الدرس في شرح العقيدة التدمرية 40، ألقاها
يتطرق الشارح إلى مسألة ثبوت صفات الله تعالى وشرح قول شيخ الإسلام ابن تيمية حول وصف الممكنات بالوجود أو العدم، ويبين أن صفات الرب كلها واجبة. يربط ذلك بالدرس السابق ويشرح معنى أن الممكنات لا تخلو عن الوجود والعدم.
يشرح أن صفات الله كلها واجبة له، مستدلاً بقياسها على وجود الله الذي يعتبر واجباً، ويوضح أن إثبات الصفات عند أهل السنة والجماعة هو إثبات وجوب وليس مجرد إمكان.
يتناول اعتراضا على شرط الشيخ الإسلام في إثبات الصفات لله تعالى، ويرد بأن هذا الشرط ينطبق على المخلوقات الممكنة وليس على الله تعالى الذي هو واجب الوجود.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله حمدًا كثيرًا مباركًا فيه، ما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، توقفنا في الدرس الماضي عند قولي: «فإن قيل...». وقبل هذا، حتى نربط الدرس بالدرس السابق، نقرأ الفقرة التي قبلها، وهي قول رحمه الله تعالى: «وأيضًا فإنه على هذا التقدير...». أي: حينما ذكر في مسألة ثبوت الصفة أو عدمها، ذكر رحمه الله تعالى أخيرًا قال: «فقال: وعلى هذا التقدير، فالممكنات التي تقبل الوجود والعدم، كقولنا: المسافر إما موجود وإما معدوم، يكون من قسم العدم والملكة». قال: «وليس كذلك، فإن ذلك القسم يخل فيه الموصوف الواحد عن المتقابلين جميعًا، ولا يخل شيء من الممكنات عن الوجود والعدم». تقدم الكلام على هذا، «ولا يخل شيء من الممكنات عن الوجود والعدم»، أي: إذا كان الشيء ممكنًا، فإما أن يكون موجودًا، وإما أن يكون معدومًا. ما دام أنه ممكن، إما أن يكون موجودًا، وإما أن يكون معدومًا. لماذا يا جماعة؟ لأن الضابط للممكن هو: ما يمكن وجوده وعدمه. واضح. فبثبوت أحد الوصفين، ينتفي الآخر. إذا كان موجودًا، ينتفي أن يكون معدومًا، وإذا كان معدومًا، ينتفي أن يكون موجودًا. واضح هذا يا جماعة. هذا نجعله في رؤوسنا، ونستصحبه في درسنا هذا. هذه القضية أو هذه المسألة، نجعلها الآن معنا في أذهاننا، حتى نستصحبها فيما نحن بصدده في هذا الدرس. فيقول شيخ الإسلام: «وأيضًا فإنه على هذا التقدير، فصفات الرب كلها واجبة». على هذا التقدير، أي: لا يخلو شيء من الممكنات عن الوجود والعدم. يقول: «فإنه على هذا التقدير، فصفات الرب كلها واجبة». فصفات الرب كلها واجبة له. فإذا قيل: إما أن يكون حيًا أو عليمًا أو سميعًا أو بصيرًا أو متكلمًا أو لا يكون، كان مثل قولنا: إما أن يكون موجودًا وإما أن لا يكون. وهذا متقابل تقابل السلب والإيجاب، فيكون الآخر مثله. وبهذا يحصل المقصود. المقصود أي: يقال في صفات الله جل وعلا كلها واجبة لله عز وجل. لماذا يقول شيخ الإسلام رحمه الله: «كان كمثل قولنا: إما أن يكون موجودًا وإما أن لا يكون موجود»؟ فكأنه يقول: القول في الوجود كالقول في الصفات، أو القول في الصفات كالقول في الوجود. فكما أننا نقول: إما أن يكون موجودًا وإما أن لا يكون، كذلك القول في الصفات. هل يمكن أن يتصف بالصفات أو ليس بممكن؟ الجواب: ممكن. هل إمكانها هنا واجب أو ممكن؟ الجواب: أنه واجب. واضح يا جماعة. فالقول كالقول، القول في الصفات كالقول في الوجود. لأن إثبات الصفات عند أهل السنة والجماعة، وإثبات وجود الله جل وعلا، أنه موجودة لا إثبات كيفيات. فالآن يقول شيخ الإسلام: كما أننا قلنا في هذه القاعدة: أن الموجود أو الممكن إما أن يكون موجودًا وإما أن يكون معدومًا، فقلنا في وجود الله جل وعلا أنه واجب. فكذلك نقول في صفات الله جل وعلا: إن قيل: إما أن يكون سميعًا وإما أن لا يكون، إما أن يكون بصيرًا وإما أن لا يكون. واضح يا جماعة. نقول بإثبات هذه الصفات، إثبات وجوب، ليس مجرد إمكان، بل إثبات وجوب، بمعنى أنها واجبة لله جل وعلا. بطريقة عقلية، نفس الطريقة التي أثبتنا بها الوجود وعدمه. واضح يا جماعة. ثم جاء اعتراض، يقول الشيخ الإسلام رحمه الله تعالى: «فإن قيل: هذا لا يصح حتى يعلم إمكان قبوله لهذه الصفات». يعترض على ما ذكره الشيخ الإسلام، وحاصل هذا الاعتراض: بأنه يقول: الشيخ الإسلام لا أسلم لك ما ذكرته. لماذا؟ قال: «هذا لا يصح حتى يعلم إمكان قبوله لهذه الصفات». لم يمكن أن نصف الله جل وعلا بها الصفات، ثم نوجبها له، حتى نعلم أن المحل، أي: أن الله جل وعلا قابل لهذه الصفات. فإن لم يكن فلا. واضح يا جماعة. فيقول الشيخ الإسلام رحمه الله: «قيل له: هذا إنما اشترط فيما أمكن أن يثبت له ويزول، كالحيوان». واضح يا جماعة. اشترط في الممكن أن يثبت له الوصف أو يزول، مثل الحيوان. يعني: قوله «هذا لا يصح حتى يعلم إمكان قبوله لهذه الصفات»، يعني: الآن يا جماعة انتبهوا على لفظ «إمكان». هذه اللفظة هي التي سيدور عليها النقاش. أنتم معي يا جماعة؟ انتبهوا على لفظ «إمكان»، نجعل تحتها خطًا حتى نعلم أن مدار الرد سيكون عليها. فيقول الشيخ الإسلام: «قيل له: إنما اشترط فيما أمكن أن يثبت له ويزول، كالحيوان». أي: الحيوان هو الذي يتصور إما أن تثبت عليه الصفة وإما أن تزول. الحيوان ممكن. الحيوان ممكن أو واجب يا جماعة؟ أو ممتنع؟ ممكن. وما كان ممكنًا، هو الذي يمكن أن يتصف بالصفة، ويمكن أن لا يتصف بها. هو في حد الإمكان. قال: «فأما الرب تعالى، فإنه بتقدير ثبوتها له، فهي واجبة ضرورة». واضح يا جماعة. في حق الرب جل وعلا، لا يقال بالإمكان، لأن الرب واجب. وما كان واجبًا، فصفته كذلك واجبة. ولا يقال بالإمكان، لأن الإمكان إنما يكون في الممكن. واضح يا جماعة. الإمكان يكون في الممكن، لماذا؟ لأن ضابط الممكن هو: ما يمكن وجوده وعدمه. يمكن أن يوجد، ويمكن أن يكون غير موجود. واضح يا جماعة. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، استغفرك وأتوب إليك.