تفسير سورة القمر من تفسير الجلالين 2

تفسير سورة القمر من تفسير الجلالين 2

الدرس في تفسير سورة القمر من تفسير الجلالين 2، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

تفسير قصة نوح عليه السلام

يتناول المقطع تفسير الآيات المتعلقة بقصة نوح عليه السلام وكذب قومه له واتهامه بالجنون، ثم استجابة الله لدعائه وإغراق الكافرين. يحمل هذا التفسير عظة وعبرة للأمم اللاحقة.

مواجهة نوح والنبي محمد للكفار

يُظهر المقطع التشابه بين مواجهة نوح عليه السلام والنبي محمد صلى الله عليه وسلم للكفار، حيث اتهما بالجنون والكذب، ويبين رحمتهما بعباده وتحذير الكافرين من العذاب.

تفسير الآيات المتعلقة بسفينة نوح

يتناول المقطع تفسير الآيات المتعلقة بسفينة نوح وعذاب قومه، ويشرح معاني المفردات ويبين دلالات الآيات على قدرة الله وعذابه للكافرين وصدق نبوته صلى الله عليه وسلم.

أهمية الاتعاظ بالقرآن

يؤكد النص على أهمية الاتعاظ بما جاء في القرآن وبما حدث للأمم السابقة، ويشير إلى أن القرآن يسر للذكر والتذكر، ويكرر هذا التأكيد بعد كل قصة من قصص الأنبياء.

التفريغ النصي الكامل

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿كذبت قبلهم قوم نوح فكذبوا عبدنا وقالوا مجنون وازدجر فدعا ربه أني مغلوب فانتصر ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر وفجرنا الأرض عيونا فالتقى الماء على أمر قد قدر وحملناه على ذات ألواح ودسر تجري بأعيننا جزاء لمن كان كفر ولقد تركناها آية فهل من مدكر فكيف كان عذابي ونذر ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر﴾. قال المفسر رحمه الله: "كذبت قبلهم قبل قريش قوم نوح، تأنيث الفعل لمعنى قوم، فكذبوا عبدنا نوحا، وقالوا مجنون وازدجر، انتهروه بالسب وغيره، فدعا ربه أني بالفتح أي بأني مغلوب فانتصر، ففتحنا بالتخفيف والتشديد أبواب السماء بماء منهمر منصب انصبابا شديدا، وفجرنا الأرض عيونا تنبع، فالتقى الماء ماء السماء والأرض على أمر حال قد قدر قضي به في الأزل وهو هلاكهم غرقا، وحملناه أي نوحا على سفينة ذات ألواح وجسر، وهو ما شدد به الألواح من المسامير وغيرها، واحدها دسار ككتابة، تجري بأعيننا بمرأى منا أي محفوظة، يزاء منصوب بفعل مقدر أي أغرقوا انتصارا لمن كان كفر، وهو نوح عليه السلام، وقرئ «كفر» بالبناء للفاعل أي أغرقوا عقابا لهم، ولقد تركناها أبقينا هذه الفعلة آية لمن يعتبر بها، أي شاع خبرها والسمر، فهل من متذكر معتبر ومتعظ بها، وأصله متذكر أبدلت التاء دالا مهملة وكذا المعجمة وأدغمت فيها، فكيف كان عذابي ونذر أي إنذاري على وجه التقرير، وكيف خبر «كان» وهي للسؤال عن الحال، والمعنى حمل المخاطبين على الإقرار بوقوع عذابه تعالى بالمكذبين لنوح الموقعة، ولقد يسرنا القرآن للذكر سهلناه للحفظ وهيأناه للتذكر، فهل من متذكر متعظ به وحافظ له، والاستفهام بمعنى الأمر أي احفظوه واتعظوا به". بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. ما زلنا في هذه الآيات في هذه السورة العظيمة سورة القمر، والتي فيها محاججة للمشركين وما كانوا عليه من الكفر والعناد وأذية المؤمنين، ومر معنا أوائل هذه السورة والتي فيها الإشارة إلى ما توعد الله عز وجل به من النذر، ما كان من النذر للأمم السابقة ألا يصيب هؤلاء ما أصاب الأمم السابقة، وابتدأ بقصة نوح عليه الصلاة والسلام، وهو أول الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام أولي العزم من الرسل، وفي قصته عظة وعبرة عظيمة جدا، ولهذا يذكر الله عز وجل قصته في سور كثيرة للاتعاظ والاعتبار بها. وتذكر قصص الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بهذا المعنى كما قال الله عز وجل: ﴿لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب﴾. وهكذا كذلك للتخويف بالعقاب والعذاب أن لا يصيب من سار بسير قوم نوح الكافرين، وهذا الذي ذكرها هنا «كذبت قبلهم» أي قبل قوم قريش كما ذكر قوم نوح، فكذبوا عبدنا، وقوم نوح المراد بهم الكفار ممن لم يتابع النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا هو الغالب، ولذلك إذا ذكر أتباعه المؤمنين قيل «آل»، وإذا ذكر من كان في زمانه من الكافرين قيل «قوم»، فهو للتفريق بين الأتباع المتابعين الموافقين والأتباع المخالفين، وهذا من أساليب القرآن الذي من تتبع آياته وجد مثل هذه المعاني. وهكذا قوله سبحانه «فكذبوا عبدنا» أي نبينا، والعبودية إذا أضيفت هذه الإضافة الخاصة كان فيها معنى النبوة والرسالة، واستدل العلماء بمثل هذه الآية على نبوة الخضر عليه السلام وأنه عبد من عباد الله، أضاف الله عز وجل عبودية إلى نفسه سبحانه وتعالى، فهي كهذه العبودية التي أضافها الله عز وجل إلى نوح، فهو نبي من أنبياء الله ورسله، عبر بمعنى العبودية لأن أعلى المقامات لهذا الإنسان، فكأنه قال: فكذبوا نبينا ورسولنا الذي قام بمعنى العبودية على أكمل الوجوه، ومن كان هذا وصفه وحاله لا ينبغي أن يكذب ولا ينبغي كذلك أن يعاد ويحارب، بل ينبغي أن يؤمن بما جاء به ويؤتى به ويتابع فيما دعا إليه. وهكذا كذلك وصف نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم بآيات كثيرة «سبحان الذي أسرى بعبده» وغير ذلك من الآيات في سور عديدة، ومنها في أوائل سورة «الجن»، وآيات وسورة عديدة. وقوله: «وقالوا مجنون وازدجر» هذه الكلمات قالها المشركون في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا هو قول انتهروه بالسب وغيره، والمقصود هو كأنه يقول: ما أشبه الليلة بالبارحة، ما كان ما تقولونه اليوم لنبي الله محمد صلى الله عليه وسلم هو عين ما كان يقوله الكفار والمشركون في زمن نوح عليه السلام، فإذا كان كذلك فإذن النتيجة واحدة، فلا تأمنوا أن يصيبكم ما أصاب قوم نوح. وكذلك قوله: «فدعا ربه أني مغلوب فانتصر» أي بالفتح ورفع الكربة، وهكذا كذلك وقع لنبينا عليه الصلاة والسلام، أتى بلاء شديدا عظيما هو ومن معه، حتى أنه دعا الله عز وجل بالفرج، فنصره الله كما نصر نوحا عليه السلام. وانظروا وتأملوا هذه الآيات وغيرها من الآيات المكية كيف يعظ الله عز وجل هؤلاء الكافرين والمشركين ويذكرهم ويحذرهم بأنواع التحذير، وبه نعرف عظيم رحمة الله عز وجل بعباده وخلقه حتى الكافرين. وهذا قوله سبحانه وتعالى في هذا المعنى أنه رحمة، فالله عز وجل رحمن السماوات والأرض ورحمهما، ورحمته وسعت كل شيء كما أخبر عن نفسه سبحانه وتعالى، حتى الكافر وصلته رحمة الله بما كان من المعاني الكونية من المعاش وغير ذلك مما يتمتع به. وهكذا كذلك حتى المعاني الشرعية، فإن الله عز وجل أقام على الكافرين الحجج تلو الحجج تلو الحجج حتى لا يكون لهم حجة يوم القيامة. فبعد هذه الآيات العظيمات حين يخوضهم ويذكرهم وكذلك يضع الأمثال، هذا فيه أعظم الحجة على الكافرين. «فدعا ربه أني مغلوب فانتصر ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر» هذه النتيجة وهذا عينه الذي وقع للنبي صلى الله عليه وسلم، أتاهم بالحق وكان قدوة صالحة في العمل به، ليس مثله كذاب فيكذب ولا كاهن ولا مجنون ولا ساحر، ومع ذلك كذبه قومه، وكذلك ابتلي ومن معه بلاء شديدا كما ابتلي الأنبياء والرسل من قبل ومنهم نوح عليه السلام، فكانت النتيجة أن أنجى الله عز وجل أنبياءه ورسله وعذب من عاند من الكافرين والمشركين، فهذه النتيجة والجواب بالفاء يدل على سرعة وقرب العقوبة، فإن الجواب بالفاء منذر ومخبر أن العقوبة لم تكن بعيدة. «ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر» قال بالتخفيف والتشديد، يعني إعرابين سبعيين مشهورين كما أشار في التعليق، وهكذا كذلك «بماء منهمر» قال: منصب انصبابا شديدا، من شدته أنه كان ينهمر يعني يغرق كل ما يصيبه يغطيه ويغرقه ويطرقه طرقا شديدا أشد من طرق المطر، وهذا هو الإهمار، حمره أي طرقه طرقا شديدا. تصور كتل من الماء العظيمة تتساقط من السماء وتتفجر من الأرض، كيف يكون حال ما يصيبه هذا الماء؟ تتحطم حتى ولو كانت من الحديد فإنها ستتحطم، فكيف إذا أصابت هذه الكتل العظيمة من الماء الناس؟ فهي فعلا حطمتهم ولم تذر شيئا إلا وهدمته وأغرقته. «وفجرنا الأرض عيونا» قال تنبع، «فالتقى الماء» قال: أي ماء السماء والأرض على أمر يعني حال أراده الله سبحانه وتعالى قد قدر، قال: قضي به في الأزل وهو هلاكهم غرقا، ولكنه ليس غرقا عاديا كغرق البحر والنهر، وإنما غرق بكتل عظيمة من الماء تتساقط من السماء وأمواج كبيرة وعظيمة تتفجر من الأرض كذلك تغرق بالضرب وليس تغرق بالغمس، وفرق بين الأمرين، الإغراق بالضرب يعني معناه تحطيم وتكسير وتمزيق، ومعه يكون كذلك غرق، وهذا أشد في العقوبة والعذاب. وهذا يفهم من قوله «منهمر» وهكذا كذلك ما ذكر الله عز وجل في سورة هود أن الجبال كانت عظيمة حتى لا تدع شيئا إلا وتغطيه، لما قال لابن نوح: «سآوي إلى جبل يعصمني من الماء» قال: «لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم» أي بالإيمان، ولهذا أنجى الله عز وجل نوحا ومن معه في تلك السفينة. وقوله رحمه الله: «وحملناه أي نوحا على سفينة ذات ألواح ودسر» قال: ما تشد به الألواح من المسامير وغيرها، واحدها دسار ككتاب، وقد أحسن حين قال: «وغيرها» لأن الصحيح ليس الدسر المسامير، بل الدسر هو كل ما يربط ويشد به، فيشمل المسامير والخيوط والحبال وغيرها مما يحكم به هذه السفينة. وهذا معناه أنه اتخذ سفينة متينة أحكم ربط وتثبيت خشبها حتى لا يدخل الماء فيها ولا يحطمها شدة الموج وتساقط كذلك كتل الماء من السماء، فكأن الله عز وجل أوحى إليه: أعد سفينة متينة غاية المتانة، وهذا الذي وقع. ولهذا كما جاء في بعض الأحاديث وهكذا دل عليه عدد من الآيات: أنه قعد زمنا طويلا وهو يعد هذه السفينة حتى يحكمها ويضبطها، فكان الملأ من قومه يمرون عليه فيسخرون ويرمون لأنه ليس عنده بحر ولا نهر، فاستغربوا كيف يبني سفينة في مكان ليس فيه نهر وليس فيه بحر، ما علموا بأن الله عز وجل قد أوحى إليه بما سيكون، وهذا الذي وقع. وقوله رحمه الله: «تجري بأعيننا» قال: بمرأى منا أي محفوظة، وهذا المعنى مما أخذ على المؤلف رحمه الله، فالصحيح «تجري بأعيننا» أي بمرأى ورعاية مع رؤية العين الحقيقية، مع رؤية العين الحقيقية فيه، فيه إثبات العين لله عز وجل على ما يليق بجلاله وعظمته، وآثار هذه العين من الرؤية والمتابعة والرعاية والكلاءة. فالمعنيان مثبتان، ليس معناه أن نثبت الرعاية والكلاءة وننفي الرؤية والعين، بل نثبت معنى العين الحسية بما يليق بجلال الله وعظمته، ونثبت الرؤية بما يليق بجلال الله وعظمته، ونثبت كذلك الرعاية والكلاءة والمرعى وغير ذلك من المعاني المعنوية التي هي من آثار تلك المعاني الخصيصة. وقوله رحمه الله: «جزاء لمن كان كفر» قال: وقرئ «كفر» بالبناء للفاعل أي أغرقوا عقابا على ما كان من كفرهم بنبي الله نوح عليه السلام وما جاء به. «ولقد تركناها» قال: أبقينا هذه الفعلة أي المراد الإغراء والعذاب والعقاب الذي وقع على قوم نوح آية لمن يعتبر بها، قال: أي شاع خبرها واستمر، وقصة نوح ذكرها أهل الأرض الكفار والمؤمنون، أهل الكتاب من اليهود والنصارى، وهكذا كذلك النبي صلى الله عليه وسلم جاء بخبر قصة نوح، وهكذا كتبها أهل التاريخ حتى من الوثنيين والكافرين والملحدين، على كل حال عندهم إلا أنهم يثبتون أن غرقا عظيما عم الأرض في زمن من الأزمان، ويذكرون أنه كان في زمن نبي يقال له نوح، حتى الملحد الذي لا يؤمن بالنبوة والرسالة وبوجود الله يثبت وقوع الغرق على الأرض. فالملحدون اليوم بهذا الزمان يثبتون أن الأرض عمها زمن مائي يعني أن الماء أغرق الأرض بأكملها في زمن من الأزمنة، وهو زمن نبي الله نوح، والعلم الحديث يثبت هذا. كيف يكون للنبي صلى الله عليه وسلم أن يعلم بهذا وهو رجل أمي لم يقرأ ولم يكتب ولم يتعرف على تاريخ الأمم وبهذه التفاصيل والدقة؟ وهذا دليل من أدلة كثيرة على دلائل صدق رسالته ونبوته عليه الصلاة والسلام. وهكذا كذلك قال رحمه الله: «فهل من مدكر معتبر ومتعظ» وأصلها «متذكر» أبدلت التاء دالا مهملة وكذا المعجمة وأدغمت فيها، وهذه من المباحث الصرفية المشهورة المعروفة التي تذكر في كتب الصرف، وذلك إذا تقاربت الأحرف التي يتقارب مخرجها ويتشابه النطق بها تقلب إحداهما من جنس الأخرى، وهذا عند الصرفيين تعليل، ولكنه حقيقة الأصل بهذا السماع، وهذا التعليل لتوضيح لماذا ورد بهذا السماع. وأخيرا فسر قول الله عز وجل: «فكيف كان عذابي ونذر» قال: إنذار على وجه الاستفهام، يعني كأنه يريد أن يزيد في التخويف وكذلك التحذير، يعني كيف ترون هذا الذي أصاب قوم نوح؟ فإن قالوا: والله إنه شيء عظيم، فإذن احذروا أن يصيبكم ما أصاب أولئك القوم. وقوله أخيرا كذلك: «ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من المدكر» هذا كذلك تأكيد لأمر الاتعاظ والاعتبار بما وقع للأمم السابقة وبما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم في هذا القرآن العظيم، وأن لا يصيب قوم النبي صلى الله عليه وسلم -الخطاب للكافرين المشركين- الآيات مكية- ما أصاب قوم نوح، وهذا هو المقصود، ولهذا كررت هذه الآية بعد كل قصة من قصص أنبياء الله ورسله وما وقع لهم مع أممهم كما سيأتي معنا إن شاء الله. إلى هنا والله تعالى أعلم، صلى الله عليه وسلم عن نبينا محمد وآله وصحبه صلى الله عليه وسلم.