الدرس في كتاب التفسير من صحيح البخاري 216، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يتناول المحور تعريف سورة الحشر بأنها سورة مدنية نزلت في بني النضير، مع ذكر أصول القبيلة اليهودية ونزوحهم إلى المدينة وحلفهم مع الأنصار وعهدهم مع النبي صلى الله عليه وسلم، ثم يوضح سبب جلائهم وهو طلب النبي منهم التعاون في دفع دية رجلين من بني عامر قتلهما عمرو بن أمية الضمري خطأ، مما أدى إلى نقضهم للعهد وإجلائهم.
يسرد المحور تآمر بني النضير على قتل النبي صلى الله عليه وسلم بإلقاء حجر عليه، وإخبار جبريل عليه السلام للنبي بذلك، فحاصرهم وأجلاهم على أن يأخذوا ما حملت ظهورهم، فتفرقوا بين أريحا وخيبر، وأخرجهم عمر رضي الله عنه من خيبر لاحقاً، وكانت خيانتهم بعد خيانية بني قينقاع وقبل بني قريظة، ونزلت في شأنهم سورة الحشر.
يذكر المحور رواية عن ابن عباس رضي الله عنهما أن سورة التوبة تسمى الفاضحة لفضحها المنافقين، وسورة الأنفال نزلت في غزوة بدر، وسورة الحشر تسمى سورة بني النضير لنزولها في شأنهم، مع ذكر خلاف في تسمية سورة الحشر بين الصحابة والمصاحف العثمانية.
يشير المحور إلى قبيلة بني النضير في سياق ما يذكره الله تعالى عنهم، ويبين أن النص المعروض هو ترجمة للباحثة نانسي قنقر.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال الإمام البخاري رحمه الله: سورة الحشر. قال: والجلاء الإخراج من أرض إلى أرض. سورة الحشر: هذه سورة سميت هكذا في المصاحف، وتسمى أيضًا سورة بني النضير، كما سيأتي في كتاب العباس. وهذه السورة من السور المدنية باتفاق العلماء، سورة مدنية نزلت في أولها في بني النضير. وبنو النضير هم قوم من اليهود، هم من سلالة نبي الله هارون، ويقال أن هارون الذي ينتسبون إليه ليس هو أخو موسى، وإنما آخر الذي يقال إنه كان يقال له الكاهن، وفهم من بني إسرائيل. ويقال سبب إتيانهم إلى المدينة: فذكر بعض بني إسرائيل أن هذه القبائل، خاصة بني النضير وبني قريظة، كانوا مع موسى لما دخل بيت المقدس أو أراد أن يدخل بيت المقدس، وأمرهم أن يدخلوا فلم يدخلوا. فلما توفي موسى عليه السلام رجعوا إلى أريحا، وأريحا بلدهم بالشام، فطردوهم قومهم، قالوا: أنتم خالفتم نبي الله، فهو أراد منكم أن تدخلوا بيت المقدس فلم تدخلوا، فلا بقاء لكم عندنا. فخرجوا حتى أتوا إلى المدينة، فسكنوا فيها، وكان منهم من أهل الأموال ككعب بن الأشرف وسلام بن أبي الحقيق وغيره. ومنهم من قال: إنهم جاءوا إلى المدينة عندما أخرجهم النصارى وطردوهم من الشام، فإن قيصر لما استولى على الفرس، ولما هزم الفرس واستولى مرة أخرى على الشام بعد أن أخذها الفرس، فإنه طرد اليهود منها لأنهم كانوا يعاونون الفرس على النصارى، فلذلك طردهم منها، أي طرد اليهود من الشام، وكانوا يطاردونهم حتى جاءوا إلى اليمن، وكذلك منهم من جلس في المدينة، والله أعلم. المهم أن هؤلاء جاءوا وحالفوا الأنصار في المدينة، وجلسوا معهم. ولما جاء النبي عليه الصلاة والسلام إلى المدينة صالحهم وجعل معهم عهدًا حتى يأمنهم، لكنهم ليسوا أهل أمان، فلذلك نقضوا العهد. وكان في معنى: أكثر أهل السير يقولون أنه كان في السنة الرابعة من الهجرة، لما أرسل النبي صلى الله عليه وسلم القراء إلى بعض قبائل العرب فقتلوهم، فكان عمرو بن أمية الضمري منهم، فخرج أو هرب، فوجد رجلين من بني عامر، وبني عامر قد حالفوا النبي عليه الصلاة والسلام وهو لا يدري، فقتلهما يظن أنهما من المشركين. فأراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يؤدي هذين لبني عامر حتى لا يكون قد غدر بهم النبي عليه الصلاة والسلام أو يظنون ذلك، فأراد أن يؤديهما، يعطيهما الدية، فاستعان ببني النضير، وكلمهم، وجاء إليهم. هكذا ذكر ابن إسحاق عن بعض الأنصار أن سبب جلا بني النضير هذا الطلب: كان النبي صلى الله عليه وسلم يريد منهم أن يعاونوه في سداد دين أو سداد دية الرجلين من بني عامر. فلما رأوا النبي عليه الصلاة والسلام عندهم، وكان عند بيت حيي بن أخطب أو ياسر أخيه، فقال حيي أو غيره: لو أن أحدًا منا طلع إلى سطح البيت وألقى عليه حجرًا كبيرًا فيهلك، وننتهي من ذلك. فقال أحدهم: أنا سأفعل ذلك. فأرسل الله عز وجل جبريل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبره بالخبر، فخرج النبي عليه الصلاة والسلام من عند بني النضير، وأرسل إلى المندر بن الحباب، وكان حليفًا لهم، أرسل إليه أنه يخبرهم بالجلاء وأنهم يذهبون لأنهم قد غدروا، وأرادوا أن يقتلوا النبي عليه الصلاة والسلام. فجاء إليهم المندر بن الحباب وأخبرهم بذلك، فعاندوا أن يخرجوا. فجاء النبي صلى الله عليه وسلم وحاصر حصنهم حتى خضعوا للنبي عليه الصلاة والسلام، فأمرهم أن يخرجوا وما حملت ظهورهم فقط، يأخذون ما حملت ظهورهم. فتفرقوا: فمنهم من رجع إلى أريحا بلدهم التي جاءوا منها في الشام، ومنهم من ذهب إلى خيبر وهم القلة، ومنهم يحيى، ومنهم حيي بن أخطب والد صفية بنت حيي زوجة النبي عليه الصلاة والسلام، فذهبوا إلى خيبر وبقوا بعضهم في خيبر، لكن أكثرهم ذهبوا إلى أريحا، ومنهم من ذهب إلى غيرها من القرى. ثم أجلاهم بعد ذلك عمر من خيبر. والنبي عليه الصلاة والسلام قال لهم بعد غزوة خيبر: «نُقركم فيها ما نشاء، نُقركم فيها ما نشاء، أنا إذا متى ما أردنا أن نخرجكم أخرجناكم». فأخرجهم عمر رضي الله عنه بعد ذلك. فهذه قصة بني النضير الذين غدروا بالنبي عليه الصلاة والسلام، فذكر الله عز وجل في طليعة سورة الحشر هذه القصة التي حصلت من هؤلاء اليهود. وكان غدر بني النضير بعد غدر بني قينقاع، أول من غدر هم قبيلة الصحابي الجليل عبد الله بن سلام، وهم بنو قينقاع، هم أول من غدروا، فأخرجهم نبي صلى الله عليه وسلم، ثم غدرت بنو النضير، ثم بعد ذلك بعد الأحزاب في السنة الخامسة غدرت بنو قريظة. قال رحمه الله: وأما آيات سورة الحشر فقد اتفقوا عليها. قال: باب. حدثنا محمد بن عبد الرحيم، ومحمد بن عبد الرحيم هو الذي يلقب بصاعقة، أبو يحيى البغدادي، وهو إمام من أئمة المسلمين، وحافظ محفوظ، وهو يعتبر من زملاء البخاري، ليس هو أكبر من البخاري، بل البخاري أكبر منه، لكنه كان يروي عنه لحفظه. قال: حدثنا سعيد بن سليمان، الذي قال له سعدويه. وسعيد بن سليمان رازي، حافظ كبير من حفاظ الحديث، وما ذكر في ترجمته وما قاله الإمام الدارقطني أنهم تكلموا فيه، إنما تكلم فيه أحمد لأجل أنه أجاب في الفتنة، وضرب على حديثه الإمام أحمد. وقال أبو علي صالح جزرة: قيل لسعيد بن سليمان: ماذا فعلتم في الفتنة؟ قال: كفرنا ورجعنا. يعني قال: كفرنا، أي أجبنا على هذا الكفر، ثم رجعنا وتبنا، فقال: كفرنا ورجعنا. قال: حدثنا هشيم، هشيم بن بشير الواسطي، يقال أن كنيته أبو معاوية، وهو واسطي من واسط، وواسط كما قلنا بين البصرة والكوفة التي بناها الحجاج. قال: أخبرنا أبو بشر، أنسى، أبو بشر هو جعفر بن أبي وحشية، وهو كوفي. قال: عن سعيد بن جبير، هو أبو محمد الكاهل. قال: قلت لابن عباس: سورة التوبة؟ قال: التوبة هي الفاضحة، ما زالت تنزل: ﴿وَمِنْهُمْ﴾ و﴿مِنْهُمْ﴾ حتى ظنوا أنها لم تبق أحدًا منهم إلا ذكر فيها. يعني يريد ابن عباس أنها تسمى الفاضحة لهذا، من تسميات سورة التوبة الفاضحة، سماها ابن عباس لأنها فضحت المنافقين. وأكثر سورة فضح المنافقين فيها هي سورة التوبة، وهي من آخر ما نزل من القرآن على رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل صرح بعض السلف كمجاهد وغيره أنها آخر سورة، وقيل أنها نزلت بعدها ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ﴾. قال: حتى ظنوا أنها لم تبق أحدًا منهم إلا ذكر فيها. قال: قلت: سورة الأنفال؟ قال: نزلت في بدر، يعني نزولها أو آياتها في سورة بدر، أقصد في غزوة بدر. قال: قلت: سورة الحشر؟ قال: نزلت في بني النضير. قال: حدثنا حسن بن مدرك، قال: حدثنا يحيى بن حماد، وهو النرسي، قال: أخبرنا أبو عوانة، وهو وطاح بن عبد الله اليشكري، عن أبي بشر، عن سعيد، قال: قلت لابن عباس رضي الله عنهما: سورة الحشر؟ قال: قل سورة بني النضير. وهنا قوله: «قل سورة بني النضير»، الظاهر والله أعلم كما ذكر بعض أهل التفسير أنه أراد ابن عباس رضي الله عنه أيضًا أنها تسمى ببني النضير، وإلا لم ينكر أحد تسميتها بالحشر، أن الله عز وجل ذكر حشر بني النضير لأول الحشر، أي في حشرهم، في حشر بني النضير وذهابهم من قريتهم، من قريتهم التي كانوا يسمونها الزهراء، أن هذه القرية التي كانوا في المدينة فيها تسمى الزهراء، وهم الذين سموها، والله أعلم أن لا زالت بهذا الاسم أو أنه قد ذهب عنها هذا الاسم. فقال ابن عباس: «قل سورة بني النضير»، أي أنها تسمى ببني النضير. أما ما قال الحافظ هنا، كأنه كره تسميتها بالحشر لأن لا يظن أن المراد بالحشر يوم القيامة، وإنما المراد به هنا إخراج بني النضير. فرده بعض أهل العلم لأن سورة الحشر هي أشهر من بني النضير، وجاء حديث عند الترمذي، إخراج، والترمذي أن النبي صلى الله عليه وسلم سماها سورة الحشر، لكن الحديث في صحته نظر، لكن اشتهر في المصاحف، وعلى أيضًا معنى ما سطره الصحابة رضي الله عنهم في عهد عثمان وفي مصحف عثمان أنها سورة الحشر، فلذلك فهي تسمى سورة الحشر وتسمى سورة بني النضير. هذا ما يذكر الله تعالى ترجمة نانسي قنقر.