الدرس في كتاب التفسير من صحيح البخاري 218، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يذكر الإمام البخاري حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه في أموال بني النظير، وأنها فيء خاص لرسول الله صلى الله عليه وسلم لم يوجف عليها المسلمون بخيل ولا ركاب. فكان ينفق على أهله منها نفقة سنتهم، ويجعل الباقي في السلاح والكراع عدة في سبيل الله.
يشرح المقطع الفرق بين الفيء الذي يُحصل دون قتال والغنيمة التي تكون بعد حرب، ويبين مصارف الفيء الواردة في سورة الحشر لله وللرسول ولذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل. ويوضح أن نصيب النبي صلى الله عليه وسلم من الفيء يعود للحاكم المسلم بعده لأن الأنبياء لا يورثون، وأن ما كان لله ولرسوله مردود على المسلمين في مصالحهم العامة.
كانت أموال بني النضير فيئًا للمسلمين لأنهم استسلموا دون قتال، فاختص بها النبي صلى الله عليه وسلم وصرفها على أهله نفقة سنة. وهذا جائز ولا ينافي التوكل على الله، وقد قسم الله الفيء في الآية على أصناف مخصوصين غير الغنيمة.
يوضح المقطع أن ما يتبقى من المال يُصرف في اقتناء السلاح والكراع كعدة للجهاد في سبيل الله، أي لتجهيز أمور الحرب. ويشير المتحدث إلى أن هذا التوجيه مذكور في القرآن الكريم، مع إقراره بعدم العلم بتفاصيله الدقيقة.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: باب قوله جل وعلا: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾. قال: حدثنا علي بن عبد الله، وهو ابن المديني، أبو الحسن علي بن عبد الله بن جعفر ابن المديني البغدادي، الإمام، كان إمامًا في العلم كما قال الإمام أحمد: كأن الله خلقه لهذا الشأن. قال: حدثنا سفيان، وهو ابن عيينة. أن علي بن عبد الله لم يروي عن سفيان الثوري، لكن روى كثيرًا عن سفيان بن عيينة، وكان سفيان يقول: يلومونني على علي، وأنا أستفيد منه أكثر مما يستفيد مني. والمراد: يستفيد منه، أي يستفيد منه اختلافات الحديث، وكذلك أيضًا ما عند غيره من الحديث عن الزهري وعن غيره، فكان رحمه الله يستفيد منه في مثل هذه الأمور. وكذلك أيضًا كان يحيى بن سعيد يقول في علي بن المديني: أنا أستفيد منه أكثر مما يستفيد مني، ويريدون من باب التواضع، ثم أيضًا أنهم يستفيدون منه اختلاف الحديث لأن عليًا كان مطلعًا على روايات الحديث. وأيضًا قد يأخذ الحديث عن مشايخ كثر فيذكر له، كما كان يقول لسفيان: خالفك معمر، خالفك مالك، خالفك كذا في هذا الحديث، وكان يقول سفيان: إما أن يرجع، أو يقول: سمعت من الزهري هكذا. وهذا تجده في أكثر من حديث. قال: حدثنا سفيان غير مرة عن عمر عن الزهري، أنا آخذه عن عمر بن دينار عن الزهري، قال: عن مالك بن أوس بن الحدثان، وهو تابعي ثقة من أصحاب عمر، وقيل أنه كان ممن يكتب عند عمر، أي في الديوان. قال: عن عمر رضي الله عنه، قال: كانت أموال بني النظير مما فاء الله على رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، مما لم يوجف المسلمون عليه بخيل ولا ركاب، فكانت لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خاصة، ينفق على أهله منها نفقة سنته، ثم يجعل ما بقي في السلاح والكراع عدة في سبيل الله. فهذا الحديث يبين أموال الفيء، وكذلك أين تنفق وأين تؤخذ هذه الأموال. فربنا جل وعلا قال في هذه الآية في سورة الحشر: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ﴾. أن هذا الفيء أخذ ليس بحرب، وليس بقوة جهود الجيوش، وإنما بالاستسلام، أن ليس هناك حرب حصلت، وإنما استسلم أهل هذا البلد وطلبوا الصلح، فطلبهم هذا للصلح فالأموال التي أخذها المسلمون تعتبر فيئًا، بخلاف الغنيمة. الغنيمة تكون بعد حرب، وتقسيم الغنيمة غير تقسيم الفيء. فلهذا قال الله عز وجل بعد هذه الآية: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾. فهذا الفيء يصرف في هذه المصارف، يصرف في هذه المصارف التي ذكر الله عز وجل، ومنها أنه يصرف لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ﴾، فلله: أي أنه يبقى للمسلمين صدقة، أي في بيت مال المسلمين. وما كان لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فهو خاص به، فهو خاص برسول الله صلوات الله وسلامه عليه. وهل هذا المال الخاص يكون لأهله بعده؟ ليس كذلك، وإنما يكون للحاكم وخليفة المسلمين يتصرف فيه. لأن النبي عليه الصلاة والسلام قد ذكر أن الأنبياء لا يورثون شيئًا لأهليهم، وإنما قال: «ما تركناه صدقة»، لما جاء في حديث أبي بكر رضي الله عنه، أخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن الأنبياء ما تركوه صدقة» عما يكون لإرث. فلهذا كان هذا الفيء أو ما يتحصل من الفيء يكون للحاكم المسلم يتصرف فيه. وأيضًا كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «وما كان لله ولرسوله فهو رد عليكم»، فعن حتى ما حصل من الفيء فهو مردود أيضًا على المسلمين. ولهذا النبي عليه الصلاة والسلام، في هذا، يقول عمر: أن هذه الأموال خاصة للنبي عليه الصلاة والسلام، أي أنها اختص بها النبي صلى الله عليه وسلم في نفقته ونفقة عياله، فكان يجعل ما كان خاصًا به صلوات الله وسلامه عليه يجعله لأهله ولأزواجه، وما كان أيضًا من هذا المال الذي يكون للصدقة فيجعله في السلاح والكراع، أن يجعله في أمور الحرب، أن يجهز السلاح التي تكون يحتاجها المسلمون في الحرب. فقال عمر رضي الله عنه: كانت أموال بني النظير مما أفاء الله على رسوله. وقد ذكرنا قصة بني النظير، وكيف أرادوا أن يغتالوا النبي عليه الصلاة والسلام، ومعنى هذا نقض للعهد، لأن النبي صلى الله عليه وسلم صالحهم، صالحهم على عدم القتال بينه وبينهم، فأمن جانبهم، لكنهم غدروا وأرادوا أن يقتلوا النبي عليه الصلاة والسلام، كما قد ذكرنا القصة التي ذكرها ابن إسحاق وغيره، وإن كان فيها شيء من الإعضال أو الإرسال، لكن بعضها قد جاء بإسناد صحيح، واغتيالهم أيضًا للنبي عليه الصلاة والسلام صحيحًا. فلهذا أمر النبي عليه الصلاة والسلام، أو أمرهم أنهم إما أن يخرجوا وإما أنه سيحاربهم، ثم حاصرهم فتمنعوا، ثم بعد ذلك استسلموا، فكانت أموالهم فيئًا لأنهم لم تكن عن حرب، وإنما استسلموا وطلبوا الصلح، فكانت أموالهم فيئًا للمسلمين. ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾. فقال عمر رضي الله عنه: كانت أموال بني النظير مما أفاء الله على رسوله، مما لم يوجف المسلمون عليه بخيل ولا ركاب، أنه ليست هناك حرب، لأنه لو كانت حرب ستكون غنيمة. وأما أموال الغنيمة فالظاهر أن النبي عليه الصلاة والسلام يجعلها للمسلمين، أموال الغنيمة يجعلها للمسلمين، فأولًا يخرج الصدقة، خمس من هذا المال من أموال الغنيمة، يخمسها أخماسًا فيخرج صدقة لله ولرسوله، ثم بعد ذلك يقسم الأربعة الأخماس في الجيش. وأما هذا الفيء فلا يرجع إلى الجيش، وإنما يرجع إلى من ذكرهم الله عز وجل. قال: فكانت لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خاصة، ينفق على أهله منها نفقة سنة. وهذا فيه جواز أن الإنسان يضع مالًا يجعله لأهله، ولو كان نفقة سنة أو أكثر، وهذا لا ينافي التوكل على الله عز وجل، لا ينافي التوكل، وإنما هذا الأمر لأجل أن يسكن من هذا الجانب الذي هو جانب النفقة، حتى لا ينشغل به، حتى لا ينشغل بنفقة أهله وعياله، فيكون النفقة موجودة، وأيضًا ما يأكلون موجود عندهم، فإذا تيسر الإنسان شيئًا من هذا فلا بأس أنه يضع لأهله ما يكون لهم تلك المدة أو أكثر. قال: ثم يجعل ما بقي في السلاح والكراع عدة في سبيل الله، أي يجعله في أمور الحرب. طيب، هذا ما يذكر الله تعالى، لا أعلم.