للمخلوق أقرب، لأن مماثلة المخلوق للمخلوق أقرب من مباينة المخلوق للخالق. فالمخلوق يشترك مع المخلوق في أنه ممكن، وفي أنه مفتقر، وفي أنه كان بعد أن لم يكن، وفي أشياء كثيرة يشترك المخلوق مع المخلوق. ومع هذا ما في الجنة من المخلوقات لا تماثل ما في الدنيا من المخلوقات. فإذا ثبت التباين بين المخلوق والمخلوق، فالتباين بين الخالق والمخلوق من باب أولى وأحرى. لذا قال الشيخ الإسلام: فالخالق سبحانه وتعالى أعظم مباينة للمخلوقات من مباينة المخلوق للمخلوق، ومباينته لمخلوقاته أعظم من مباينة موجود الآخرة لموجود الدنيا. قال رحمه الله: وقد افترق الناس في هذا المقام ثلاث فرق. فالسلف والأئمة وأتباعهم آمنوا بما أخبر الله به عن نفسه وعن اليوم الآخر، مع علمهم بالمباينة التي بين ما في الدنيا وبين ما في الآخرة، وأن مباينة الله لخلقه أعظم. والفريق الثاني الذين أثبتوا ما أخبر الله به في الآخرة من الثواب والعقاب، ونفوا كثيرا مما أخبر به من الصفات، مثل توائف من أهل الكلام. والفريق الثالث، وهم المعتزلة ومن وافقهم، نفوا هذا وهذا. كالقرامطة الباطنية والفلاسفة أتباع المشائين ونحوهم من الملاحدة الذين ينكرون حقائق ما أخبر الله به عن نفسه وعن اليوم الآخر. قال رحمه الله: وما يحتج به على الملاحدة أهل الإيمان والإثبات يحتج به كل من كان من أهل الإيمان والإثبات على من يشرك هؤلاء في بعض إلحادهم. فإذا أثبت لله تعالى الصفات ونفى عنه مماثلة المخلوقات، كما دل على ذلك الآيات البينات، كان ذلك هو الحق الذي يوافق المحقول والمنقول، ويهدم أساس الإلحاد والضلالات. قال رحمه الله: والله سبحانه لا تضرب له الأمثال التي فيها مماثلة لخلقه، فإن الله لا مثيل له، بل له المثل الأعلى. فلا يجوز أن يشترك هو والمخلوقات في قياس تمثيل، ولا في قياس شمول تستوي أفراده. ولكن يستعمل في حقه المثل الأعلى، وهو أن كل ما اتصف به المخلوق من كمال، فالخالق أولى به، وكل ما ينزه عنه المخلوق من نقص، فالخالق أولى بالتنزيه عنه. فإذا كان المخلوق منزها عن مماثلة المخلوق مع الموافقة في الإسم، فالخالق أولى أن ينزه عن مماثلة المخلوق، وإن حصلت موافقة في الإسم. وهذا هو قياس الأولى، وهو قياس شرعي دل عليه الكتاب والسنة، وعليه أجمع سلف الأمة. قال الله عز وجل: ﴿للذين لا يؤمنون بالآخرة مثل السوء ولله المثل الأعلى﴾. فكل كمال اتصف به المخلوق، فالخالق أولى به، وكل نقص تنزه عنه المخلوق، فالخالق أولى بالتنزيه عنه. وهذا واضح بإذن الله جل وعلا. الله تعالى أعلى وأعلم. إلهنا سبحانك الله وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.