الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين  263

الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 263

الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 263، ألقاها

مقدمة في شرح مسند جنادة بن أبي أمية

يبدأ الشرح بتوضيح سند الحديث لجنادة بن أبي أمية ورواية حجاج بن محمد وتوثيق الرواة.

تفسير حديث الهجرة والجهاد

يشرح الحديث النبوي حول استمرار الهجرة ما دام الجهاد قائمًا وتوضيح معناه لأهل مكة والبلاد المفتوحة.

الهجرة في الإسلام ومعناها الواسع

الهجرة تشمل الانتقال من بلد الكفر إلى الإسلام ومن أماكن المعاصي إلى الطاعة وتستمر بوجود أسبابها.

تفاصيل حول قتال العدو وحديث عبد الله بن سعدي

يتناول المقطع حديث عبد الله بن سعدي حول عدم قتال العدو ويناقش ظروف وشروط القتال.

  • 25 جمادى الآخرة 1441هـ - 19/02/2020مـ
التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه. ما بعد: قال شيخنا مقبل بن هاد الوادعي رحمه الله: مسند جنادة بن أبي أمية رضي الله عنه. وجنادة بن أبي أمية من العزد من اليمن، وهو من سكان أهل مصر، أنا سكنت في مصر. قال رحمه الله: قال الإمام محمد -رحمه الله تعالى-: حدثنا حجاج، وهو ابن محمد المصيصي الأعور البغدادي، أصله خراساني من ترمد، لكن سكن بغداد، وهو من الحفاظ الكبار من أصحاب ابن جريج، أصحاب الليث، ابن سعد، وهو من أوثق الناس في ابن جريج. قال يحيى بن معين رحمه الله: لقيني معلى الرازي، فقال لي: أتعرف حجاجا من أصحاب ابن جريج؟ هو أتقنهم، أو كذا. قال: فقال حجاج، أي المعلى الرازي، قال لابن معين: أن حجاجا هو أفضل وأتقن من روى عن ابن جريج. قال: فعجبت لذلك، ثم تفكرت، فرأيت أن كلامه كان صحيحا. نظر إلى حديث أصحاب ابن جريج، فرأى أن حجاجا أتقنهم لحديث ابن جريج. حجاج بن محمد اختلط في آخر عمره، لكن اختلاطه لم يضر؛ لأنه لم يرو عنه أحد بعد الاختلاط إلا سنيد، صاحب سنيد، لكن سنيد كان يعرف. أو لم يرو عنه شيء بعد الاختلاط، وإن كان كان يدخل عليه. قال: حدثنا ليث، وهو ابن سعد، أبو الحارث الفهمي، الإمام، رحمة الله عليه. كان الشافعي يقول: الليث أفقه من مالك، إلا أن أصحابه ضيعوا، أو قال: إلا أن أصحابه لم يقوموا به مثل مالك. مالك له أصحاب كثير، نشر علمه، حتى أن عبد الله بن وهب نشر علم مالك في مصر، مع أن الليث كان في مصر، لكن لم ينتشر علمه كثيرا. قال: حدثني يزيد بن أبي حبيب، وهو النوبي المصري، كان عالما زاهدا من أهل الحديث. وقال له رجل: ليت الناس كلهم يزيد بن أبي حبيب. فقال رحمه الله: إذن يكون كلهم سودانا مثلي؛ لأنه كان من النوبة أسود، وأراد أن يمزح رحمه الله؛ حتى يخرج الناس عن ما أراده ذاك. يريد معنى لزهده وعبادته وطاعة لله وعلمه، فتمنى ذلك الرجل أن يكون الناس كلهم كذلك. قال: حدثني يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الخير. أبو الخير هو مرثد بن عبد الله اليزني، المصري. قال ابن معين: أن أبا الخير عند أهل مصر كعلقمة عند أهل الكوفة. فهذا مثل علقمة في أهل الكوفة، وهو من ثقات أهل الكوفة وأئمتهم في زمن التابعين، وهم من كبار التابعين. أن أبا الخير، وكذلك علقمة والأسود وسعيد بن حبيش، هؤلاء من خواص الناس وكبار العلماء. فأبو الخير كان محل ثقة أهل مصر، له شهرة في مصر، وكذلك له مكان عظيم بين أهل مصر، مثل علقمة في أهل الكوفة. علقمة يعد من أفضل أهل الكوفة، هو والأسود. قال: عن أبي الخير، أن جنادة بن أبي أمية حدثه، أن رجالا من أصحاب رسول الله ﷺ قال بعضهم: إن الهجرة قد انقطعت. وقد روى هذا الحديث رجاء بن حيوة، عن أبيه، عن رجل، أو عن رسول الله ﷺ، وذكر هذا الحديث بمعناه. قال: أن الرجال من أصحاب رسول الله ﷺ قال بعضهم: إن الهجرة قد انقطعت، فاختلفوا في ذلك. قال: فانطلقت إلى رسول الله ﷺ، فقلت: يا رسول الله، إن أناسا يقولون: إن الهجرة قد انقطعت. فقال رسول الله ﷺ: «إن الهجرة لا تنقطع ما كان الجهاد». قال: هذا حديث صحيح، رجاله رجال الصحيح، وله شاهد كما ذكرنا أيضا. أخرجه الإمام أحمد والنسائي من حديث حيوة بن شريح، نبيه، عن رجل من أصحاب النبي ﷺ. وكذلك له شاهد أيضا أخرجه أحمد والنسائي كذلك من طريق عبد الله بن سعدي. ومن طريق عبد الله بن سعدي، ورواه عنه أبو إدريس الخولاني، فقال: عن عبد الله بن السعدي. ورووا كذلك مالك بن خامر، عنه، عن عبد الله بن السعدي. وهذا عبد الله بن السعدي من الشاميين، معدود من الصحابة الذين في الشام. فذكر أيضا مثل حديث جنادة بن أمية، أن رجلا، أو قال: عبد الله بن سعدي، قال: جئنا وفدا إلى رسول الله ﷺ، فدخلنا واحدا واحدا إلى رسول الله ﷺ، فكنت آخرهم. قال: فدخلت على النبي ﷺ، فقال: ما حاجتك؟ فقلت: يا رسول الله، قد سمعت ناسا يقولون: أن الهجرة قد انقطعت. فقال عليه الصلاة والسلام: «إن الهجرة لا تنقطع ما قوتل العدو». وفي رواية: «ما قوتل الكفار». فقال مالك بن خامر في رواية مالك بن خامر: قال: فقال معاوية وعبد الرحمن بن عوف: الهجرة هجرتان: هجرة السيئات، والهجرة من أرض العدو. ولا تنقطع الهجرة إلا بالتوبة، أو قال: ولا تنقطع الهجرة إلا إذا انقطعت التوبة. ولا تنقطع التوبة إلا بطلوع الشمس من مغربها. فأخذنا من هذه النصوص عن النبي ﷺ وعن الصحابة: أن الهجرة على أنها لا تنقطع ما دام الجهاد باقيا، ما دام الجهاد باقيا، وما قاتل العدو؛ لأنه إذا لم يكن هناك جهاد للعدو، يعني ليس هناك كفار يقاتلون. معنى أن الهجرة ستنقطع: ليس هناك بلاد كفر وبلاد حرب، فتكون كلها بلاد إسلام. وهذا الذي أراده النبي ﷺ، ليس المراد أنه متى ما انقطع الجهاد انقطعت الهجرة، لا. قد يكون الجهاد يقطعه أهل الإسلام أنفسهم، مثل ما حصل في هذه العصور، فإنهم إذا قطعه أهل الإسلام أنفسهم لذلتهم وضعفهم، فليس معنى ذلك أن الجهاد انقطع. فبهذا لا تنقطع الهجرة هنا، وإنما تنقطع الهجرة إذا لم يكن هناك جهاد شرعي، معنى ذلك: إذا لم يكن هناك عدو يقاتله المسلمون. فإذا لم يكن هناك عدو، فليس هناك هجرة؛ لأن البلاد تكون بلاد إسلام. وأما قول النبي ﷺ في حديث ابن عباس في البخاري: «لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونية»، هذا خاص بأهل مكة، وبكل من فتحت بلاده، فلا هجرة بعد الفتح؛ إذا فتحت البلاد صارت بلاد إسلام، لا هجرة بعدها. أما فيها أن الهجرة تكون واجبة من بلاد أهل الكفر؛ إذا كان الإنسان لا يأمن على دينه، فيجب عليه أن يهاجر إلى بلاد أهل الإسلام. وأما إذا صارت البلاد كلها بلاد إسلام، فلا هجرة، فتنقطع الهجرة من جهة قتال الكفار الذين لم يوجدوا بعد، يعني إذا لم يوجدوا. وأما إذا كان هناك كفار، فتجب الهجرة. أو أنه كما قلنا: قطع الجهاد، قطعه المسلمون أنفسهم لذلة وضعف فيهم، فالهجرة أيضا كذلك تبقى. وهنا في كلام مالك بن خامر، عن الصحابة، عن معاوية، وعبد الرحمن بن عوف، وعبد الله بن عمر، أنهم قالوا: أن الهجرة هجرتان. وهذا قد جاء في النصوص، وهم أرادوا أن يفرقوا بين الهجرة التي يكون فيها من بلد إلى بلد، وبين الهجرة التي يهجر بها الرجل السيئات. وقد جاء في الصحيحين، في حديث عبد الله بن عمر، أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه». فالمهاجر الذي يهجر السيئات، هذا حقيقة مهاجر؛ لأنه هجر السيئات. فإذا لم يكن هناك هجرة بالمعنى الذي يريدون أن يقولوا: إذا لم يكن هناك هجرة، وصارت البلاد بلاد إسلام، فبقيت هناك حقيقة الهجرة، وهي أن الإنسان ينقطع عن السيئات، أنه يهجر السيئات. فهذا حقيقة الهجرة بعد الهجرة من بلد إلى بلد؛ لأنه لما يذهب أو يهاجر الإنسان من بلد إلى بلد، لماذا يهاجر؟ لأجل حفظ دينه. فالذي يهجر السيئات هو قد أدى هذه الحقيقة. ولهذا قال العلماء: أن الهجرة أحيانا أيضا تصح، ليس فقط للكفر، بل حتى إذا كان مثلا الإنسان لا يأمن على اتباعه للسنة، لا يأمن نفسه على اتباع السنة بكثرة أهل البدع في تلك البلاد، أنه يكون بلاد إسلام، لكن كثر فيها أهل البدع، كثر فيها أهل البدع، وصارت لهم صولة وجولة، فهو ضعيف، يخشى على نفسه أن يقع في مذهبهم، ويقع فيه ما هم عليه. فهنا أيضا قال العلماء: ينبغي أن يهاجر إلى الأرض التي يكون فيها أهل السنة. واستدل بعضهم بحديث الذي قتل تسعة وتسعين نفسا، فإن العالم قال له: «إن في بلد فلان أناسا يعبدون الله، فاذهب فاعبد الله معهم». أنت على خير، على طاعة. وأما هذه القرية التي أنت فيها، فيها أهل فجور ومعاصي. فلهذا أيضا يدخل في الهجرة، يدخل في هذا المعنى من الهجرة. وكذلك أيضا من هذا الباب: اعتزال الفتن. من هذا الباب اعتزال الفتن، كما أخبر النبي ﷺ، كما جاء في الصحيحين، في حديث أبي هريرة: «يوشك أن يكون خير مال المرء المسلم غنما يتبع بها شعف الجبال ومواقع القطر، يفر بدينه من الفتن». أيضا هذا من الهجرة، هجر الفتن والسيئات، يذهب إلى مكان يعتزل فيه. فهي داخلة ضمنا، وإن كان الهجرة المراد بها أن يهاجر من بلد الكفر إلى بلد الإسلام، ولكن إذا كان لا يأمن على دينه في بلد الإسلام أيضا، ويأمن على دينه في بلد أخرى من بلاد الإسلام، أيضا هنا ينبغي عليه أن يهاجر؛ لأجل أن يأمن على دينه ودين أولاده. فلهذا فالهجرة هذه كل ما كان سببه أمن الدين، كانت الهجرة. لكن الهجرة المقصود بها التي هي مشهورة: من بلد إلى بلد، هذه لا تنقطع إلا إذا انقطع الجهاد في سبيل الله، أي الجهاد الشرعي، ولم يكن هناك كفار، وكانت البلاد بلاد إسلام. فهذا معنى هذا الحديث: «إن الهجرة لا تنقطع ما كان الجهاد». وفي حديث عبد الله بن سعدي: «ما قوتل العدو». والله تعالى أعلم.

شاركنا على