الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 281، ألقاها
يتناول المقطع شرحه لحديث يرويه أسامة بن زيد عن النبي صلى الله عليه وسلم حينما تعرض للإساءة من عبد الله بن أبي بن سلول، ويناقش الإمام البخاري مسألة مناداة المشرك بالكنية وهل هي تشريف له أم لا. يشرح جواز تكنية المشرك إذا قصد منها التأليف.
المقطع يبين أن النبي صلى الله عليه وسلم كنّى عبد الله بن أبي بن سلول المشرك للتأليف، وكنّى أيضا صبيا صغيرا يسمى أبا عمير، مما يدل على جواز تكنية الصغير.
يذكر هذا الباب جواز تكنية الصبي الصغير، كما يجوز تكنية الشخص وإن لم يولد له ولد، واستدل على ذلك بحديث أنس وأثر إبراهيم النخعي، وكان ذلك شائعا بين الصحابة رضي الله عنهم.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام البخاري رحمه الله في كتابه "الأدب المفرد"، باب هل يكنى المشرك؟ قال: حدثنا عبد الله بن صالح، قال: حدثني الليث، قال: حدثني عقيل، عن ابن شهاب، عن عروة، عن الزبير، أن أسامة بن زيد أخبره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى مجلسا فيه عبد الله بن أبي بن سلول، وذلك قبل أن يسلم عبد الله بن أبي، فقال: لا تؤذونا في مجلسنا. وفي رواية في الصحيحين: "لا تؤذونا"، قال: لا تؤذونا في مجلسنا. فدخل النبي صلى الله عليه وسلم على سعد بن عبادة، فقال: أي سعد، ألا تسمع ما يقول أبو حباب -يريد عبد الله بن أبي بن سلول-. هذه الترجمة بوب بها الإمام البخاري رحمه الله بقوله: "باب هل يكنى المشرك؟" والكنية كما مر معنا أنه يقصد منها تكريم الشخص، يقصد منها تكريم الشخص بذكر كنيته، وكذلك رفع منزلته. فهل يكنى المشرك؟ لأن في الكنية رفعا من شأنه وإكراما له، والمشرك كافر. فذكر حديث أسامة بن زيد أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى مجلسا فيه عبد الله بن أبي بن سلول، كان جالسا مع جماعة من قومه، فلما أتى إليه النبي عليه الصلاة والسلام، قال: لا تؤذونا في مجلسنا. وفي رواية في الصحيحين أنه قال للنبي عليه الصلاة والسلام: ارجع إلى رحلك، فمن جاءك منا فاقصص عليه. ارجع إلى رحلك، فمن جاءك منا فاقصص عليه. وهذا لا شك أنه إساءة إلى النبي عليه الصلاة والسلام. ومع ذلك دخل النبي عليه الصلاة والسلام على سعد بن عبادة، وهو يشكو إليه ما فعله عبد الله بن أبي، فقال: أي سعد، ألا تسمع ما يقول أبو حباب؟ فذكره النبي صلى الله عليه وسلم بكنيته، ذكر عبد الله بن أبي بكنيته، قال: يريد عبد الله بن أبي بن سلول. ففي هذا الحديث دليل على جواز تكنية المشرك، جواز تكنية المشرك إذا قصد منها التأليف، إذا قصد منها التأليف أن يؤلف ويرغب للدخول في الإسلام. فمن التأليف أن يذكر بكنيته، أن يذكر بكنيته. وقد روي عن علي وابن عباس في قول الله جل وعلا لموسى وهارون: "فقولا له قولا لينا"، روي عنهم أنهم قالوا: أو أنهما قال: يكنيه، أنهما قال: يكنيه. فإذا كان ذكر المشرك بكنيته من باب التأليف، أو كذلك إذا كان لا يعرف إلا بكنيته، كأن يكون قد اشتهر بها، فيجوز حينئذ أن يكنى. وأما إن لم يقصد ذلك، فإنه في الأصل لا يجوز أن يكنى؛ لأنه كافر، والكافر لا كرامة له. لكن إذا قصد هذا القصد فيجوز. فالنبي صلى الله عليه وسلم ذكره بكنيته من باب التأليف له؛ لأنه وإن لم يكن ذلك مباشر له، فإنه سيبلغه أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكره بكنيته، فيكون في ذلك تأليفا له. قال: باب الكنية للصبي. قال: حدثنا موسى بن إسماعيل، قال: حدثنا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس، قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يدخل علينا، ولي أخ صغير يكنى أبا عمير، وكان له نغر يلعب به، فمات، فدخل النبي صلى الله عليه وسلم فرآه حزينا، فقال: ما شأنه؟ قيل له: مات نغره -يعني طائره الذي يلعب به- قال: "يا أبا عمير، ما فعل النغير؟". هذا الباب، باب الكنية للصبي، أراد رحمه الله ذكر جواز تكنية الصبي، جواز تكنية الصبي، أن يكنى الصغير، ولا بأس أن يكون له كنية؛ لأن الكنية فيها إكرام للشخص ورفع من منزلته، ويتدخل السرور على المكنى إذا ذكر بكنيته، فإنه يفرح ويسر بذلك. فلأجل ذلك يجوز، وكذلك يسن أن يكنى الصغير. فذكر حديث أنس رضي الله تعالى عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام دخل عليهم -يعني على أهل بيته- وله أخ -أي لأنس أخ صغير- يكنى أبا عمير، وكان له نغر -يعني طائر- يلعب به، وأن النغر -قال أهل اللغة- هو طائر أحمر المنقار. فمات هذا الطائر، فرآه النبي عليه الصلاة والسلام حزينا، فقال: "يا أبا عمير، ما فعل النغير؟" فذكره النبي صلى الله عليه وسلم بكنيته، فدل ذلك على جواز تكنية الصغير. قال: باب الكنية قبل أن يولد له. قال: حدثنا أبو نعيم، قال: حدثنا سفيان، عن مغيرة، عن إبراهيم، أن عبد الله -كنا علقمة- أبا شبل، ولم يولد له. قال: وحدثنا عارم، قال: حدثنا سليمان -الأعمش- عن إبراهيم، عن علقمة، قال: كناني عبد الله قبل أن يولد لي. هذا الباب، باب الكنية قبل أن يولد له، يعني يجوز أن يكنى الإنسان وإن لم يكن له ولد، يجوز أن يكنى وإن لم يكن له ولد، سواء كان متزوجا أو غير متزوج، فيجوز أن يكنى. وكان ذلك من عادة العرب أنها تكني الإنسان وإن لم يكن له ولد. كما قال الشاعر: "أكنيه عمرا وليس له عمر". فيجوز تكنية الإنسان إن لم يولد له. فذكر رحمه الله هنا أثر إبراهيم النخعي، قال: إن عبد الله -كنا علقمة- أبا شبل، ولم يولد له. وعلقمة هو ابن قيس النخعي، علقمة ابن قيس النخعي، وهو خال إبراهيم النخعي، خاله. وذكر في ترجمته -أي في ترجمة علقمة- أنه كان عقيما، أنه كان عقيما، ومع ذلك كناه عبد الله بن مسعود بهذه الكنية: أبا شبل. فدل ذلك على جواز تكنية الإنسان وإن لم يولد له. وقد تكنى كثير من الصحابة رضي الله تعالى عنهم بكنى ولم يولد لهم. وهذا أمر جائز.