الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 262، ألقاها
جرير بن عبد الله البجلي صحابي من أهل اليمن، أسلم قبل وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، وحضر حجة الوداع. هناك اختلاف في تاريخ إسلامه بين رمضان وقبل حجة الوداع بقليل.
يشرح حديث جرير بن عبد الله وروايته عن النبي صلى الله عليه وسلم عند دخوله المدينة، ويتناول سند الحديث وروايته من قبل عدة شيوخ، ويبين أن الحديث حسن وأخرجه عدة كتب.
يذكر فضائل جرير بن عبد الله، حيث بشر به النبي قبل قدومه وبايعه على السمع والطاعة والنصح لكل مسلم، وكان ناصحا وصادقا في جميع أموره. استشهد بمواقف تظهر نصحه وصدقه.
تم ذكر جرير في هذا الحديث، ونكتفي بما ذكر عن هذا الصحابي الجليل، ويبدو أن المقطع يشير إلى انتهاء الحديث عن جرير.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال شيخنا مقبل -هذا الوعد- رحمه الله تعالى: مسند جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه، وجرير هو بجلي أحمسي من أهل اليمن، من بجيلة، وبجيلة قبيلة مشهورة في اليمن، وجرير كان منهم، وكان رجلا حكيما، وأيضا عنده تؤدة، وكان أعطاه الله عز وجل من الجمال حتى سماه عمر الخطاب «يوسف هذه الأمة»، سماه عمر «يوسف هذه الأمة»، كان رجلا طويلا جميلا معطولا، وسيذكر في هذا الحديث شيء مما جاء مما كان عليه أو مما حصل له مع النبي صلى الله عليه وسلم، وتناهى النبي صلى الله عليه وسلم عليه، وأختلف في إسلامه: متى أسلم؟ فمن أهل العلم من يقول: إنه أسلم قبل أن يموت النبي صلى الله عليه وسلم بأربعين يوما، قيل: في ذي القعدة، وقيل: في محرم، أسلم في محرم في بداية العام. قال هنا الإمام ابن عبدالبر: إنه أسلم قبل أن يموت النبي صلى الله عليه وسلم بأربعين يوما، وهذا ليس صحيحا، فرده جماعة من أهل العلم، وقال بعضهم: إنه أسلم في رمضان كما ذكر الواقدي، لكن الحافظ يرجح أنه أسلم قبل ذلك. لكن الذي يدل على أن جرير أسلم بعد رمضان حديث الذي أخرجه الشيخان البخاري ومسلم عن همام، عن الحارث، أنه قال: أو قال الشعبي: وكان أصحاب عبدالله يعجبهم حديث جرير؛ لأنه أسلم بعد نزول المائدة، أي: بعد نزول آية الوضوء، فهو أسلم قبل موت النبي صلى الله عليه وسلم بفترة، وقد حضر حجة الوداع، وهذا مما يدل على أن ما قاله الإمام عبدالبر خطأ؛ لأن جرير قد حضر حجة الوداع، وقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «استنصت الناس»، فدل على أنه حضر حجة الوداع، لكنه أسلم قبل ذلك، قيل: أسلم في رمضان كما قال الواقدي، فلم يأت الواقدي بشيء يتمسك به، لكن الظاهر أنه أسلم قبل حجة الوداع بقليل. قال الإمام محمد رحمه الله: حدثنا أبو قطن، وهو عمرو بن الهيثم، وهو ثقة ثبت كما قال الإمام أحمد، قال: حدثني يونس وأبو قطن كوفي، وهذا الإسناد يعتبر كوفيا إلا جرير فهو صحابي، جلس في الكوفة فترة ثم خرج منها، قال: حدثني يونس -وهو ابن أبي إسحاق السبيعي، والد إسرائيل وعيسى- قد سمع من أبيه كثيرا، وسمع مع أبيه، لكن ذكر أنه يروي عن ناس لم يسمع منهم، وهذا من مناقص عليه، حتى إن رجلا جاء من الكوفة إلى البصرة فقال له شعبة: ممن سمعت؟ قال: سمعت من فلان ومن يونس بن أبي إسحاق، قال: عن من حدثكم يونس؟ قال: عن فلان وعن فلان وعن جبلة وعن كذا، قال: ما حدثكم عن عبدالله -يعني المسعود-؟ كأنه ما حدثكم عن عبدالله؛ لأنه أخذ عليه أنه يعني يروي عنه ناس لم يدركهم، لكن لا يقول: حدثنا، وإنما يقول: عن -منقطع-، ولهذا عابه شعبة رحمه الله، لكن هذا الإرسال، وحتى التدليس، لا يكون طاعنا في الراوي إلا إذا كثر التدليس، وكان يدلس عن المجاهيل أو الضعفاء، وإلا فالأصل أن التدليس والإرسال -أي الإرسال الخفي، وهو أن يروي الرجل عن من لم يلقه وإنما عاصره- أو كذلك الانقطاع: أن يروي عن من لم يلقه ولم يعاصره، فهذا أيضا لا يكون طعنا غالبا في الراوي؛ لأن من عادة الناس أنهم يتجاوزون أحيانا، وقد كان كثير من السلف يفعل ذلك، كالحسن، وأيضا كأبي العالية، وجماعة من السلف كانوا يفعلون هذا، أي: يروون عن من لم يلقوا، فلهذا فليس هو طعنا. وخلاصة الكلام في يونس: أنه صدوق، وله منكرات، لكن حديثه غالبا الذي يتابع عليه فهو صحيح، وهذا مما توبع عليه وجاء عن غيره. قال رحمه الله: أن يونس عن المغيرة بن شبل، والمغيرة بن شبل هو من قبيلة جرير بجلي، وهو ثقة، وقد أدركه يونس، وقد صرح علي بن المديني وغيره أنه قد سمع من المغيرة بن شبل. قال: حدثنا ابن عيم، وهو الفضل بن دكين الحافظ الكوفي، قال: حدثنا يونس -وهو ابن أبي إسحاق- عن المغيرة بن شبل بن عوف البجلي، عن جرير بن عبد الله، قال: «لما دنوت من المدينة أنخت راحلتي، ثم حللت عيبتي، ثم لبست حلتي، ثم دخلت -يعني المسجد- فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب، فرمان الناس بالحدق -أي نظروا إليه-، فقلت لجليسي: هل ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم من أمر شيئا؟ فذكر مثله». قال: وقال جرير: «لما دنوت من المدينة أنخت راحلتي، ثم حللت عيبتي -والمراد بالعيبة ما كان معه من ثياب غير ثيابه-، ثم لبست حلتي، ثم دخلت ورسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب، فسلمت على النبي صلى الله عليه وسلم، فرمان قوم بالحدق، فقلت لجليسي: هل ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم من أمر شيئا؟ فذكر مثله». قال: وهذا حديث حسن، وقد أخرجه ابن أبي شيبة والنسائي في فضائل الصحابة، قال: وأخرجه الحميدي -وهو عبدالله بن الزبير الحميدي أبو بكر شيخ البخاري-، وهناك أيضا الحميدي متأخر وهو أندلسي من تلاميذ ابن حزم، صاحب «جدوة المقتبس في فضائل الأندلس» وصاحب «كتاب الجمع بين الصحيحين»، فقال: حدثنا سفيان -وهو ابن عيينة-، قال: حدثنا إسماعيل بن أبي خالد -وهو الكوفي، وهو ثقة ثبت-، قال: سمعت قيسا -وهو ابن أبي حازم، وهو أيضا كوفي- يقول: سمعت جرير بن عبد الله البجلي -وهذا إسناد حديث الرؤية- رواه سفيان، ورواه وكيع، ورواه جماعة عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، عن جرير بن عبد الله البجلي، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ﴿إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ الْقَمَرَ لَيْلَةَ الْبَدْرِ لَا تُضَامُونَ فِي رُؤْيَتِهِ﴾. قال الإمام محمد: من أنكر حديث إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، عن جرير بن عبد الله في الرؤية، فهو جهمي. قال: وقال جرير بن عبد الله البجلي: «ما رآني رسول الله صلى الله عليه وسلم قط إلا تبسم في وجهي»، وهذا من حسن خلقه عليه الصلاة والسلام. وجاء في الترمذي أن النبي صلى الله عليه وسلم سأل جريرا لما جاء وأسلم، فقال: «ما أردت؟» قال: «أردت أن أسلم يا رسول الله»، ففرش له النبي صلى الله عليه وسلم فراشا، وقال: «إذا جاءكم كريم قوم فأكرموه»، لكن الحديث فيه ضعف. قال: «يدخل عليكم من هذا الباب -أو من هذا الفج- رجل من خير ذي يمن، إلا أن على وجهه مسحة ملك»، وطلع جرير بن عبد الله، قال: وهذا حديث صحيح، أي: هذا الحديث الأخير إسناده صحيح على شرط الشيخين، فهذا الحديث صحيح، وفيه فضيلة لجرير بن عبد الله رضي الله عنه، وفيه فضيلة عظيمة لجرير بن عبد الله، وهو أنه بشر به النبي صلى الله عليه وسلم، وأنه خير رجل من خير ذي يمن، أي: من خير رجالات اليمن. وقد نفع الله عز وجل به في الإسلام، فكان ناصحا للناس، وقد بايع النبي صلى الله عليه وسلم كما جاء في صحيح البخاري: بايعته رسول الله صلى الله عليه وسلم «على السمع والطاعة وعلى النصح لكل مسلم»، فجاء في رواية: بايعته رسول الله صلى الله عليه وسلم «على إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والسمع والطاعة والنصح لكل مسلم»، فكان ناصحا جدا وصادقا، حتى يقال: إنه كان ينصح حتى في البيع، حتى إنه جاء أراد من عبده أن يبيع خيلا له، فباعها، فقال: «بكم بعتها؟» قال: «بثمانمائة دينار»، فقال: «بعتها لمن؟» قال: «لِفلان»، فذهب إليه، وقال: «هذه خيل ما تساوي إلا ثلاثمائة دينار»، فأعطاه خمسمائة دينار؛ لأنها لا تفي ذلك الثمن، فذكر بالنصيحة. ولما قتل المغير بن شعبة، وأرسل عمر الضحاك بن قيس وأبا موسى وغيرهما ليكونوا مكان المغير، حصل شيء من الخلاف بين الناس، فخطب فيهم جرير ونصحهم على أن يهدؤوا، وغير ذلك مما ذكره رضي الله عنه كما في صحيح مسلم. وأيضا كذلك لما أرسله علي رضي الله عنه إلى معاوية، أرسله علي لأجل حكمته وحنكته، أرسله إلى معاوية حتى يتفاهم معه، فرأى رضي الله عنه أن في الأمر شيئا، وأنها ستحصل فتنة، فخرج وترك الكوفة وذهب إلى الجزيرة ومات هناك في سنة إحدى وخمسين أو اثنتين وخمسين. هذا ما يذكر عن جرير في هذا الحديث، وعن هذا الصحابي الجليل رضي الله عنه، فنكتفي بهذا.