كتاب الصيام 44

كتاب الصيام 44

الدرس في كتاب الصيام 44، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

شرح حديث أبي قتادة في صيام الدهر وصيام داود

يستعرض الشيخ سند حديث أبي قتادة الوارد في صحيح مسلم حيث سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن صيام الدهر فأنكره، وعن صيام يوم وإفطار يوم فقال: «ذاك صوم أخي داود»، مبيناً معاني الألفاظ وأحوال الرواة. ويوضح المقطع الفرق بين صيام الدهر المكروه وصيام داود المشروع كأفضل الصيام.

أحكام صيام التطوع: يوم الإثنين وثلاثة أيام من كل شهر

يبين المقطع فضائل صيام يوم الإثنين لكونه يوم مولد النبي صلى الله عليه وسلم وبداية الوحي، ويشير إلى أن صيام ثلاثة أيام من كل شهر يعدل صيام الدهر مع أفضلية أيام البيض. كما يذكر أن صيام يوم عرفة يكفر سنتين ويوم عاشوراء يكفر سنة، ويناقش رواية صيام يومي الإثنين والخميس.

مشروعية صيام يوم الإثنين وعدم دلالته على الاحتفال بالمولد

يستعرض المقطع أسانيد حديث صيام يوم الإثنين ويبين أن النبي صلى الله عليه وسلم حث على صيامه لكونه يوم ولادته ونزول الوحي، ولا يدل على اتخاذه عيداً أو الاحتفال بالمولد النبوي. ويؤكد أن جعل يوم المولد عيداً يُعد بدعة محدثة لم يشرعها الشرع.

رد بدعة المولد النبوي وبيان أن المحبة بالاتباع لا بالابتداع

يؤكد المقطع أن الصحابة رضي الله عنهم لم يحتفلوا بالمولد النبوي رغم محبتهم الشديدة للنبي صلى الله عليه وسلم، مما يدل على أن هذه الاحتفالات بدعة محدثة. ويوضح أن محبة النبي الحقيقية تكون باتباع سنته والاقتداء بهديه، لا بابتكار عبادات لم يشرعها الله ولا رسوله.

  • 10 جمادى الأولى 1444هـ - 03/12/2022مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام مسلم بن الحجاج أبو الحسين النيسابوري القشيري رحمه الله في صحيحه: حدثنا محمد بن المثنى، وهو أبو موسى العنزي الملقب بالزمن، روى عن رجال الأمهات الست، رجال الكتب الستة: البخاري، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي. هؤلاء كلهم من مشايخه، قاله محمد بن بشار الملقب ببندار، أي واسع العلم. قال: واللفظ لمحمد بن المثنى. قال: حدثنا محمد بن جعفر، وهو الملقب بغندر، أبو عبد الله البصري، كان ربيب شعبة. ما معنى ربيب شعبة؟ ابن زوجته، نعم. فشعبة كان متزوجاً بأم محمد بن جعفر، ولهذا لازم شعبة عشرين سنة، وكان من أثبت الناس في شعبة رحمه الله. ومع هذا فكان عابداً، حتى ذكروا أنه كان يصوم يوماً ويفطر يوماً خمسين سنة. قال: حدثنا شعبة بن الحجاج، أبو بسطام، أمير المؤمنين في الحديث. قال: عن غيلان بن جرير، أنه سمع عبد الله بن معبد الزماني، عن أبي قتادة الأنصاري رضي الله عنه، وهو الحارث بن ربعي على المشهور، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن صومه، فقال: غضب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال عمر رضي الله عنه: رضينا بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد رسولاً، وببيعتنا بيعة، يعني البيعة على الإسلام، كأنه يقول: لسنا في شك أو تردد من ذلك. قال: فسئل عن صيام الدهر، أي النبي عليه الصلاة والسلام، فقال: «لا صام ولا أفطر»، أو: «ما صام وما أفطر». ومعنى ذلك أنه لم يرتضِ هذا الصيام، صيام الدهر السنة كلها. «لا صام ولا أفطر»: أي لا صام الصوم الشرعي الذي حث عليه الشرع ورغب فيه فيؤجر ويثاب، ولا هو أفطر فأكل وشرب، كأنه يقول: حرم نفسه مما أباح الله عز وجل من الطعام والشراب رغبة في الأجر والثواب، إلا أنه أخطأ الطريق والسبيل الصحيح الذي به ينال الأجر في هذه العبادة والطاعة. قال: فسئل عن صوم يوم وإفطار يوم، قال: «ومن يطيق ذلك». قال: وسئل عن صوم يوم وإفطار يومين، قال: «ليت أن الله قوانا لذلك»، ويريد بهذا أمته، يعني أن تقوى على ذلك. وأما هو عليه الصلاة والسلام، كما مر معنا في الرواية الأخرى، فكان يطيق ذلك وأكثر، لأنه كان يواصل الصيام الأيام تلو الأيام من غير أن يطعم شيئاً، وهذا من خصائصه عليه الصلاة والسلام. فقوله: «ليت أن الله قوانا لذلك»، يعني: قوى هذه الأمة على تحمل مثل هذا الصيام. قال: وسئل عن صوم يوم وإفطار يوم، قال: «ذاك صوم أخي داود عليه السلام». قال: وسئل عن صوم يوم الإثنين، قال: «ذاك يوم ولدت فيه، ويوم بعثت أو أنزل علي فيه». وهذه الرواية فيها زيادة على التي قبلها، السؤال هو عليه الصلاة والسلام عن صوم يوم الإثنين، فأخبر عليه الصلاة والسلام أنه يوم ولد فيه، ولد عليه الصلاة والسلام في يوم الإثنين، ويوم بعث أو أنزل عليه فيه، يعني الوحي كان بداية الوحي أو نزول الوحي في يوم الإثنين، فكأنه يقول: لا بأس بصيام هذا اليوم؛ فإنه يصادف يوم ولادتي ويوم بعثتي، فيدل هذا على أنه يستحب الصيام يوم الإثنين. قال: فقال: «صوم ثلاثة من كل شهر، ورمضان إلى رمضان، صوم الدهر». يعني صوم السنة، وذلك ما علمنا أن رمضان صيام شهر وهو صوم الفريضة، ثم صيام ثلاثة أيام من كل شهر، والحسنة بعشر أمثالها، فاليوم بعشرة أيام، فثلاثة أيام بثلاثين يوماً، فكأنه صام بذلك الشهر كله. إذا صام ثلاثة أيام من كل شهر فكأنه صام السنة كلها. وهنا أطلق النبي عليه الصلاة والسلام الصيام، صيام ثلاثة أيام من كل شهر، ولم يقيدها بأيام محددة، فللمسلم أن يصوم ما شاء من الشهر، إذا شاء أن يصوم ثلاثة أيام من أول الشهر، أو من وسط الشهر، أو من آخر الشهر، أو يصوم من كل عشرة أيام يوماً، فكل ذلك يدخل في هذا الحديث: صوم ثلاثة من كل شهر. والأفضل أن تصوم أيام البيض: الثالث عشر، والرابع عشر، والخامس عشر، لما جاء في الصحيح من حديث أبي ذر رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم أوصاه بذلك، أن يصوم أيام البيض: الثالث عشر، والرابع عشر، والخامس عشر. قال: وسئل عن صوم يوم عرفة، فقال: «يكفر السنة الماضية والباقية». يوم عرفة اليوم التاسع من ذي الحجة، فصيامه يكفر ذنوب سنتين. قال: وسئل عن صوم يوم عاشوراء، أي العاشر من محرم، قال: «يكفر السنة الماضية»، أي السنة التي مضت، يعني ذنوب سنة واحدة. قالوا: في هذا الحديث من رواية شعبة: وسئل عن صوم يوم الإثنين والخميس، فسكت الإمام مسلم عن ذكر الخميس لما يراه وهما. يعني يقول الإمام مسلم: جاء في رواية شعبة ذكر الإثنين والخميس، وسئل عن صوم يوم الإثنين والخميس، فلم يذكر الإمام مسلم رحمه الله ذكر الخميس، قال: لأن الذي أجاب عنه النبي عليه الصلاة والسلام أنه ولد فيه وبعث أو أنزل عليه فيه يوم الإثنين، وليس يوم الخميس، فيقول بأن هذا وهم، يقول: ذكر يوم الخميس في هذه الرواية يعتبر وهما، فلذا لم يذكر هذه اللفظة، ذكر يوم الخميس. وبعض أهل العلم أخرج هذه الرواية على أن رواية شعبة صحيحة، وأنه سئل عن صوم يوم الإثنين والخميس، وقوله: «ذاك يوم ولدت فيه» إلى آخره، يرجع الضمير إلى يوم الإثنين، يرجع إلى يوم الإثنين دون الخميس. قال: وحدثنا عبيد الله بن معاذ، قال: حدثنا أبي. وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: حدثنا شبابة، ومنصور. وحدثنا إسحاق بن إبراهيم، وهو الحنظلي، الإمام الحافظ الثقة، إسحاق بن راهويه، قال: أخبرنا النضر بن شميل، كلهم عن شعبة بهذا الإسناد. قال: وحدثني أحمد بن سعيد الدارمي، وهو أبو جعفر المروزي، ثقة حافظ، قال: حدثنا حبان بن هلال، وهو الباهلي، أبو حبيب البصري، وهو ثقة ثبت، قال: حدثنا أبان العطار، وهو البصري أيضاً، وهو ثقة، إلا أن البخاري أخرج له في الشواهد؛ لأن له بعض التفردات. قال: حدثنا غيلان بن جرير في هذا الإسناد بمثل حديث شعبة، غير أنه ذكر فيه الإثنين ولم يذكر الخميس. قال: وحدثني زهير بن حرب، هو أبو خيثم النسائي، قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، وهو أبو سعيد البصري، الإمام الحافظ، أحد أئمة الجرح والتعديل، قال: حدثنا مهدي بن ميمون، أبو يحيى البصري، وهو ثقة، عن غيلان، عن عبد الله بن معبد الزماني، عن أبي قتادة الأنصاري رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن صوم الإثنين، فقال: «فيه ولدت، وفيه أنزل علي»، فيه ولدت، وفيه أنزل علي. فهذا الحديث لما سمعتم يدل على مشروعية صيام يوم الإثنين، وليس فيه دلالة على اتخاذ هذا اليوم يوماً للفرح بمولده، وإنشاد القصائد، هو ما يسمى بالمولد النبوي. فتجد أصحاب الموالد يستدلون بهذا الحديث، يستدلون بهذا الحديث، يقولون: النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن صوم يوم الإثنين، فقال: فيه ولدت، وفيه أنزل علي. طيب، هل قال: اتخذوه عيداً، أو طبلوا، أو اتخذوه يوماً للفرح؟ لا، حث على صيامه: صوموا، صوموا هذا اليوم. والحمد لله، هذا الذي جاءت به السنة، أنك تصوم يوم الإثنين، وهكذا أيضاً يوم الخميس، كما جاء في بعض الروايات في السنن أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصوم الإثنين والخميس. وليس في هذا الحديث دلالة على اتخاذ هذا اليوم يوماً لقراءة الموالد والاحتفال بمولده عليه الصلاة والسلام أبداً، ليس فيه دلالة على ذلك، بل هذا من البدع والمحدثات. لو كان هذا الأمر مشروعاً لفعله الصحابة رضي الله عنهم، الذين هم أحب الناس للنبي عليه الصلاة والسلام، وفدوه عليه الصلاة والسلام بأرواحهم ودمائهم وأموالهم، ومع ذلك ما فعلوا هذه الموالد التي يزعم أصحابها أنهم يحبون النبي عليه الصلاة والسلام، وأخطأوا في ذلك، أخطأوا في ذلك، لأن محبة النبي صلى الله عليه وسلم تكون بالاتباع لا بالابتداء، تكون بالأخذ بسنته عليه الصلاة والسلام والاقتداء بهديه صلى الله عليه وسلم، ولو كان خيراً ما سبقون إليه. نعم، وخير الأمور السالفات على الهدى، وشر الأمور المحدثات البدائع. طيب، إلى هنا، صلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين، والله تعالى أعلم.