الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين  260

الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 260

الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 260، ألقاها

شرح حديث حماد بن سلمة وتأخير صلاة الفجر في السفر

يشرح الشيخ مقبل بن هادي الوادعي حديث حماد بن سلمة عن تأخر النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة الفجر أثناء السفر. يبين صحة الحديث واختلاف الروايات حول القصة.

اختلاف الروايات حول قصة نوم النبي صلى الله عليه وسلم أثناء السفر وتفسير ذلك

تعددت الروايات حول قصة نوم النبي صلى الله عليه وسلم أثناء السفر، واختلفت في تفاصيلها. العلماء فسروا هذا الاختلاف إما بتعدد القصة أو بكونها قصة واحدة.

حكم من نام عن صلاة الفجر وقضاء الصلاة الفائتة

من نام عن الصلاة بغير تعمد فلا إثم عليه، ويجب عليه قضاؤها عند التذكر. النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه كانوا حريصين على أداء الصلاة في وقتها.

أحكام الصلاة الفائتة ووقت قضائها

الصلاة الفائتة تقضى عند تذكرها، بغض النظر عن الوقت. يستدل بحديث نبوي وبأقوال بعض الصحابة الذين رووا هذا الحديث.

  • 25 جمادى الآخرة 1441هـ - 19/02/2020مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. ما بعد، قال شيخنا مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله: قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: حدثنا عبد الصمد وعفان. عبد الصمد هو ابن عبد الوارث بن سعيد التنوري الكوفي البصري، وعفان هو ابن مسلم أبو عثمان الصفار البصري، وكانوا من حفاظ أهل البصرة. قال: حدثنا حماد بن سلمة، وهو حماد بن سلمة بن دينار، حافظ من حفاظ البصرة، إلا أنه لكثرة حديثه وقعت عليه بعض الأخطاء والوهام التي حصلت في حديثه. ويقال إن سببها عدة أسباب، فمن هذه الأسباب التي أدت إلى الوهم في حديث حماد بن سلمة أنه تغير في آخر عمره، تغير حفظه. ومن الأسباب التي أيضا وقعت لحماد بن سلمة أنه أراد أن يصنف حديثه، احتاج إلى أن يصنفه ويجعله -مثلا- مرتبا: أحاديث الفقه وحده، أحاديث العقيدة والتوحيد وحده، فنقل أحاديثه من الأجزاء إلى المصنفات، ونقل الظاهر من حفظه، لهذا وهم في أشياء كثيرة. ولهذا يقول الإمام أبو زكريا يحيى بن معين: إن من سمع من حماد من أجزائه فسماعه صحيح، ومن سمع من مصنفاته فسماعه غير صحيح -يعني غير صحيح- أي: فيها أوهام. وأيضا مما أخذ على حماد أنه كان يجمع أحيانا المشايخ الذين حدثوه دون أن يميز رواية أحدهم عن الآخر، فيقول -مثلا-: حدثنا قتادة وثابت وحميد. وفي الأصل تجد أن بعض الروايات لهؤلاء ليست على هذا السياق، إما مرسلة وإما بسياق آخر، فلهذا أخذ عليه هذا الأمر. ولكنه -كما قلنا- هو حافظ، وحفظ البصرة جمع حديثا كثيرا، احتاج الناس إليه. كان سفيان الثوري يأتي إلى البصرة لأجل حماد بن سلمة. قال: عن عمر بن دينار، عمر بن دينار هو الجمحي المكي، قال: عن نافع بن جبير بن مطعم، وهو سيد بن سيد رحمه الله. نافع بن جبير إمام وحافظ، محفظ للحديث، وصفه بذلك الإمام الذهبي رحمه الله. قال: عن نبيه -وهو جبير بن مطعم- الصحابي الجليل، وقد تقدمت ترجمته. قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر، فقال: «من يكلأنا الليلة، لا نرقد عن صلاة الفجر؟» -معنى: من سيكون يقيمنا ويوقظنا لصلاة الفجر، يحفظ علينا الصلاة- لأنهم سينامون في وقت متأخر، فقال بلال: أنا. فاستقبل مطلع الشمس، فضرب على آذانهم، فما أيقظهم إلا حر الشمس، فقاموا فعدلوها، ثم توضؤوا -عدل بلال- فصلوا الركعتين، ثم صلوا الفجر. قال شيخنا مقبل: هذا حديث صحيح، رجاله رجال الصحيح. وقد أخرجه النسائي، فقال: أخبرنا أبو عاصم، خشيش بن أصرم -وهو النسائي، وهو حافظ من حفاظ الحديث، خشيش بن أصرم- قال: حدثنا يحيى بن حسان -وهو التنيسي البكري البصري، أبو الحسن البصري، أو أقصد أبو زكريا البصري، وهو أصله شامي، لأن التنيسيين سكنوا الشام، إذا رأيت التنيسي فهو من أهل الشام، لكن بعضهم خرج من الشام، كيحيى بن حسان هذا، خرجوا من الشام وسكنوا البصرة- قال: حدثنا حماد بن سلمة به. قال: وأخرجه أبو يعلى بتحقيق رشاد الحق الأثري. طيب، الآن هذه القصة التي حصلت في هذا الحديث: كان النبي صلى الله عليه وسلم في سفر، فتأخروا في المشي، فعرسوا آخر الليل -عرسوا: يعني نزلوا لأجل أن يناموا، فنزلوا في آخر الليل- فلهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من يكلأنا الليلة، من يوقظنا لصلاة الفجر، ألا نرقد عن صلاة الفجر؟» فقال بلال: أنا. فاستقبل مطلع الشمس، فضرب على آذانهم -أنا استقبل مطلع الشمس ونام- وقوله: «ضرب على آذانهم»: أي ناموا حتى إنهم لا يسمعون شيئا من الصوت، كما ذكر الله عز وجل عن أصحاب الكهف: «فضرب على آذانهم في الكهف سنين عددا» -والمراد: أنهم ناموا حتى إنهم لا يسمعوا صوتا- قال: «فما أيقظهم إلا حر الشمس» -أنا لما طلعت الشمس استيقظوا- وهذه القصة حكاها غير واحد من الصحابة، جاءت في الصحيحين من حديث أبي قتادة، لكنها مختصرة، وجاءت أيضا في الصحيحين من حديث عمران بن حصين، وجاءت كذلك في مسلم من حديث أبي قتادة، ومن حديث عمران بن حصين، ومن حديث أبي هريرة، فكلهم حكوا مثل هذه القصة. وكذلك أخرج الإمام أبو داود عن عبد الله بن مسعود بسند صحيح، فقد ذكر هذه القصة عدة من الصحابة -يعني عندنا خمسة: جبير بن مطعم، وعمران بن حصين، وأبو قتادة، وعبد الله بن مسعود، وأبو هريرة- أولا كلهم ذكروا هذه القصة، لكن تجد في حكايتهم أو في حديثهم شيء من التغاير، ولم يصرح بهذه السفرة: من أين جاءوا أو أين ذهبوا؟ إلا في رواية أبي قتادة: في رواية أبي قتادة أنهم جاءوا من خيبر، وكذلك في رواية ابن مسعود: أنهم جاءوا من الحديبية. في رواية ابن مسعود: جاءوا من الحديبية. لهذا يقول بعض العلماء: إن هذه القصة الظاهر أنها متعددة، ليست قصة واحدة؛ لأن عمران يذكر أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان معه أبو بكر وعمر عندما قام، وأن الذي قام أولا أبو بكر، ثم الرابع عمر، فكان يكبر: «الله أكبر، الله أكبر»، حتى استيقظ النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن الصحابة ما كانوا يوقظون النبي صلى الله عليه وسلم خشية أن يكون يوحى إليه، فلهذا رفع صوته عمر بالتكبير حتى استيقظ النبي صلى الله عليه وسلم، هذا في رواية عمران بن حصين. وأما في رواية أبي قتادة: أنه استيقظ أول من استيقظ النبي صلى الله عليه وسلم، وأبو قتادة ذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يمشي ويميل عن راحلته، قال: «فجئته فكلما مال دفعته حتى يعتدل في راحلته، قال: ثم مشى فمال، فجئت إليه فعدلته» -معنى: دفعته حتى اعتدل، ثم إنه مال ميلة شديدة أكثر من تلك الميلات- معنى: أنه فيه نوم كثير، معنى: يريد أن ينام؛ لأنه متعب، جاءوا من خيبر أو جاءوا من الحديبية، وهم متعبون جدا، وجاء عليهم الليل وهم يمشون، قال: «فدفعته فاستيقظ، فقال: من هذا؟ فقلت: أبو قتادة، فقال: من متى وأنت في هذا المكان؟ قال: فقلت: منذ زمن، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: حفظك الله بما حفظت به نبيه». ثم ذكر القصة طويلة حصلت. وكذلك في حديث عمران الشاهد هنا: أن في حديث عمران أن الذي أوقظ النبي صلى الله عليه وسلم هو عمر -أنا بالتكبير بالتكبير- وفي حديث أبي قتادة: أن أبا بكر وعمر لم يكونوا معه، وإنما لما قام -لما استيقظ النبي صلى الله عليه وسلم أو لما دفعه أبو قتادة- فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي قتادة: «أين القوم؟ قال: لعلهم خلفنا، قال: فقلت: يا رسول الله، هذا راكب، ثم قلت: وهذا راكب»، قال: حتى اجتمعنا سبعة، ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم نام، وأدركهم بعد ذلك أبو بكر وعمر -أي: بعد أن استيقظوا- فتجد فيه مغايرة. ولهذا قال بعض العلماء: وكأن الحافظ أيضا يرجحه أن القصة مختلفة: قصة أبي قتادة، وقصة عمران. إلا أن عبد الله بن رباح الراوي عن أبي قتادة -عبد الله بن رباح الأنصاري- كان يروي هذه القصة في مسجد جامع البصرة، يروي هذه القصة عن أبي قتادة في مسجد جامع البصرة، وكان عمران بن حصين جالسا، فقال لعبد الله بن رباح: يا فتى، انظر ما تحدث، إني كنت في ذلك اليوم من الركب، فقلت: الحديث حديثك -أي قال عبد الله بن رباح للعمران: الحديث حديثك، أنت أثبت فيه؛ لأنك قد حضرت- لكن فقال عمران: من أين أنت؟ وقال فقلت: من الأنصار، فقال: فحدث إذن، فهذا حديثك؛ لأنه يحدث عن أبي قتادة، وأبو قتادة أنصاري، فقال له: فحدث إذن، فهذا حديثك. والله ما كنت أظن -يقول عمران بن حصين- والله ما كنت أظن أحدا حفظ تلك الليلة مثل ما حفظت -أنه رأى أن بقى قتادة أتى بالتفاصيل الأخرى أكثر من التي عنده- فهذا استدل به بعض العلماء على أن القصة واحدة، أن القصة واحدة. فلهذا فقد يكون باختلاف السياق أحيانا قد يكون -مثلا- يروي الواحد على معلمه، على معلمه من القصة، المهم أن هذه القصة فيها فوائد عظيمة. فيها أولا: أن الإنسان قد إذا تعب وغلبه النوم، ولو كان قبل الفجر، إذا غلبه النوم لا شيء عليه، لكن لا يتعمد ذلك، لا يتعمد هذا الأمر، فلن يرى أنه وقت صلاة وهو يرقد، أو قريب الصلاة -مثل ما يفعل بعض الشباب الآن- تجد يسهر الليل، فإذا بقي من الليل أو من صلاة الفجر ساعتين أو كذا، نعم، وضيع صلاة الفجر، فهذا لا شك أنه آثم، بل لو أن الإنسان كان يصلي الليل ثم يرقد ويضيع الفجر، فهو أيضا آثم، وهو مع أنه يصلي الليل، لكن صارت هذه صلاة الليل تضيع عليه صلاة الفجر، فهذا لا يجوز، هذا لا يجوز؛ لأن صلاة الليل سنة، والصلاة الفجر واجب. فلهذا هذا إذا كان في صلاة، فكيف إذا كان في لعب، فكان أيضا كذلك في كلام بذيء وغيبة ونميمة وغيرها من هذه الأشياء، يسهر على تلك الأشياء ثم يضيع صلاة الفجر، فهذا لا شك في أنه آثم؛ لأنه يتعمد هذه الأشياء. أما إنسان -مثلا- جاء من سفر، جاء -مثلا- حصل له ظرف، ذهب مستشفى أو ذهب مكان، ثم إنه رقد في آآية -معنى: غلبهم نوم فرقد- فمثلا ذهبت عليه صلاة الفجر، فهذا لا شيء عليه، لم يتعمد ذلك، وهو حريص على صلاة الفجر. فلهذا النبي صلى الله عليه وآله وسلم -من حرص عليه الصلاة والسلام، هو القدوة- قال: «من يكلأنا الليلة؟» لأنهم في آخر الليل، فقال بلال: أنا، أنا سأوقظكم لصلاة الفجر. فقال عمران بن حصين: فقام بلال يصلي، ثم إنه واجه الفجر -يعني حتى يرى الفجر- واجه ووقف على رحلته، وواجه الفجر حتى إذا طلع الفجر، رعاه، فنام، وهو مستند على ناقته، مستند على رحلته نام، جاءه النوم لكثرة التعب، فنام رضي الله عنه. فما أيقظه إلا حر الشمس، فقام النبي صلى الله عليه وسلم، وقال: «يا بلال، أما أوقظتنا؟» فقال: «يا رسول الله، قد أخذ من نفسي -بأبي وأمي- ما أخذ من نفسك»، على أنه أصابه -يقول: أصابني النوم- مثل ما أصابك يا رسول الله، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يضير»، لكن النبي صلى الله عليه وسلم قال لهم: «انطلقوا؛ فإن هذا مكان حضرنا فيه شيطان»، هذا المكان حضرنا فيه شيطان، فانطلق النبي صلى الله عليه وسلم حتى جاء إلى مكان آخر، فأمر بلالا يؤذن للفجر. ففيه: أن الفائتة يؤذن لها، أخذ العلماء من هذا الحديث: أن الفائتة يؤذن لها، أنه إذا كان -مثلا- جاسان جاء، ما صلى الفجر، أو مجموعة -مثلا- فاتت عليهم الفجر، أو ناموا وكذا، فجاءوا يصلون، فالأفضل أنهم يؤذنون لهذه الفائتة، ولو كان في غير وقتها، يؤذنون، ثم يقيمون الصلاة. فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بلالا يؤذن، ثم صلى ركعتين -صلوا ركعتين قبل الفجر- فيه محافظة النبي صلى الله عليه وسلم على هذه السنة حتى في السفر، كما قالت عائشة رضي الله عنها: «كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يصلي شيء من السنة في سفره إلا ما كان من الوتر وركعتين الفجر»، كما قالت رضي الله عنها. ثم إنه صلى الفجر بعد قام بلال، وصلى الفجر عليه الصلاة والسلام، فلهذا فاق العلماء -كما قلنا- من هذا الحديث فوائد كثيرة. وفيه -كما قلنا- أن من نام عن الصلاة فليصليها متى ذكرها، كما جاء في الحديث: «من نام عن صلاة ونسيها فليصلها متى ذكرها؛ فإن ذلك وقتها»، جاءت هناك عبارة في صحيح مسلم في الحديث بأبي قتادة: أنه قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ليس على من نام تفريط؛ لأنه لما ناموا انطلقوا يسيرا، فسمع النبي صلى الله عليه وسلم بعض القوم يقولون: فهل علينا كفارة في نومنا هذا؟» -معنى: كانوا يعتبون على أنفسهم أنهم ناموا عن الصلاة- فقال عليه الصلاة والسلام: «أما أنا لكم قدوة»، ثم قال عليه الصلاة والسلام: «فإنه ليس في النوم تفريط، وإنما التفريط لمن أخر الصلاة حتى يأتي وقت الأخرى، لمن أخر الصلاة حتى يأتي وقت الأخرى». فتبين هنا أنه قوله صلى الله عليه وسلم: «ليس في النوم تفريط»، فمن غلبه النوم ونام عن الصلاة، ليس فيه تفريط، فله أن يأتي به. ثم قال في هذا الحديث: «فإذا نام أحدكم فيصلي الصلاة، ثم يصلي مثلها من غد، ثم يصلي مثلها من غد»، هذه العبارة جاءت في حديث أبي قتادة في صحيح مسلم. وهذه العبارة لم يقل بها أحد من العلماء، مع أنها منتشرة بين العوام، أنا إذا -الآن مثلا- العوام أحيانا بعضهم إذا ترك صلاة الفجر -طيئ صلاة الفجر- ما يصليها، يصليها اليوم الثاني في وقت الفجر، ما يصليها. مع أن هذا القول لم يقل به الشافعي ولا غيره، فلهذا قال بعض العلماء: إن هذه الزيادة ظاهر أنها زيادة شاذة، زيادة غير صحيحة منتشرة. ولهذا وليس لهذا لم يقل بها أحد من العلماء، بل إن من: فاتته الصلاة يصليها متى ذكرها، لحديث: «من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها متى ذكرها؛ فإن ذلك وقتها». ففيه شيء من أحكام الصلاة الفائتة. قال: «ثم توضؤوا، فأذن بلال، فصلوا الركعتين، ثم صلوا الفجر». وهي أيضا -فعلا- لبرّ الله، كما ذكره عمران، وكذلك أبو مسعود، وأبو هريرة، وأبو قتادة، كلهم ذكروا ذلك. فهذا شيء من ما يذكر في هذا الحديث -إن شاء الله- وكفى بهذا، والله أعلم.

شاركنا على