الدرس في كتاب البيع 20، ألقاها
اللقيط هو الطفل المنبوذ الذي لا يعرف نسبه، والتقاطه يعد من فروض الكفايات إذا قام به شخص عدل. هناك خلاف حول تعريف اللقيط وتحديد حالاته.
الطفل اللقيط يعتبر حرًا بإجماع العلماء، ويُنفق عليه من بيت المال إذا لم يكن معه مال. ولايته تكون لملتقطه إذا كان مسلمًا عدلا.
يُنظر إلى اللقيط على أنه حر ولا يُعامل معاملة الرقيق، وتُنفق عليه بيت مال المسلمين. ومن ادعى نسبه يُلحق به إذا كان مسلمًا.
يختم الحديث عن أحكام اللقيط مع مراعاة النسب، ويقدم ملخصا للقواعد المذكورة، ويختم بالصلاة على النبي.
بسم الله الرحمن الرحيم. والحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد. قال الإمام العلامة أبو محمد موفق الدين ابن قدامة المقدسي رحمه الله تعالى وغفر له: في كتاب عمدة الفقه، في كتاب البيع منه، قال رحمه الله تعالى: فصلٌ في اللقيط. وذكر رحمه الله تعالى هاهنا فصلًا في اللقيط بعد اللقطة، للاشتراك في المعنى بين اللقيط واللقطة في الالتقاط، فاللقطة تلتقط، واللقيط كذلك يلتقط. فلأجل هذه المناسبة ذكر رحمه الله تعالى أحكام اللقيط هاهنا. وإلا فإن بعض الفقهاء ربما ذكر أحكام اللقيط في أبواب المواريث، أي باعتبار لمن تركت اللقيط وميراث اللقيط. ومنهم من ربما ذكره في أبواب الجهاد، باعتبار كذلك ما أحكام اللقيط من حيث الحرية وعدمها. فلكل عالم نظرٌ في ذكر هذا الباب في المكان الذي يراه مناسبًا. والإمام ابن قدامة رحمه الله تعالى رأى أن هذا المكان هو المكان الأنسب للمعنى المذكور، أي أن اللقيط يلتقط واللقط تلتقط، فناسب أن يذكرها هنا. وقوله رحمه الله تعالى: فصل، الفصل هو ما يميز بين الشيئين. وقوله رحمه الله تعالى: في اللقيط، أي في الكلام على أحكام اللقيط ومسائل اللقيط، كما سيأتي معنا بإذن الله تبارك وتعالى، ذكر جملة من هذه الأحكام بإذن الله تبارك وتعالى. وقوله رحمه الله تعالى: اللقيط، اللقيط هاهنا بمعنى الملقوط، فهو من باء ثعيل، وأريد به المفعول، كما يقال جريح ويراد به المجروح، ويقال قتيل ويراد به المقتول. وقوله رحمه الله تعالى: اللقيط، اللقيط كما هو معلوم في اللغة أنه بمعنى الطفل المنبوذ، كما سيأتي معنا في كلام الإمام ابن قدامة رحمه الله. قال الإمام ابن قدامة رحمه الله تعالى وغفر له: واللقيط هو الطفل المنبوذ، هذا هو معنى اللقيط. وبعض الفقهاء رحمهم الله تعالى ربما عرف اللقيط بقوله: هو طفل لا يعرف نسبه ولا رقه، نبذ، أي نبذ، فهو الطفل المنبوذ. وبعضهم ربما أضاف في التعريف قولهم: أو ضل، طفل لا يعرف نسبه ولا رقه، نبذ، قالوا: أو ضل. وها هنا تأتي مسألة، وهي: هل من ضل من الأطفال، ضل أي أضاع والديه، هل يكون من أخذه والتقطه يكون لقيطًا بمعنى يكون لقيطًا ذلك الطفل الذي ضل أهله؟ في هذا خلاف بين العلماء رحمهم الله تعالى. يعني نتصور مسألة: لو أن إنسانًا رأى ولدًا ابن سنتين، ثلاث سنين، أربع سنين، خمس سنين، طفل، وما درى ما نسبه ولا من وليه، فهل في هذه الحالة يسمى لقيطًا بمعنى أنه تنطبق عليه أحكام اللقيط الآتي ذكرها أم لا؟ فمن أهل العلم من قال بهذا، أي يأخذ أحكام اللقيط. ومن أهل العلم من قال: لا يأخذ أحكام اللقيط، بل يكون حكمه كحكم اللقطة الثمينة التي لا يحل له أن يمتلكها، أن يبقى يعرفها أبدًا، لماذا؟ لأنه ذو نسب. لأن مثل هذا من سنتين، ثلاث، أربع، خمس سنين، هذا صاحب نسب، ولكنه أضل أبويه. قال: مثل هذا لا تنطبق عليه أحكام اللقيط، لماذا؟ لأن مثل هذا غالبًا ما يتطلب أهله ويبحثون عنه، بخلاف اللقيط، اللقيط الأول الغالب أنه يكون بسبب فعل حصلت من المرأة وقعت في فاحشة أو ما شابه ذلك، فحملت فوضعت، فكثير من النساء ربما نبذت ولدها لأجل أن لا يلحق بها السوء والعار كما يقولون، فيحصل هذا المعنى. فالحاصل من هذا أن العلماء رحمهم الله تعالى فرقوا بين اللقيط والضال، أي من ضل أهله، فإنه لا يأخذ أحكام اللقيط، بل يعرف أبدًا. وجرت عادة الناس بحمد الله في الأزمان المتأخرة أنهم إذا وجدوا لقيطًا أول ما يذهبون به إلى أقسام الشرطة. والغالب في الآباء أنهم إذا ضل منهم ولدهم أول ما يذهبون إلى قسم الشرطة، فهذا هو الواجب الذي يجب أن يفعل من وجد طفلًا ضالًا أن يذهب به إلى قسم الشرطة، وإن كان له عنوان أو هاتف من أجل أن يتواصل معه أهله وآباؤه إن جاءوا باحثين عنه. فالحاصل من هذا أن اللقيط كما تقدم هو طفل. قال علماء رحمهم الله تعالى: فخرج ما لم يكن طفلًا. خرج ما لم يكن طفلًا، فلو أن إنسانًا كبيرًا فليس ما لقيطًا. وقولهم: لا يعرف نسبه، خرج ما إذا عرف نسبه، كأن يلتحقه إنسان يمكن أن يكون ذلك الولد له، أو رقيقًا، أي لا يعرف كذلك أنه رقيق. فلو أن إنسانًا أثبت أنه رقيق بالأدلة والبراهين فإنه يلحق، فإنه يكون لمن أثبتت تلك البينة. وقوله: نبذ، أي أن أهلهم تركوه، وضعوه، رموه. النبذ: الرمي، يقال: نبذت النواة، أي ألقيتها. وهذا من هذا الباب، فالطفل المنبوذ أي الملقى. قال رحمه الله تعالى: واللقيط هو الطفل المنبوذ. طيب الإمام ابن قدامة رحمه الله تعالى ما ذكر حكم التقاط اللقيط. والتقاط اللقيط من فروض الكفايات، بمعنى أنه إذا التقطهم إنسان عدل حر راشد، أي يستطيع القيام على ذلك الولد، فإنه يسقط الحرج عن الباقين. والدليل على أنه من فروض الكفايات قول الله جل وعلا: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾، وهذا من هذا الباب. وقول الله تبارك وتعالى عن النفس: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾، وهذه نفس حيا يجب على من قدر على إحيائها أن يحييها، كما أن من وجد إنسانًا يحتاج إلى طعام، إذا لم يطعم مات، وجب عليه الإطعام. أو احتاج إلى سقيا ماء فلم يسقه أثم، فهذا كذلك، وأولى. قال رحمه الله تعالى: وهو محكوم بحريته وإسلامه، أي هذا هو حكم المنبوذ أن يحكم بحريته. قال العلماء رحمهم الله تعالى: أولًا أن هذا مجمع عليه بين العلماء، أي لا خلاف بين العلماء بأن الطفل المنبوذ اللقيط أنه حر بإجماع، لا خلاف في ذلك. الأمر الثاني قالوا: الأصل في بني آدم الحرية، والرق عارض، ولا يخرج إلى العارض إلا ببرهان ودليل، ولا برهان ولا دليل، إذن هو حر لأمرين: الأمر الأول إجماع، والأمر الثاني الأصل، الأصل أنه حر. قال رحمه الله تعالى: وهو محكوم بحريته وإسلامه. وإسلامه هذا هو الأصل، كما يقول علماء رحمهم الله تعالى: إذا وجد في بلاد الإسلام، إذا التقط في بلاد الإسلام، أو كان في بلد مختلط بين المسلمين والكفار، فإنه كذلك يأخذ أحكام المسلمين، لأن دين الإسلام هو دين الله جل وعلا الذي لا يرضى دينا سواه. ولأن نبينا صلى الله عليه وسلم يقول: «كل مولود يولد على الفطرة»، أي على الإسلام. قال العلماء رحمهم الله تعالى: فإن وجد ذلك اللقيط في بلاد كفر، أو في بلاد إسلام لكن لا يسكنها أحد من أهل الإسلام، أي كلها كفار، مثلا من أهل الذمة، يعني مثلا لو أن أهل الذمة سكنوا قرية، هذه القرية كلها فيها من أهل الذمة من الكفار، فوجد ولد لقيط في تلك القرية، في تلك المدينة التي هي من حيث الأحكام لا أحكام الإسلام، ولكن سكانها من أهل الذمة، فما الحكم ها هنا؟ هل يكون حكم كحكم أهل الإسلام أو كحكم أهل الذمة؟ قال علماء رحمهم الله تعالى: في مثل هذه الحالة يأخذ أحكام أهل الذمة، لأنه وجد في مكان ليس فيه إلا أولئك، ليس فيه إلا أولئك. فقوله رحمه الله تعالى: وهو محكوم عليه بحريته وإسلامه، هذا على قول. وعلى قول آخر: العلماء هو ما ذكرناه من تفصيل، أي يفرق بين دار الإسلام وبين غيره، وبين الدار الذي يختلط فيها المسلمون وغيرهم، وبين الدار التي أصلها الكفار وفيها أفراد من المسلمين، ونحو ذلك. فالعبرة بالسكان والأهل، يعني العبرة في ذلك بماذا؟ بالسكان لتلك القرية، وبأهل تلك القرية. قال رحمه الله تعالى: وما وجد عندهم من المال فهو له، أي إذا التقط الملتقط اللقيط ووجد عند اللقيط مالًا، سواء كان نقدًا أو كان مثلا شيء من العقود الذهبية أو غير ذلك من الأموال، فإنها تكون له، لأن كون تلك الأموال موجودة عند ذلك الطفل تدل على أن من وضعه وألقاه من ملكه إياها وتركها له. قال: والطفل يملك. لذا كما هو معلوم أن إنسانًا لو مات مثلا وله ولد في بطن زوجته، ولد ذلك الولد بمجرد أن يلد ذلك الولد، فإنه يرث من أبيه، ويملك، مع أنه ما زال مولودًا. فالحاصل أن الطفل يملك، وإذا كان يملك فإن ما كان تحت يده فإنه يكون له، ما كان تحت يده فإنه يكون ملكًا له وتحت بسطه وتحت سيطرته. وإذا كان كذلك فإن المال الموجود عند الصبي أو مع الصبي اللقيط فإنه يكون له. قال رحمه الله تعالى: فهو له، وولايته لملتقطه إذا كان مسلمًا عدلا. كانوا يقولون: ولاية الرعاية والقوامة، رعاية يعني ولاية الرعاية والقوامة، ليست رعاية الولاء الذي بها يحصل الميراث. إن لم يكن له وارث، ويدل على هذا ما ذكره الإمام ابن قدامة رحمه الله تعالى بقوله: «وما خلفه فهو فيء»، أي ليس تركة لمن التقطه، هذا والصحيح. وقوله رحمه الله تعالى: وولايته لملتقطه إذا كان مسلمًا عدلا، هذه شروط الملتقط، كما يقول علماء رحمهم الله تعالى: لابد أن يكون الملتقط حتى تثبت يده وولايته على ذلك الملتقط لابد أن يكون مسلمًا، فخرج ما لو كان كافرًا، لماذا؟ لأن الكافر لا ولاية له على المسلم. وقوله رحمه الله تعالى: عدلا، خرج ما لم يكن عدلا، أي الفاسق. والمقصود بالعدالة كما يقول علماء رحمهم الله تعالى هاهنا العدالة الظاهرة. والمقصود بالعدالة هاهنا العدالة الظاهرة، ما معنى العدالة الظاهرة؟ أي أنه يصلي مع المصلين، يصوم مع الصائمين، وهكذا تظهر عليه آثار ماذا؟ العدالة الظاهرة، من حيث الظاهر يرى بأنه عدل، هذا يكفي، هذا يكفي في العدالة، لأن العدالة عدالتان: ظاهرة، وهي المذكورة، وباطنة. وباطنة هي التي تحتاج إلى خبرة وإلى بحث وإلى نظر وإلى تمحيص وتفحص، وإلى نظر، وماذا؟ إلى تمحيص وفحص. والمقصود بالعدالة هاهنا كما سمعتم العدالة الظاهرة، فإنها هي التي تكفي وتجزئ. وقوله رحمه الله تعالى: ونفقته من بيت المال، لماذا؟ لأنه من المسلمين، ولا منفق عليه. وقوله: ونفقته من بيت المال إن لم يكن معه ما ينفق عليه، أي إذا كان الطفل عنده مثلا، وقد الطفل عنده ألف دينار، ذهب، الأصل ينفق على الطفل من أين؟ مما وجد معه من مال. لكن إذا وجد الطفل آخر ما معه شيء، أو وجد معه شيء يسير، استنفقها عليه، حتى فنيت، على من النفقة؟ هل تجب على الملتقط؟ قال علماء رحمهم الله تعالى: لا تجب على الملتقط بإجماع، لماذا؟ قال: لأنه ليس بولد له، وإنما هو محسن، وإنما هو متبرع، فلا تجب عليه ماذا؟ النفقة، إن أنفق عليه من باب الإحسان. إذن على من النفقة؟ قال علماء رحمهم الله تعالى: على بيت المال. وسأتي معنا بإذن الله تبارك وتعالى ما استدل به على هذه المسائل. فعلى بيت المال، لماذا؟ لأنه من المسلمين، ويحتاج إلى نفقة، ولا منفق عليه، إذن يجب أن تكون نفقته على بيت المسلمين، كما أن فيئه، أي ما يتركه من تركه، يكون لبيت المسلمين، إذا لم يكن له وارث، إذا لم يكن له وارث. لذا قال رحمه الله: «وما خلفه فهو فيء»، أي يرجع إلى بيت المسلمين، ويقسم كتقسيم الفيء، كقسمة الفيء. يدل على ما تقدم من مسائل وأحكام ما رواه الإمام مالك رحمه الله تعالى في موطأه، من طريق الزهري، أنه سمع سنان أبا جميلة قال: وجدت ملقوطًا، وفي بعض الرواية: منبوذًا، قال: فأتيت به عمر، قال: فقال: «يا أمير المؤمنين، إنه رجل صالح»، يعني جاء في موطأ مالك وغيره أن الرجل، أن أبا جميلة لما أتى عمر، قال: وجدت ملقوطًا، قال له عمر: «ما حملك على التقاطه؟» يعني كأنه يقول: هذا محل تهمة، لماذا التقط فلما سمع العريف من عمر رضي الله عنه وأرضاه هذا الكلام، وقبل هذا قال أبو جميلة رضي الله عنهم، وهو صحابي كما ذكر الحافظ، قال: «طفل منبوذ»، أي كيف أدعه؟ فقال حينها العريف: «يا أمير المؤمنين، إنه رجل صالح». فقال عمر رضي الله عنه وأرضاه: «أكذلك هو؟» قال: «نعم»، تيقن عمر بأنه رجل صالح، وأنه بعيد عن التهمة، وأنه أهل لأن يقوم بولاية ذلك اللقيط، فقال عمر حينها رضي الله عنه: «اذهب فهو حر»، هذا الحكم الأول: أن اللقيط يكون ماذا؟ يكون حرًا، فليس له أحكام الرقيق. الأمر الثاني: قال: «ولك ولاء»، ما المراد بالولاء ها هنا؟ قال العلماء رحمهم الله: المراد بالولاء ولاية الرعاية والقيام عليه، ولاية الرعاية والقيام عليه. قال: «وعلينا نفقته»، عمر يقول: وعلينا نفقته، النفقة على من؟ على بيت مال المسلمين. طيب ها هنا مسألة: لو أنه وجده في بلد ليس فيها بيت مال للمسلمين، ماذا يصنع؟ قال علماء رحمهم الله تعالى: في مثل هذه الحال ينظر، لهم من ينفق عليه من أهل الخير والإحسان، ينظر لهم من ينفق عليه من أهل الخير والإحسان والقدرة، لماذا؟ لأن كفالته وإحياءه واجب، فيجب على المسلمين أن يتكافلوا. فإذا كان من التقطه فقيرًا لا يستطيع أن ينفق عليه، أو يستطيع، ولكن فيه مشقة وحرج، لا بأس أن يلتمس من أهل الخير من يقوم بالنفقة على ذلك اللقيط. قال رحمه الله تعالى: أو قال: «وعلينا نفقته»، أو قال: «رضاعه»، أي في الرواية أنه قال: نفقته، وفي الرواية قال: أنه رضاعه، وهي يدل على أنه كان طفلًا رضيعًا، فيحتاج إلى رضاع، وكانوا في الزمن الأول يستأجرون لأجل الإرضاع. قال رحمه الله تعالى: ومن ادعى نسبه ألحق به، أي لو أن إنسانًا جاء، فسأل من وجد لقيطًا، قالوا: نحن، قال: هو ولدي، يقول الإمام ابن قدامة رحمه الله تعالى: ومن ادعى نسبه ألحق به، لماذا؟ قال العلماء رحمهم الله تعالى: لأن الشرع يتشوف إلى إلحاق الأنساب بعضها ببعض. الشرع يتشوف إلى إلحاق الأنساب بعضها ببعض. لذا لو ننظر في الأحكام الشرعية نجد أن الأحكام الشرعية تدور حول هذا المعنى، منها مثلا ما جاء في الصحيحين من حديث عائشة في قصة ابن زمعة، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ولد للفراش»، من ادعاه. ادعاه ولد ذلك الذي كان تلك الأمة تحته، قال: «أخي ولد على فراش أبي»، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الولد للفراش»، إلحاق، مع أنه وجد قرينة واضحة تدل على أن شبه ذلك الصبي بمن ادعاه المدعي الآخر، وهو من سعد بن أبي وقاص، سعد بن أبي وقاص، قال: «يا رسول الله، هذا ولد أخي عتبة، عهد إلي أخي عتبة بأنه ولد له من هذه أو من تلك الأمة». فنظر النبي صلى الله عليه وسلم إلى الشبه، وجده ماذا؟ أشبه ما يكون بعتبة، ومع هذا ألحقه بمن ألحقه بالفراش. فقال العلماء رحمهم الله تعالى: فيه تطلع الشرع وتشوف الشرع لإلحاق الأنساب بعضها ببعض. ويدل كذلك عليها ما جاء كذلك في الصحيحين من حديث عائشة أيضًا في قصة أسامة بن زيد، وزيد بن حارثة، حينما أتى النبي صلى الله عليه وسلم بقائف، فنظر إلى الأقدام، إلى أقدام أسامة وأبيه، فقال: «إن هذه الأقدام بعضها من بعض». فسر النبي صلى الله عليه وسلم جدًا، فاستدل العلماء رحمهم الله تعالى كذلك على هذا المعنى، فبالقيافة حصل إلحاق نسب، حصل إلحاق نسب. فاستدل العلماء رحمهم الله تعالى بهذه الأدلة وما كان في معناها على أن الشرع يتشوف إلى مثل هذه الأمور، أي بإلحاق الأنساب بعضها ببعض. وهذا كما ذكر أن النسب يلحق بذلك الإنسان إذا كان ولدًا له. وقال بعض أهل العلم: وأمكن أن يكون ولدًا له، وأمكن أن يكون ماذا؟ ولدًا له، كأن يكون مثلا عنده امرأة كانت حامل، أو أما كانت حامل وذهب ما في بطنها، ولا يعلم أين ذهب ولدها، ففي مثل هذه الحال لا بأس يلحق به ذلك الولد. قال: ومن ادعى نسبه ألحق به، إلا أنه إن كان كافرًا، أي إن ادعاه الكافر، جاء إنسان كافر، فقال: هذا ولدي، فهل يلحق به أم لا؟ قال الإمام ابن قدامة رحمه الله تعالى: إلا أنه إن كان كافرًا ألحق به نسبًا لا دينًا، ولم يسلم إليه. ألحق به نسبًا، لما تقدم، أي أن نسبه ما ادعاه، وما هناك ما يدل على امتناع ذلك، فادعاؤه بأنه ولده يلحق به بهذه الدعوة، لماذا؟ لما تقدم من تشوف الشرع لإلحاق الأنساب بعضها ببعض. ولا يلحق به دينًا، قالوا: لأنه كافر، واللقيط في بلاد الإسلام، أو ما كان تحت أحكام الإسلام، وأمكن أن يكون مسلمًا، يكون حكمه كحكم المسلمين. وإذا كان حكمه أحكام المسلمين فماذا؟ قالوا: فلا ولاية لكافر على مسلم، لا ولاية لكافر على مسلم، لعمومات الأدلة في هذا الباب: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾، فلا ولاية له، أي ولاية رعاية وقوامة. ولكن له رعاية ماذا؟ له أن يستلحقه باعتبار ماذا؟ باعتبار النسب، لما تقدم ذكره. فهذا هو ملخص ومختصر القول في أحكام اللقيط، والله أعلم. وصلى الله وسلم وبارك على نبيه الكريم، وعلى آله وصحبه أجمعين.