الدرس في شرح أعلام السنة المنشورة 166، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
تناول المؤلف تعريف الكبائر وذكر أقوال العلماء في ضابطها، حيث قسم العلماء الكبائر إلى معدودة ومحدودة. الكبائر هي الذنوب التي لها عقوبات خاصة في الدنيا أو الآخرة وتتفاوت درجاتها.
ذكر المؤلف عدة ضوابط لتحديد الكبائر منها أن تكون معاقب عليها أو مقرون بلعنة أو غضب، وتشمل أمثلة على كبائر الذنوب مثل الشرك بالله، السحر، قتل النفس، أكل الربا، وأكل مال اليتيم.
يناقش المقطع عدد الكبائر وتعدادها، حيث يرى ابن عباس أنها أقرب إلى السبعين منها إلى السبع. يوضح أن الكبائر ليست محصورة في عدد معين وتتطلب من المسلم أن يتفقه في دينه ليتجنب الوقوع فيها.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال مؤلف كتاب «ملك بائر» -وهذا مما له تعلق بما مر معنا فيما طرقه المؤلف رحمه الله تعالى من سؤاله: إلى كم تنقسم المعاصي؟ فذكرنا أن المعاصي تنقسم إلى قسمين: إلى صغائر وكبائر- فكان الكلام عن الصغائر في درس سابق، وهنا توجه الكلام إلى القسم الثاني، فقال رحمه الله تعالى: «ملك بائر». قال رحمه الله في ضابطها أقوال للصحابة والتابعين وغيرهم، وفي هذا التعبير من المؤلف رحمه الله تعالى إشارة إلى تعدد الضابط الذي ذكر في حج الكبيرة، إلا أن هذه الأقوال المذكورة والمبثوثة عن السلف الصالح -كما قال عنها ابن القيم رحمه الله تعالى- قال: إنها ليست بمتضادة، بل هي متقاربة، هي متقاربة وليست متضادة. قال في ضابطها أقوال للصحابة والتابعين وغيرهم، وهنا مسألة كذلك في مسلك العلماء في معرفة الكبائر، منهم من استخدم طريق العد، ومنهم من استخدم طريق الحد، وقد يعبر بعضهم فيقول: هل الكبائر معدودة أم محدودة؟ معدودة أي استخدام العد. وهذه الطريقة سار عليها جماعة من أهل العلم، إذ أنه يحصر لك الكبائر في عدد، يقول لك: عدد الكبائر عشرون كبيرة، وهي كذا وكذا وكذا، ومنهم من يقول: لا، هي خمس عشرة كبيرة، ومنهم من يجعلها سبع كبائر، فهذه الطريقة لعلمائنا: أنه من يسلك سبيل العد فيقول بأن الكبائر معدودة، فيعددها لك، فهي تحصر، تحفظ، تتقى. وهذه الطريقة طريقة أخرى، ما يقول بالعد وإنما يقول بالحد، فيقول: بأن الكبائر محدودة، ومعنى الحد أنها بالضابط، فيعطيك ضابط، قل: خذ هذا الضابط واجعله معك، فكلما مررت بمعصية أو بذنب دخلت في هذا الضابط الذي أعطيت إياه، اعلم أن هذا الذنب كبير. وهذا الذي عليه أكثر العلماء إلى أنهم جعلوا أن الكبائر محدودة، أي بحد وبضابط، وهناك أشياء كما سيأتي بيانها ضوابط بها تعرف أن هذا الذنب كبير من كبائر الذنوب. قال رحمه الله تعالى: فقيل: هي كل ذنب ترتب عليه حد، أي حد شرعي، هذا ضابط من ضوابط الكبيرة عند جماعة من العلماء، وممن ذهب إلى هذا القول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، فيجعل أن الكبيرة هو كل ذنب ترتب عليه عقاب دنيوي وأخروي، فهو كبيرة. كل ذنب ترتب عليه عقوبة، إما معجلة دنيوية كما يقع من قطع الرقاب، قطع الأيدي، الجلد، الرجم، هذه عقوبة، إذن هذه الذنوب التي ترتبت عليها عقوبات دنيوية هذه كبيرة، أو يكون عقوباتها في الآخرة، عقوبة خاصة لذنبه، إذن هذا الذنب كبير. هذا كما قلنا الضابط يسير عليه جماعة من أهل العلم، فقال: فقيل: هي كل ذنب ترتب عليه حد. وقيل: هي كل ذنب أتبع بلعنة أو غضب أو نار أو أي عقوبة، وهذا الضابط الثاني سار عليه جماعة من المحققين من أهل العلم، ذكر ذلك العز بن عبد السلام، وابن الصلاح، وهكذا الحافظ بن حجر رحمه الله، بل قال ابن حجر: إن هذا التعريف هو من أحسن التعاريف، من أحسن التعاريف في معرفة الضابط، الكبيرة هو هذا الذي ذكر: هو كل ذنب أتبع بلعنة أو غضب أو نار أو أي عقوبة. فإذا رأيت معصية ذكرت بهذا السياق، فاعلم أن هذا الذنب كبير، كأن يكون فيه لعنة: «لعن الله من آوى محدثًا، لعن الله من غير منار الأرض، لعن الله من لعن والديه»، هذه كبائر، كل الذنب أتبع بلعنة، من آذى أصحابي فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، كبيرة، كبيرة من كبائر الذنوب، وقس على ذلك. فكل ذنب أتبع بلعنة، وقرنت معه اللعنة، اعلم أنه كبير من كبائر الذنوب، قال: أو غضب، وهكذا المقت والصحت، هذا كل من صفاته غضب الله على فاعل الذنب يدل على أنه كبيرة، أو أنه توعد بالنار، كما قال عليه الصلاة والسلام: «المكر والخديعة في النار»، قال عليه الصلاة والسلام: «المكر والخديعة في النار»، إذن دل على أن المكر والخديعة من كبائر الذنوب؛ لأنها أتبعت بماذا؟ بتوعد صاحبها بالنار. قال: أو أي عقوبة، أي عقوبة، مثل كما جاء في الحديث: «ثلاثة لا ينظر الله إليهم ولا يكلمهم ولهم عذاب أليم»، ما معنى أن هذه الأشياء الثلاثة من كبائر الذنوب؟ من كبائر الذنوب منها: المنان، والمسبل إزاره خيلاء، والمنفق سلعته بالحلف الكاذب، وهكذا جاء في رواية: العاق، وجاء في رواية: الديوث، فهؤلاء توعد بعقوبات خاصة، فهذه دلالة على أن مقترفها من كبائر الذنوب، هذا ضابط. قال: وقيل -أي ضابط آخر- هي كل ذنب يشعر فاعله بعدم اكتراث فاعله بالدين، وعدم مبالاته به، وقلة خشيته من الله، وهذا نقل عن بعض الشافعية كإمام الحرمين الجويني رحمه الله، جعل هذا هو ضابط الكبيرة: أن كل ذنب تفعله وأنت لا تستشعر عظمة الذنب، تفعله وأنت عندك عدم مبالاة، فهذا يدل على أنك واقع في كبيرة. وهذا الضابط ليس يتعلق بالذنب وإنما يتعلق بصاحب الذنب، كيف في تعاملك مع حرمات الله؟ فإن كنت تتعاطى محارم الله باستهانة واستخفاف، دل ذلك على ضعف الإيمان، وأن هذا الذنب يعود إليك كبيرًا من كبائر الذنوب؛ لما كان من قلبك. قال: وقيل غير ذلك، فهذه ذكر المؤلف لنا ثلاثة ضوابط عن بعض العلماء في بيان كيفية التعرف على الكبائر، منهم من قال: كل ذنب له عقوبة في الدنيا أو الآخرة، وقيل: هو كل ذنب أتبع بلعنة أو بغضب أو بتوعد بالنار، وقيل: كل فعل يفعله صاحبه من ذنب من غير اكتراث وعدم مبالاة. قال رحمه الله تعالى: وقد ثبت في الأحاديث الصحيحة تسمية كثير من الذنوب كبائر على تفاوت درجاتها، فالذنوب والكبائر تتفاوت، الكبائر في حد ذاتها -وإن كانت تدخل في فصل الكبائر- فالكبائر فيما بينها تتفاوت، تتفاوت: الزنى كبيرة، لكن الزنى بحليلة الجار أعظم، والزنى بالمحارم أعظم وأعظم، أعظم وأعظم. القتل قتل النفس كبيرة، لكن كونك تقتل أحد أقربائك أعظم، كونك تقدم على قتل أحد الوالدين فهذا أعظم وأعظم، فالكبائر فيما بينها تتفاوت فيما بينها. قال: وقد ثبت في الأحاديث الصحيحة تسمية كثير من الذنوب كبائر على تفاوت درجاتها، فمنها كفر أكبر كالشرك بالله والسحر، ومنها عظيم من كبائر الإثم والفواحش وهو دون ذلك، كقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، والتولي يوم الزحف، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، وقول الزور، ومنه قذف المحصنات الغافلات المؤمنات، وشرب الخمر، وعقوق الوالدين، وغير ذلك. وهذه من كبائر الذنوب عددها لنا المؤلف رحمه الله تعالى، وقد جاءت الأحاديث الصحيحة في تسمية هذه الأمور وأنها من كبائر الذنوب، فالشرك من أكبر الكبائر، وهكذا السحر، وهكذا قتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، والتولي يوم الزحف عند التقاء الصفان، عند التقاء الصفين، وهكذا أكل الربا تعاطيه والتعاون على أخذه كما هو جار الآن عند كثير من الناس ممن يهتم بالربح السريع، بغض النظر عن هذا المردود، عن هذا المال من أين قدم؟ من أين جاء؟ لا يبالي: أجاء من حله أو من حرامه؟ المهم يستكثر من هذا المال ولو كان من الربا، والربا من كبائر الذنوب. وأكل مال اليتيم، أكل أموال اليتامى، وخاصة من قبل الأوصياء الوكلاء الذين وكلوا على أموال اليتامى، تجدهم أن ربما يلتفت إلى مال اليتيم فيخبئ ماله ويختزل ويختزل ماله، ثم يقبل على مال اليتيم الذي يقوم عليه ويأكل منه بحجة أنه وصي عليه، فيأكل ويأكل ويأكل منه بغير وجه حق. وقد قال ربنا: «من كان غنيًا فليستعفف»، يستعفف، أما أنك تهجم على مال اليتيم بحيث إذا كبر وطالب بماله، إذ به يرى أن ماله قد اضمحل وذهب وزال أو قد نقص نقصًا شديدًا، هذا سحت، وهذا من كبائر الذنوب. قالوا: أكل مال اليتيم، وقول الزور، قول الزور وهو كل قول محرم، والزور من الإزورار والإزورار بمعنى الانحراف، وقول الزور وفعل الزور هو كل قول محرف، كل قول محرم فيه انحراف عن الجادة، ومنه قذف المحصنات الغافلات المؤمنات، الطعن في الأعراض، الرمي بالزنى والفاحشة، وهكذا إنما هو تلقف الأخبار، تلقف الأخبار ثم ترمى بهذه الطعونات على عواهنها، على عواهنها: آل فلان وآل فلان، وبنت فلان فيها وفيها وفيها، ملوغ في أعراض الصالحات المحصنات الغافلات، هذه من كبائر الذنوب. قال: وشرب الخمر، وعقوق الوالدين، وعقوق الوالدين من كبائر الذنوب كما جاء ذلك مصرحًا، قال عليه الصلاة والسلام عندما جاءه رجل قال: يا رسول الله ما الكبائر؟ قال: «الشرك بالله»، قال: ثم أي؟ قال: «ثم عقوق الوالدين»، ثم عقوق الوالدين، فجعل نبينا أن من كبائر الذنوب عقوق الوالدين، والعقوق هو أن يصدر من المرء كل فعل أو قول أو سلوك يؤذي الوالدين، هذا ضابطه: كل فعل وكل قول وكل سلوك فيه أذية لأحد الوالدين فقد دخلت في مجال وفي وصف العقوق، فهذا عقوق، وله صور كثيرة. قال رحمه الله تعالى: وغير ذلك. وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: هي إلى السبعين أقرب منها إلى السبع، هي إلى السبعين أي في عدد الكبائر، لو أردنا أن نعدد الكبائر فهي إلى السبعين أقرب منها إلى السبع؛ لماذا ذكر السبع؟ لأن هذا قد جاء مصرحًا في بعض الأحاديث، قال عليه الصلاة والسلام كما جاء في الصحيحين: «اجتنبوا السبع الموبقات»، قال عليه الصلاة والسلام: «اجتنبوا السبع الموبقات»، وجاء عند الطبراني: «الكبائر السبع اجتنبوا الكبائر السبع»، وهي: شرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات، فهذه السبع، لكن هل هذه محصورة؟ الجواب: ليست محصورة، هذا ليس للحصر. ولهذا أشار ابن عباس في قوله: أن إلى السبعين أقرب إلى السبع، لا نحصرها في سبع، لها أكثر من ذلك، أكثر من ذلك، وهذا الأثر الذي ذكر، قال فيه ابن عباس: هي إلى السبعين أقرب منها إلى السبع، أثر صحيح، وقد ذكره وقد صححه شيخنا مقبل رحمه الله تعالى. قال رحمه الله تعالى: ومن تتبع الذنوب التي أطلق عليها أنها كبائر وجدها أكثر من السبعين، أكثر، فقط لفظ الكبائر، لفظ الكبائر كما مر: ما جاء عند ابن حيثبي هريرة: «اجتنبوا السبع الموبقات»، السبع الكبائر هي هذه السبع، أزد على ذلك ما جاء كذلك في السنن، قال عليه الصلاة والسلام: «الكبائر: الإشراك بالله، والإياس من روح الله، والقنوط من رحمة الله»، هذا مما دخلها سماها نبينا بالكبائر. وهكذا في قوله عليه الصلاة والسلام: «الخمر أم الفواحش وأكبر الكبائر»، وقد مر معنا في قصة الأعرابي لما سأل رسول الله عن الكبائر، قال: «الإشراك بالله، وعقوق الوالدين»، ثم قال عليه الصلاة والسلام: «واليمين الغموس»، واليمين الغموس، فهذا فقط لو جاءنا فقط إلى مسألة تسمية الشرع لكبائر كذا وكذا، لكانت أكثر من السبعين. فقال المؤلف رحمه الله: ومن تتبع الذنوب التي أطلق عليها أنها كبائر وجدها أكثر من السبعين، فكيف إذا تتبع جميعًا ما جاء عليه الوعيد الشديد في الكتاب والسنة من إتباعه بلعنة أو غضب أو عذاب أو محاربة أو غير ذلك من ألفاظ الوعيد؟ فإنه يجدها كثيرة جدًا، كثيرة جدًا. فالكبائر كثيرة كما عبر المؤلف رحمه الله، فكل نص مثلًا كل نص فيه: لا يدخل الجنة كذا وكذا، هذا اجعله من كبائر الذنوب، كل ذنب فيه قال نبينا: «ليس منا»، هذا اعتبره من كبائر الذنوب، قولوا عليه الصلاة والسلام: «ثلاثة لا ينظر الله إليهم ولا يزكيهم»، ورود كثيرة على هذا النسق، هذا اجعلها من كبائر الذنوب، وهكذا. يا عبد الله، قص على هذا كما قال المؤلف رحمه الله تعالى: أنه من تتبع هذه الألفاظ في الكتاب والسنة، وخاصة في السنة المطهرة، يخلص إلى أن الكبائر كثيرة، ولهذا قد ألفت مؤلفات ألفها العلماء رحمهم الله تعالى في تتبع كبائر الذنوب، فإذا بها معدد بالعشرات، إذ أنها مذكورة بالعشرات. وفي هذا يا إخواني تنبيه للمرء المسلم إلى أنه يتفقه في دين الله، كثير من الناس من يرى أن الكبائر: زنا، وشرب خمر، وقتل نفس، يرى أربع، خمس، سبع، إذا اقتنع بها، وإلا هي بالمئات، بالمئات، لو تتبعت على هذا الضابط الذي سمعته ستخلص إلى أنها عشرات العشرات، العشرات من كبائر الذنوب، ولربما وجدت نفسك يا عبد الله أنك لربما واقع في كبائر الذنوب وأنت لا تشعر. وهذا كالمنكرات المتفشية في مجتمعاتنا، وما هذا إلا لجهل الناس بحدود ما حرم الله سبحانه وتعالى، ولهذا كان من أعظم الفقه ومن أعظم العلم الذي ينبغي أن يتعلمه المرء في دينه معرفة الحلال والحرام، معرفة ما، أحله الله، ومعرفة ما حرم الله، وخاصة الكبائر ممن تجلب عليك سخط الرب وغضبه سبحانه وتعالى. نكتفي بهذا القدر، والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.