الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 265، ألقاها
نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن تسمية العنب بالكرم لأن الكرم مرتبط بكثرة المنافع والخير، والمسلم أولى بهذه التسمية. كما أن النهي يتعلق بتجنب الارتباط بالخمر التي كانت تسمى بالكرم.
يناقش استخدام ألفاظ مثل 'ويلك' و'ويحك' في التحذير والتنبيه، ويوضح معانيها وجواز استخدامها لتنبيه الشخص أو تخويفه دون قصد المعنى الحرفي لها.
يبيح الإسلام الشعر الطيب مثل التوحيد والعقيدة، وأثنى النبي على شعر حسان بن ثابت وأمية بن أبي الصلت لما فيه من معاني طيبة.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمدٍ على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام البخاري رحمه الله في كتابه الأذب المفرد، باب لا تسموا العنب الكرم، قال: حدثنا آدم، قال: حدثنا شعبة، عن سماك، عن علقمة من وائل، عن النبي صلى الله عليه وسلم. هكذا عندي في هذه النسخة، والصواب: عن علقمة بن وائل، عن أبيه، كما في صحيح الإمام مسلم، قال: عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يقولن أحدكم الكرم، وقولوا الحبلة»، يعني العنب. والحديث في صحيح الإمام مسلم. قال رحمه الله: باب لا تسموا العنب الكرم، والكرم، الكرم أخوذ من الكرم، وهو كثرة المنافع والخير، فهذه التسمية أولى من يسمى بها المسلم، لكثرة خيره ومنافعه، لكثرة خيره ومنافعه. فنهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يسمى العنب الكرم، وقال: الكرم المسلم، المسلم هو أولى بهذه التسمية. وإنما قولوا الحبلة، قولوا الحبلة، والحبلة معناها أصل الشجرة، أصلها. فأرشد النبي صلى الله عليه وسلم إلى تسمية العنب بأصوله، إلى تسميته بأصوله. وذكر الإمام النووي رحمه الله أن من أسباب كراهة تسمية العنب الكرم أن العرب، كما أنها تسمي العنب الكرم، فكذلك تسمي الخمر، والخمر تصنع من العنب، والخمر تصنع من العنب، وهم يجعلون سقاية الخمر وتقديمه من الكرم والسخاء. فنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك، حتى إذا ذكر اسم الكرم، لربما تتهيج النفوس إلى الخمر التي كانت تسمى بذلك من قبل. فلأجل ذلك نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن تسمى العنب الكرم، وقال: الكرم المسلم. والمراد كما قلنا بهذا النهي هو استعمال اللفظ الأولى، يعني الأولى أن يسمى بهذا الاسم هو المسلم، وليس معناه أن العنب ليس فيه كرم، وليس فيه منافع، بل فيه منافع وفيه خير، لكن تسميته بهذا الاسم الأولى به المسلم. كقول النبي صلى الله عليه وسلم: «ليس الشديد بالسرعة»، أي الذي يصرع الناس، لكن الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب. فالذي يصرع الناس لا شك أنه عنده شدة وهو شديد، لكن الأولى أن يسمى بهذا الاسم ويطلق عليه هذا اللفظ هو الذي يملك نفسه عند الغضب، هو الذي يملك نفسه عند الغضب. كذلك في هذا الحديث أن الأولى أن يسمى بالكرم هو المسلم، وإن كان العنب فيه كرم وفيه خير منافع. فكره النبي صلى الله عليه وسلم تسمية العنب بهذا الاسم. قال: باب قول الرجل ويحك، قال: حدثنا أحمد بن خالد، قال: حدثنا محمد بن إسحاق، عن عمه موسى بن يسار، عن أبي هريرة. مر النبي صلى الله عليه وسلم برجل يسوق بدنة، فقال: «اركبها»، قال: يا رسول الله، إنها بدنة، قال: «اركبها»، قال: إنها بدنة، قال: في الثالثة أو في الرابعة: «ويحك اركبها». والحديث في الصحيحين. وقد مر معنا في أبواب قد سبقت أنه بوّب رحمه الله باب قول الرجل ويلك، باب قول الرجل ويلك، وذكر فيه نفس هذا الحديث، لكن من حديث أنس، من حديث أنس رضي الله تعالى عنه. والشاهد منه هو قول النبي صلى الله عليه وسلم: «ويحك اركبها». استعمل النبي صلى الله عليه وسلم هذه اللفظة، وهي لفظة تستخدم بمعنى التوجع أو الترحم أو التنبيه لمن وقع في خطأ، فيقال له: ويلك أو ويحك. ولا يقصد معناها، وإنما كلمة تجري على اللسان لقصد الترحم والتحذير والتخويف ونحو ذلك من المعاني. وبعض العلم فرق بين ويلك وويحك، فقال كما قال سيبويه رحمه الله: ويلك تقال لمن وقع في هلكة، يقال له: ويلك. وويحك لمن أوشك على الوقوع في هلكة، يقال له: ويحك. وويلك لمن وقع في هلكة. وكما قلنا هذه الكلمة لا يقصد معناها، وإنما تستخدم لقصد التحذير والتنبيه والتخويف، يقال له: ويلك أو ويحك. قال: باب قول الرجل يا هنتاه، قال: حدثنا عبد الرحمن بن شريك، قال: حدثني أبي، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن إبراهيم بن محمد، عن عمران بن طلحة، عن أمه حمنة بنت جحش، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما هي يا هنتاه». وهذا قول: يا هنتاه، هنتاه بسكون النون وضم الهاء الثانية أو إسكانها، هنتاه أو هنتاه أو بفتح النون، هنتاه. فهي كلمة تستخدم بمعنى يا هذه، بمعنى يا هذه. وأراد الإمام البخاري رحمه الله بتأليف لهذا الباب، باب قول الرجل يا هنتاه، جواز استخدام هذه اللفظة، جواز استخدام هذه اللفظة، وأنه لا محذور في ذلك، وأنه لا محذور في ذلك. وقال بعض أهل العلم: استخدام هذه اللفظة تكون عند غفلة الخصم، عند غفلة الخصم عما يكاد له، إذا كان الخصم في غفلة عما يكاد له، فإذا خوطب ونودي فينادى بمثل هذا النداء: يا هناه أو يا هنتاه، من باب التنبيه له، وكذلك إفاقته عما يكاد له. ثم ذكر هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما هي يا هنتاه»، أي قال لحمنة بنت جحش. والحديث لا يصح؛ لأنه فيه شريك بن عبد الله القاضي، وهو ضعيف لسوء حفظه. قال: حدثنا قتيبة، قال: حدثنا حريز، عن الأعمش، عن حبيب بن صهبان الأسدي، قال: رأيت عمارا صلى المكتوبة، ثم قال لرجل إلى جنبه: «يا هناه»، ثم قام. وهذا الأثر صحيح، والشاهد منه أن عمار رضي الله تعالى عنه استخدم هذه اللفظة، قال لرجل إلى جنبه: «يا هناه». وهناه تقال للذكر، وهنتاه للأنثى، قال: «يا هناه»، ثم قام. فلا بأس باستخدام هذه اللفظة، ومنادات الإنسان بهذا النداء. قال: حدثنا علي بن عبد الله، قال: حدثنا سفيان، عن إبراهيم بن ميسرة، عن عمر بن الشريد، عن أبيه، قال: أردفني النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: «هل معك من شعر أمية بن أبي الصلت؟» قلت: نعم، فأنشدته بيتا، فقال: «هيه»، حتى أنشدته مئة بيت. وهذا الحديث في صحيح الإمام مسلم. وفي هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم أردف الشريد بن سويد، يعني أركبه خلفه على الدابة. وكثيرا ما كان يردف النبي صلى الله عليه وسلم بعض أصحابه، وهذا من كمال تواضعه عليه الصلاة والسلام. وقد أردف النبي صلى الله عليه وسلم جماعة منهم. بعض أهل العلم ألف كتابا في من أردفه النبي صلى الله عليه وسلم، وذكر نحو أربعين صحابيا ممن أردفهم النبي صلى الله عليه وسلم. قال: أردفني النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: «هل معك من شعر أمية بن أبي الصلت؟» قلت: نعم، قال: «فأنشدته بيتا»، يعني بيتا واحدا. وهذا من أدبه رضي الله تعالى عنه أنشد بيتا، ثم وقف ينظر هل يريد النبي صلى الله عليه وسلم المزيد أو يكتفي بذلك؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «هيه». وهيه أصلها الهاء، بدل عن الهمزة، أصلها إيه، ومعناها زد، معناها زد. وهي كلمة قال لطلب الزيادة. قال: حتى أنشدته مئة بيت. أنشد النبي صلى الله عليه وسلم وأسمعه مئة بيت من شعر أمية بن أبي الصلت. وفي هذا جواز إنشاد الشعر وسماعه وحفظه، إذا كان يحمل معاني حسنة ومعاني جميلة، كذكر مثلاً أمور التوحيد والعقيدة أو ذكر الجزاء أو الجنة أو النار أو غير ذلك من المعاني الطيبة، فإنه لا بأس بذلك، لكن مع عدم الإكثار، وأن لا يكون هو غالب ما عليه الإنسان، فإن ذلك لا بأس به. والشعر حسنه حسن، وقبيحه قبيح. فالنبي صلى الله عليه وسلم سمع من الشريد بن سويد رضي الله عنه ما أنشده من شعر أمية، قدر مئة بيت، قدر مئة بيت. وأمية بن أبي الصلت كان له شعر جيد في تقرير التوحيد وأمور المعاد والجزاء، حتى إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كاد أن يسلم في شعره»، كاد أمية بن أبي الصلت أن يسلم. قال عليه الصلاة والسلام: «أصدق كلمة قالها شاعر كلمة لبيد: ألا كل شيء ما قال الله باطل». وكاد أمية بن أبي الصلت أن يسلم، وهو شاعر من شعراء الجاهلية من ثقيف، كان يسكن الطائف. وذكر في ترجمته أنه ممن حرم على نفسه الخمر، وكذلك ترك عبادة الأوثان وأقبل على التنسك والعبادة، وكان كذلك له شعر طيب. سنذكر بعض شيء من ذلك، فرحل إلى البحرين وجلس فيها ثمان سنوات، ثم رجع إلى الطائف، وأخبره بخبر النبي عليه الصلاة والسلام، وكان يتمنى وقد قرأ في كتب ظهور نبي في مثل ذاك الزمن، وكان يتمنى أن يكون هو. ثم أتى إلى مكة وقابل النبي عليه الصلاة والسلام، وطلب منه أن يأتي معه برجال، ويأتي هو معه برجال. ثم جلس مع النبي عليه الصلاة والسلام، وجعل يذكر ما عنده من النثر والكلام والخطابة والشعر. فلما انتهى، قال: ما عندك يا من عبد المطلب؟ فقرأ عليه النبي صلى الله عليه وسلم سورة يس من أولها إلى آخرها. فلما انتهى عليه الصلاة والسلام، قام أمية مسرعا، وتبعه أهل قريش، فسألوه عن رأيه، فقال: إنه لحق، قال: إنه لحق، فقالوا: أتؤمن؟ قال: سأنظر في أمري، قال: سأنظر في أمري. ثم ذهب بعد ذلك ورجع بعد غزوة بدر، وقال قاصدا النبي صلى الله عليه وسلم يريد أن يسلم، فلقيه بعض القوم، قالوا: أين تريد؟ قال: أريد النبي، قالوا: أما علمت بما حصل في بدر؟ فقد قتل فلان فلان، وذكر له وذكر له إثنان من ابني خالته، فكان ذلك سببا في رجوعه، وبقي إلى السنة الخامسة من الهجرة، ومات على الكفر ولم يسلم. وكان له كما قلنا من الشعر الشعر الجيد في تقرير التوحيد وأمور الجزاء وغير ذلك من معاني الشعر الحسن. ومن ذلك قوله: لك الحمد والنعماء والملك ربنا، فلا شيء أعلى منك جدا وأمثل. فسبحان من لا يقدر الخلق قدره، ومن هو فوق العرش فردا موحدا، مليك على عرش السماء مهيمن. لعزته تعلو الوجوه وتسجد وساجد هم - يعني الملائكة - وساجدهم، لا يرفع الدهر رأسه، لا يرفع الدهر رأسه، يعظم ربا فوقه ويمجد. إلى آخر ذلك من أبيات من الأشعار التي فيها تقرير هذا الأمر العظيم. ومنها أيضا قوله في شعر آخر: إلى الله أهدي مدحتي وثنائي، وقولا رضيا لا ينيد دهرا باقيا. إلى الملك الأعلى، إلى الملك الأعلى الذي ليس فوقه إله ولا رب يكون مدانيا. ألا أيها الإنسان إياك ورد، فإنك لا تخفي من الله خافيا. وإياك لا تجعل مع الله غيره، فإن سبيل الرشد أصبح بادي حنانيك. إن الجن كانت رجاءهم، وأنت إله ربنا ورجائيا. رضيت بك اللهم ربا فلن أرى أدين إلها غيرك الله ثانيا. إلى آخر ما ذكر من تلك الأبيات الطيبة. ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: «كاد أن يسلم في شعره».