كتاب الصيام 46

كتاب الصيام 46

الدرس في كتاب الصيام 46، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

شرح إسناد حديث أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم

يستعرض المقطع رجال إسناد حديث «أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم، وأفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل» مبيناً أحوال الرواة كحميد بن عبد الرحمن الحميري وأبي هريرة وزهير بن حرب مع التمييز بين المتفقين في الاسم. ويوضح درجات ثقة الرواة وضبطهم كما وثقهم الأئمة.

فضل صيام المحرم وترجيح العلماء لإكثار النبي من صيام شعبان

يؤكد المقطع أن أفضل الصيام بعد رمضان هو صيام شهر الله المحرم ويسرد إسناده عبر حسين بن علي الجعفي وزائدة بن قدامة مع توثيق الأئمة لهما. ويناقش العلماء سبب إكثار النبي صلى الله عليه وسلم من صيام شعبان دون المحرم مرجحين ذلك لتأخر ورود الحديث أو انشغاله بأمور أهم.

فضل صلاة الليل وأفضليتها على سائر النوافل

يبيّن المقطع أن صلاة الليل هي أفضل النوافل بعد الفرائض مستدلاً بآيات قرآنية وأحاديث نبوية تبرز فضلها وكونها دأب الصالحين. ويوضح أنها أفضل من صلاة الرواتب وصلاة النهار مع الحث على المواظبة عليها ولو بالقليل.

الختام بالصلاة على النبي والشكر لله

يختتم المتحدث بالصلاة والسلام على النبي محمد وآله وصحبه ثم يشكر الله تعالى على النعم والتوفيق. ويختم الدرس بالدعاء والثناء على الله.

  • 10 جمادى الأولى 1444هـ - 03/12/2022مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فقال مسلم، الحجاج، أبو الحسين، النيسابوري، القشيري، رحمه الله، في صحيحه: قال: وحدثني قتيبة بن سعيد، وهو أبو رجاء البغلاني، قال: حدثنا أبو عوانة، وهو الوضاح بن عبد الله اليشكري، عن أبي بشر، وهو جعفر بن إياس، عن حميد بن عبد الرحمن الحميري، حميد بن عبد الرحمن الحميري البصري، قال فيه ابن سيرين، رحمه الله: «أفقه أهل البصرة»، كان أفقه أهل البصرة. وهناك أيضًا حميد بن عبد الرحمن، عبد الرحمن آخر، يروي عن أبي هريرة، وهو الزهري: حميد بن عبد الرحمن بن عبد الرحمن بن عوف الزهري. لكن ذكر الإمام الحميدي، رحمه الله، في الجمع بين الصحيحين، كما ذكر الإمام النووي في الشرح، أن رواية حميد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة فهو الزهري، فهو الزهري في البخاري وفي مسلم. وأما الحميري فليس له رواية عن أبي هريرة إلا في مسلم، وفي هذا الحديث خاصة. ما روى في البخاري ومسلم: حميد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة، أي الحميري، إلا في هذا الحديث. وإذا ورد في غيره حميد بن عبد الرحمن فهو الزهري. قال: عن أبي هريرة، رضي الله عنه. أبو هريرة مشهور بكنيته، ومختلف في اسمه، والأشهر أنه عبد الرحمن بن صخر الدوسي، هذا أشهر أسماء أبي هريرة. وإلا قد اختلف في اسمه إلى نحو من ثلاث وثلاثين قولًا. وهو، رضي الله عنه، من الحفاظ، حتى لُقّب الحافظ، من حجر، بحافظ الصحابة، حافظ الصحابة. وقد قدم على النبي، عليه الصلاة والسلام، عند فتح خيبر، رضي الله عنه، وكان حافظًا ذكيًا، وكان صاحب عبادة، صاحب قيام وصيام، رضي الله عنه. قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: «أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم، وأفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل». قال: وحدثني زهير بن حرب، وهو أبو خيثمة النسائي، وهو أحد الحفاظ من أقران الإمام أحمد ويحيى بن معين، وقد أكثر الإمام مسلم من الرواية عنه، حتى روى عنه أكثر من ألف حديث. روى الإمام مسلم عن زهير بن حرب أكثر من ألف حديث، ولهذا كثيرًا ما يمر معنا رواية الإمام مسلم عنه. قال: حدثنا جرير، وهو ابن عبد الحميد، كان ثقة، يروي من كتابه، هو صحيح الكتاب، لكن حصل له شيء من الوهم في آخر حياته. قال: عن عبد الملك بن عمير، وهو القرشي، وهو أيضًا ثقة، قال فيه الحافظ: «ثقة فصيح عالم»، لكن تغير حفظه، وربما دلس. وقد ولي قضاء الكوفة بعد الشعبي. قال: عن محمد بن المثنى بن المنتشر، محمد بن المنتشر، وهو من الجدع الهمداني الوادعي، فهو يمني، هو ثقة. عن حميد بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، رضي الله عنه، يرفعه. ما معنى يرفعه؟ ما معنى يرفعه؟ ما معنى يرفعه؟ نعم، يرفع الحديث إلى النبي، عليه الصلاة والسلام. هذه يعني عبارة أو صيغة من صيغ رفع الحديث: يرفعه، أي إلى النبي، صلى الله عليه وسلم. ومثله: ينميه، أو يبلغ به النبي، صلى الله عليه وسلم، ونحو ذلك من العبارات. قال: سئل، أي الصلاة أفضل؟ يعني النبي، عليه الصلاة والسلام، سئل عن ذلك: أي الصلاة أفضل بعد المكتوبة، وأي الصيام أفضل بعد شهر رمضان؟ قال: «أفضل الصلاة بعد الصلاة المكتوبة الصلاة في جوف الليل، وأفضل الصيام بعد شهر رمضان صيام شهر الله المحرم». قال: وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: حدثنا حسين بن علي، حسين بن علي، وهو الجعفي، كان مقرئًا يقرأ القرآن، وكان مقعدًا، أي لا يتحرك، لا يستطيع أن يمشي، ومع هذا كان يحمل حتى يؤتى به إلى المسجد، فيجلس ويقرأ الناس، وكان رجلًا عابدًا، حتى إن الإمام سفيان الثوري، رحمه الله، كان يأتي إليه فيقبله، ويقول: «هذا راهب جعفي، هذا راهب جعفي». وقال فيه الإمام أحمد، رحمه الله: «ما رأيت أفضل منه، ما رأيت أفضل منه». ولهذا قال فيه الحافظ: «ثقة عابد»، وهو من أروى الناس عن زائدة بن قدامة، أكثر الناس رواية عن زائدة بن قدامة. قال فيه الدارقطني، رحمه الله: «من الأثبات الأئمة، وكان سنيًا، كان صاحب السنة». زائدة بن قدامة ما كان يحدث أحدًا من أهل الأهواء، من كان عنده شيء من القدر أو التشيع أو كذا ما يحدثهم. إذا جاء عنده من يريد الحديث يسأله: إذا كان سنيًا حدثه، وإن لم يكن سنيًا تركه ولم يحدثه. قال: عن عبد الملك بن عمير، بهذا الإسناد، في ذكر الصيام، عن النبي، صلى الله عليه وسلم، بمثله. هذا الحديث يخبر النبي، عليه الصلاة والسلام، بأن أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم، أي الصيام في شهر الله المحرم. وأضيف شهر الله المحرم إلى الله من باب التشريف والتكريم، وإلا كل الشهور هي لله، كل الشهور هي لله، ولكن أضيف إلى الله، جل وعلا، زيادة فضل وتشريف وتكريم. فالصيام في شهر الله المحرم أفضل، أفضل الأشهر، إذا أراد المسلم أن يصوم بعد رمضان صيام نافلة، فيكثر الصيام في شهر الله المحرم. والثابت عن النبي، عليه الصلاة والسلام، أنه كان يكثر الصيام في شعبان، في حديث عائشة: أنه كان يصوم شعبان كله إلا قليلاً، ولم يرد مثل ذلك في شهر الله المحرم. ولهذا قال أهل العلم: الجواب عن ذلك أنه ربما أن النبي، عليه الصلاة والسلام، ما أخبر بذلك، أي بفضل الصيام في شهر الله المحرم، إلا مؤخرًا، إلا مؤخرًا، فأخبر بذلك ولم يتيسر له الإكثار من الصيام فيه. هذا التوجيه الأول. والتوجيه الثاني: أن النبي، صلى الله عليه وسلم، ربما شُغل يعني بشيء أهم من الصيام في شهر الله المحرم، وإلا فإخباره، عليه الصلاة والسلام، بذلك كافٍ في بيان استحباب الصيام في شهر الله المحرم. قال: «وأفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل». أفضل صلاة يصليها المسلم بعد الفريضة هي صلاة الليل. فصلاة الليل من أفضل النوافل، من أفضل نوافل الصلاة. وهذه الصلاة والعبادة من خصائص عباد الله المتقين، الذين أخبر الله، عز وجل، عنهم أن من أسباب دخولهم الجنة هذه العبادة العظيمة. قال جل وعلا: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ * كَانُوا قَلِيلًا مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾ [الذاريات: 15-17]. وقال جل وعلا: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: 16-17]. وهكذا قال جل وعلا: ﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا﴾ [الفرقان: 64]. والنبي، صلى الله عليه وسلم، يقول: «عليكم بصلاة الليل، فإنها دأب الصالحين قبلكم، وقربة إلى ربكم، ومكفرة للسيئات، ومنهاة عن الإثم». فهذه العبادة دأب الصالحين، يعني هدي وطريقة الصالحين من الأنبياء والرسل وأتباعهم، كانوا يصلون الليل بين مقل ومكثر. فأفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل، لما فيها من ترك الإنسان لمحبوبات نفسه وشهواتها، من ترك النوم والزوجة، والقيام في تلك الساعة التي لا يراه فيها أحد إلا الله، سبحانه وتعالى، فيصلي بين يدي الله ويناجي ربه، جل وعلا، فهي عبادة مباركة، عبادة عظيمة، لا يوفق لها إلا من وفقه الله، سبحانه وتعالى. فيحرص المسلم، وطالب العلم على جهة الخصوص، على هذه العبادة العظيمة، أن يكون له منها نصيب، ولو شيئًا يسيرًا، ولو شيئًا يسيرًا. لو تقوم قبل الفجر، أو بعد الأذان الأول مثلًا، تركع ركعتين وتوتر، خير عظيم. ما استطعت أقل شيئًا أن توتر، أن توتر قبل الفجر، فيكون لك نصيب من قيام الليل. وصلاة الوتر في آخر الليل أفضل، أفضل من صلاتها في أول الليل، لحديث جابر، رضي الله عنه، قال: عليه الصلاة والسلام: «من استطاع منكم أن يوتر آخر الليل فليوتر آخره، فذلك أفضل، فإن صلاة الليل مشهودة، وذلك أفضل، ومن لم يستطع فليوتر أوله». رواه مسلم عن جابر، رضي الله عنه. فصلاة الليل مشهودة، تشهدها الملائكة. فإذا أمكن ذلك فهذا لا شك أنه أفضل وأكمل وأحسن، حتى تكون من أهل هذه العبادة وهذه الطاعة العظيمة المباركة. نسأل الله، جل وعلا، أن يوفقنا وإياكم لطاعته. اختلف أهل العلم في صلاة الليل مع صلاة النفل الرواتب، الرواتب القبلية والبعدية، أيهم أفضل؟ هل صلاة الليل أو صلاة الرواتب؟ فمنهم من فضل صلاة النفل الرواتب، ومنهم من فضل صلاة الليل. والصحيح أن صلاة الليل أفضل، وهذا الحديث صريح في ذلك: «وأفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل». فصلاة الليل أفضل من صلاة الرواتب. وأيضًا أن صلاة الليل أفضل من صلاة النهار، يعني التطوع بالصلاة في الليل أفضل من التطوع في الصلاة في النهار، وكان في ذلك خير، لكن الأفضل هو الصلاة في الليل. طيب، إلى هنا. صلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين. الله تعالى شكرًا.