الدرس في كتاب التفسير من صحيح البخاري 313، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح هذا المحور سبب نزول سورة الماعون في العاص بن وائل السهمي لجحده حق خباب بن الأرت واستهزائه بالبعث. كما يستعرض حلف الفضول وموقف النبي صلى الله منه مؤكداً على فساد أخلاق كبراء قريش في ظلم اليتامى والمساكين.
يفصل المحور معاني إضاعة الصلاة الثلاثة: تركها بالكلية، وتأخيرها عن وقتها، وصلاتها بغير خشوع مع وجوب أدائها في وقتها. ويبين معنى الماعون بأنه كل معروف وتعاون، وأن منعه من صفات المكذبين بالدين الدالة على البخل والأنانية.
يشير هذا المحور إلى إيراد الإمام البخاري لحديث ابن مسعود في صحيحه لتفسير آيات السورة مع ملاحظة سياق ذكره. ويوضح أن المناسبة العلمية تقتضي الاستشهاد به في هذا الموضع من التفسير.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أما بعد: قبل هذا، الشيخ أبو معاذ يعتذر عن الدرس العام والخاص. قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: سورة "أرأيت". هنا سماها البخاري "أرأيت"، والمشهور في المصاحف "سورة الماعون". فسمى سورة الماعون لذكر الماعون فيها: "ويمنعون الماعون". قال: قال ابن عيينة: ظهر في خطأ في بعض الرغايات. قول ابن عيينة هنا: "لإيلاف" لنعمة على قريش، هذا في سورة قريش، وليست في الماعون. وقال: وقال مجاهد: "يدعو" يدفع عن حقه. يقال: هو من "دفعت"، يدعون، يدفعون. أراد أن يفسر قول الله عز وجل: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ﴾، فذلك الذي يدعو اليتيم. أي: إذا أردت أن تعرف الذي يكذب بالدين، الكافر، تعرفه بغضته على اليتامى والمساكين، ويدفعهم، ويحتقرهم، ويتكبر عليهم، ولا يعطيهم حقهم. الذي إذا كان لهم حق، فيتكبر على الضعفاء. فهذا كانت قريش قبل مبعث النبي عليه الصلاة والسلام يفعلون هذا: فالضعيف لا يعطونه حقه، ولا أيضًا، بل يحتقرونه. ولهذا نزل قول الله جل وعلا: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ﴾. قول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ﴾. هذه الآيات نزلت في العاص بن وائل، وهو أبو عمرو بن العاص، العاص بن وائل السهمي. فإن خبابًا، فإن خباب بن الأرت رضي الله عنه كان له دين على العاص بن وائل، فجاءه يستدعي، معناه: يطلب منه هذا الدين، فأبى أن يعطيه، وكان يقول له: لا أعطيك حتى تكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم. فقال له خباب: والله لا أكفر حتى يميتك الله ثم يحييك ثم يبعثك. أنا ما سأكفر أبدًا، لكن أنت ستموت ثم يحييك الله عز وجل ويبعثك إليه، أي: سأقاضيك إذا في ذلك الوقت. فقال: ﴿وَقَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾. معناه: يقول: أيحييها الله عز وجل وهي صارت رمة؟ رمة: معناه تتفتت العظم إذا بلي وصار قديمًا في الشمس، وكذا أو أكله التراب يتفتت. فقال: فقام وقذ عظما ففته، وقال: يعيدها بعد أن رمت. فأنزل الله عز وجل: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ * قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾. فلهذا كانت قريش يفعلون هذا: كبراء قريش ما يعطون الناس حقهم. ولهذا الحلف الذي العقد، الحلف الذي العقد في بيت عبد الله بن جدعان، وحضره النبي عليه الصلاة والسلام مع عمومته. ذلك الحلف إنما لأجل نصرة المظلوم، لأجل نصرة المظلوم. فلهذا النبي عليه الصلاة والسلام قال: "لقد دعيت" أو "لقد حضرت مع عمومتي". وهذا الحديث جاء بسناد صحيح أو حسن في سيرة ابن إسحاق، وأخرجه البيهقي أيضًا بأسانيد تدل على صحته: أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: "لقد شهدت مع عمومتي حلفًا في بيت عبد الله بن جدعان، لو دعيت إليه في الإسلام لأجبت". قال: "لو دعيت إليه في الإسلام لأجبت، لأجبت". وهذا من باب أن هذا الحلف كان حلفًا عظيمًا، وإلا الإسلام قد جاء به. وإنما كان في ذلك الوقت عندما كان يهضم حق الضعيف، وأيضًا يهضم حق المظلوم. فلهذا اجتمع جماعة من قريش على أنهم سينصرون المظلوم، وإذا رأوا إنسانًا ظلم وأخذ حقه يقومون معه. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لقد شهدت مع عمومتي حلفًا في بيت عبد الله بن جدعان، لو دعيت إليه في الإسلام لأجبت". وهذا يدل كما قلنا على أن هذا الأمر متفشٍ كان في الجاهلية، خاصة قريش، وكبراء قريش، غالبهم أو غالبهم إلا من هداه الله عز وجل، عندهم كبر، وعندهم غطرسة، وأيضًا لأن الناس يعظمونهم لأنهم أهل الحرب. فلهذا تجدهم يحتقرون الناس، وإن كانوا أهل رأي وأيضًا أهل غلب، لكنهم بلوا بهذه الأشياء. فلهذا قال النبي عليه الصلاة... قال ربنا جل وعلا واصفًا مثل هؤلاء: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ * فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ﴾. أي: يدعو اليتيم، يدفعه عن حقه، يدفعه عن حقه. ليس أنه يريد منه شيئًا أو يسأله شيئًا ليس له، وإنما يسأله حقه: إما دينًا، وإما إرثًا، وإما أيضًا لشيء من هذه الأموال يكون له حق عند رجل من هؤلاء، فيدفعه، وأيضًا لا يعترف بحقه ويظلمه. فقال البخاري: "يدعون" أن "يدفعون". قال: "ساهون": أي لاهون. ﴿الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾. قال: لاهون. وجاء عن ابن عباس: مضيعون. وجاء أنه قال: أن الله عز وجل لم يقل "الذين هم في صلاة"، "الذين هم على صلاتهم ساهون"، وإنما قال: ﴿هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾، أي أنهم يضيعونها. وضياع الصلاة بما ذكر العلماء بثلاثة أنواع: أن الصلاة تضيع بثلاثة أشياء. إما بتركها بالكلية، ومعنى ما جاء في النصوص: فضياع الصلاة إما بتركها بالكلية، وهذا أعظم. والنبي عليه الصلاة والسلام قال: "من ترك الصلاة متعمدًا حتى يخرج وقتها فقد حبط عمله". أخرجه البخاري ومسلم عن ابن عمر. وجاء كذلك من حديث أبي هريرة، وجاء أيضًا كذلك عن بريدة بن الحصيب. وجاء في لفظ: "من فاتته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله". وجاء في صحيح مسلم في حديث بريدة: "من فاتته صلاة العصر فكأنما أوتر أهله وماله"، أو قال: "من فاتته صلاة العصر فقد حبط عمله". وفاتته: اختلف العلماء ما المراد. فبعضهم فسره على أنه تركها بالكلية، أي لم يصلها، وهذا المتبادر من الأدلة. ومنهم من فسرها أن فاتته بمعنى فات وقتها. المختار: فات وقتها. المختار: وهذا الذي رجحه الشيخ الإثيوبي محمد آدم الإثيوبي رحمة الله عليه. وإلا ظاهر الأدلة يدل على أن الفوات هنا المراد به تركها تعمدًا أو تركها بالكلية. فالضياع تكون بالترك بالكلية، وأيضًا كذلك الضياع تكون بتأخيرها عن وقتها. وهذا الذي فسرها ابن عباس في قول الله عز وجل: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ﴾. أضاعوها: أي أنهم صلوها في غير وقتهم. وكذلك في هذا في قوله: "ساهون". ﴿الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾. ولم يقل "في صلاتهم". أن لو قال "في صلاتهم" كما قال ابن عباس، لا كان المراد به الخشوع، عدم الخشوع. السهو في الصلاة المراد عدم الخشوع. لكن هنا قال: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾، أي: مضيعون ولاهون، يلهون عن الصلاة. كما قال الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾. فالضياع الثاني: والمراد أن يصليها في غير وقتها. وكما جاء في صحيح البخاري حديث الزهري: قال: دخلنا على أنس وقد صلينا الظهر، قال: فجئنا فإذا أنس يصلي العصر، فسلم، ثم قلنا: يا أبا حمزة، ما تصلي؟ قال: صليت العصر. ثم ثم بكى رضي الله عنه، وقال: ما أعرف فيكم شيئًا على ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. فقال له بعض من كان حضر: فقال: يا أبا حمزة، هذه الصلاة نصلي. قال: والصلاة قد ضيعتم. قال: والصلاة قد ضيعتم. أيضًا هذه الصلاة أيضًا أضعتمها: تصلونها في آخر وقتها، بل يميتون وقتها. كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "يكون عليكم أمراء يميتون الصلاة، يصلونها في غير وقتها". فقال: ماذا نفعل يا رسول الله؟ قال: "صلوا معهم". كما جاء أيضًا في عزية بيدر: "صلوا معهم"، أو "صلوا الصلاة في وقتها ثم صلوا معهم فهي لكم نافلة". أنا يصلي الرجل الصلاة في بيته يدرك الوقت ثم يصلي معهم لأجل الجماعة. وهذا دليل واضح على أن الإنسان لا يجوز له أن يفرق جماعة المسلمين، ولو كان هناك معصية، لا يجوز له أن يفرق جماعة المسلمين. فالنبي صلى الله عليه وسلم قال: "صلوا صلاة لوقتها مع أنها صلاة يصلونها في غير الوقت". فقال: "صلوا صلاة لوقتها ثم صلوا معهم فهي لكم نافلة". وهذا لا شك أنه من الأدلة التي تبين أن الإنسان لا يثير مثل هذه في الناس، ويقوم على الإيمان، ويقوم أيضًا يحدث الفتن. النبي صلى الله عليه وسلم قال: "صلوا معهم"، معناه: حتى يتقي جانبه، حتى لا تكون فتن. فقال هنا: "ساهون": إلهون. والماعون: المعروف كله. وقال بعض العرب: الماعون الماء. وقال عكرمة: أعلاها الزكاة المفروضة، وأدناها عارية المتاع. وجاء عن ابن مسعود أنه قال: الماعون هو مثل الفأس والقدر وغيرها مما يتداونه ويتعاون فيه أو يعيرونه الجيران. هذا ما عنده طست يريد طست أكبر لعجل، عنده ضيوف. هذا يريد فأس، هذا يريد مثلًا شيء من الأمور التي تداولها الناس، لا بأس فيه، هذا فهو ماعون. وبعضهم فسره بما هو أعم من هذا: وهو أن الرجل يقطع المعروف بينه وبين الناس. ولهذا قال: ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾. الماعون: كل معروف. هذا جزء منه: هذه العارية التي تعار بين الجيران وغيرهم، هذه جزء منه. لكن المراد به كل المعروف. فمن لم يتعاون مع الناس فهو فيه صفة من صفات أهل النار، الذي لا يتعاون مع الناس بل يبخل بما عنده ويشح به، فهذا فيه صفة من صفة أهل النار. هم الذين يمنعون الماعون ولا يعينون الناس مثل هذه الأمور. وأما من يفعل ويترك فهذا لا يدخل. قد يكون مثلًا يمنع إنسان شيئًا، مثلًا قدر منعه من جيرانه، هل يدخل في هذه الآية؟ فهذا محل نظر. يعني قد يكون مثلًا منعه لأجل أمر، مثلًا أمر ما، مثلًا أن جيرانه هؤلاء يأخذون المتاع ولا يأتون به، كلما أعطاهم شيئًا لم يأتوا به، مثل ما حصل في زمن النبي صلى الله عليه وسلم: أن امرأة جهنية كانت تأخذ المتاع وتجحده، تأخذ المتاع وتجحده. معناه: تأخذ متاع الجيران ثم يطالبونها: عندك كذا، تقول: ما عندي شيئًا، قد أعطيتكم، أي: أو ما عندي شيئًا. وهذا تجد في بعض الأماكن، تجد أيضًا من هذا الخلق: يأخذ من الناس ثم ينكر أنه أخذ. فهذا ليس من صفات أهل الإيمان. فلهذا أيضًا لا ينبغي مثلًا إذا منع الإنسان لأجل مثل هذا، قد يكون أحيانًا معذورًا ولا يدخل في هذه الآية. لكن من كان طبعه كذلك فهو داخل لا شك في هذه الآية. من كان طبعه كذلك أنه لا يعطي الناس، إما لبخل فيه، أو طمع، أو أنانية، فقط يريد أن يأخذ من الناس ولا يريد أن يعطي، فهذا داخل في هذه الآية: ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾. فخلاصة هذه الآية أو هذه السورة: أن الله عز وجل يبين صفات أهل الكفر، ومن كان مثله أو من كان يتشبه بهم، فإن كان من المسلمين فهم متشبه بالكفار. فهذه الصفات: قال: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ﴾، فذلك... من هذا فذلك الذي: أولاً يدعو اليتيم، يدفعه، ولا يعطيه حقه. ﴿وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾: لا يطع المسكين، ولا أيضًا كذلك يعين في ذلك، بل يحارب هؤلاء المساكين ويدفعهم. كذلك ولا يحض على طعام المسكين. ثم قال الله عز وجل: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ * الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ * وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾. فهذه صفات، صفات أهل التكذيب الذين يكذبون بكتاب الله ويكذبون بالدين. وليست، وليست من صفات أهل الإسلام. لكن من وجد فيه من هذه الصفات وهو مسلم فهو متشبه بالكفار، وهو متشبه بالكفار. مثل ما ذكرنا قبل: أن الرجل قد يكون مؤمنًا لكنه عنده شعبة من شعب الكفر، أو شعبة من شعب الكفر. والعكس كذلك: قد يكون كافرًا وعنده أيضًا شعبة من شعب الإيمان، لكن لا تنفع. فهذا المقصود من هذا ما ذكره المؤلف رحمه الله هنا في تفسير هذه الآية. ولم يذكر فيها حديثًا. ومعنى: الإمام البخاري قد ذكر حديث ابن مسعود في صحيحه، وهو قوله في تفسير هذه الآية: الفأس والدلو وغيرها، مع أنه أخرجه، لكن ما ذكره هنا، والله أعلم لماذا لم يذكره هنا. فالمناسبة أنه يذكره هنا. طيب، نكتفي بهذا والله تعالى. ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر