كتاب البيع 10

الدرس في كتاب البيع 10، ألقاها

شرح حديث النبي في القرض وقضاء الدين

يشرح الحديث النبوي حول استلف بكر وقضاه بخير منه، ويبين جواز القرض بمثل أو خير منه ودور الحاكم في قضاء الدين. يوضح دلالة الحديث على أحكام القرض.

أحكام رد القرض وطرقه

يتناول أحكام رد القرض، حيث يجب رد مثل الشيء المقترض إذا كان مثليًا، ويجوز رد خير منه. كما يبين جواز رد القرض دفعة واحدة أو على دفعات.

شروط وضوابط القرض والهدية

يحدد الشروط في القرض، حيث لا يجوز اشتراط منفعة للمقرض إلا في حالات الرهن أو الكفالة. كما يبين حكم الهدية في القرض واشتراطها.

حكم الأمور المشروعة وغير الربوية

يبين أن الأمور التي لا تعتبر قرضًا بنفع مشروعة وجائزة. يشير إلى عدم وجود نفع غير مشروع فيها ويختم بالصلاة على النبي.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادئ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، قال الإمام موفق الدين أبو محمد ابن قدامة المقدسي رحمه الله تعالى وغفر له في كتابه «عمدة الفقه» في كتاب البيع منه، قال: باب القرض وغيره. قال رحمه الله تعالى: عن أبي رافع رضي الله عنه -وأبو رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استلف من رجل بكرًا، فقدمت عليه إبل الصدقة، فأمر أبو رافع أن يقضي الرجل بكره. قال: فرجع إليه، فقال: لم أجد فيها إلا خيارًا رباعيًا. فقال: أعطوه إياه، فإن خير الناس أحسنهم قضاءً. الحديث رواه الإمام مسلم رحمه الله تعالى. وقوله: «البكر» قال: هو الفتي من الإبل. وقوله: «لم أجد إلا خيارًا رباعيًا» قالوا: بتخفيف الياء، يقال للذكر من الإبل إذا طلعت رباعيته، وذلك إذا دخل في السنة السابعة. والحديث يعد أصلًا في هذا الباب -أي في باب القرض وقضاء الدين-، ففيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استلف من رجل بكرًا. فالحديث فيه دلالة على أن مثل هذه الأنواع من القرض جائز، وإن كان البكر قد يختلف، لكن يُحمل هذا على وصف معلوم، وأن القضاء يكون بمثله، أو أن يكون بخير منه. وفيه أيضًا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ربما احتاج إلى مثل ذلك، وهذا لعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يحتاج إليه لأمر من الأمور التي يحتاجها المسلمون. وقوله: «قدمت عليه إبل الصدقة، فأمر أبا رافع أن يقضي الرجل بكره» فيه كذلك دلالة على أن الأمير والحاكم إذا اقترض شيئًا لأمر من أمور المسلمين، فإنه له أن يقضيهم من ذلك. وقوله: «فرجع إليه أبو رافع» -أي أنه قاله- أنظر له بكرًا كبكره. قال: «فرجع إليه أبو رافع، فقال: لم أجد فيها إلا خيارًا رباعيًا» -أي وجد خيرًا منها-. قال: فقال: «أعطوه إياه»، ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم معللًا لهذا الحكم: «فإن خير الناس أحسنهم قضاءً». والنبي صلى الله عليه وسلم خير الناس، فكان صلوات الله وسلامه عليه أحسنهم قضاءً. ففي الحديث دلالة واضحة على أن من اقترض شيئًا، فإما أن يرد مثله إن كان مثليًا، أو أن يرد خيرًا منه. لذا قال الإمام ابن قدامة رحمه الله تعالى: «قال: ومن اقترض شيئًا» -وقوله: «شيئًا» من اقترض شيئًا هكذا جاء على وجه التعميم- من اقترض شيئًا، قال رحمه الله: «قال: ومن اقترض شيئًا، فعليه رد مثله إن كان مثليًا، ويجوز أن يرد خيرًا منه للخبر» -أي لحديث أبي رافع-. وعليه: من استدان شيئًا مثليًا -وقوله: «شيئًا مثليًا» خرج ما لم يكن شيئًا مثليًا- فما لم يكن شيئًا مثليًا، فإن السلف في مثل هذا لا ينضبط فيه، لذا يكون في مثل هذا النوع من القرض فيه ما فيه؛ لأجل هذا المعنى؛ لأجل أنه لا ينضبط. والعبرة في القرض لابد أن يكون فيما ينضبط -أي يستطاع قضاؤه- حتى لا يحصل النزاع ويحصل الخصومات. قال رحمه الله تعالى: «فعليه رد مثله إن كان مثليًا» -أي أن يرد مثله سواءً بسواء وصفًا ونوعًا وجنسًا وعددًا إلى غير ذلك- يرد مثله سواءً بسواء. فإن لم يكن واجدًا لمثله، فإن أعطى خيرًا منه فهو خير؛ للحديث: «فإن خير الناس أحسنهم قضاءً». قال رحمه الله تعالى: «ومن اقترض شيئًا، فعليه رد مثله إن كان مثليًا، ويجوز أن يرد خيرًا منه للخبر، وأن يقترض تفاريق ويرد جملة إذا لم يكن بشارطٍ، وإن أجله لم يتأجل أولًا». قوله رحمه الله تعالى: «ومن اقترض شيئًا» أو «ومن افترض شيئًا». «ومن اقترض شيئًا، فعليه رد مثل» كما تقدّم. ثم قالوا: «أن يقترض تفاريقًا ويرد جملة إذا لم يكن بشارطٍ» -يعني لو أن إنسانًا مثلًا اقترض من إنسان مثلًا بكرًا، ثم بعد أيام احتاج إلى آخر، ثم بعد أيام احتاج إلى ثالث- فهل له أن يردها جميعًا؟ الجواب: نعم، إلا أن يكون بينهما شرط أن يكون بينهما شرط، وإلا فالأصل له أن يردها جميعًا؛ لماذا؟ لأن أخذها متفرقة يكون حكم المجموع، كأنه أخذها دفعة فردها دفعة. والعكس: إذا أخذ مجموعًا، له أن يرده متفرقًا. والعكس: لو أخذ جملة، لو أن يرده متفرقًا -يعني مثاله لو أن إنسانًا استدان من إنسان مثلًا بكرًا وبكرًا وبكرًا، لكن أخذ جملة في وقت واحد- فله أن يعطيه مثلًا يسأل له بعد مدة واحدًا، ثم بعد زمن الثاني، ثم الثالث وهكذا متفرقًا؛ إلا أن يكون هناك بينهما شرط. إذا كان بينهما شرط، فالواجب الوفاء بالشرط؛ لماذا؟ لأن العبرة بقضاء الدين، وبرد الدين سواء كان مجموعًا -أي كان جملة- أو كان متفرقًا. وإن أجله لم يتأجل -أي إذا حصل أن جعل الأمر آجلًا وهو حال- يقول: ماذا؟ ليس له ذلك، ولا يلزمه ذلك. قال رحمه الله تعالى: «ولا يجوز شرط شيء ينتفع به المقرض، إلا أن يشترط رهنًا أو كفيلًا». طيب هذه كذلك من المسائل، يقول: «ولا يجوز شرط شيء ينتفع به المقرض» -يعني يقول له مثلًا: أريد منك قرض مائة ألف ريال يمني، يقول له: نعم، لكن بشرط ما هو هذا الشرط؟ أن تسكنني دارك، أو أن تعطيني مزرعتك أعمل فيها، أو ما شابه ذلك من الشروط- لماذا؟ لأن هنا أو في هذا الباب قاعدة فقهية أصلها حديث، لكنه لم يصح، وهو: «أن كل قرض جر نفعًا فهو ربا» -أن كل قرض جر نفعًا فهو ربا- فلا يجوز للمقترض أن ينتفع من قرضه بشيء -يعني لا يجوز للمقرض أن ينتفع من المقترض بشيء- فليس له أن يقول له: أريد كذا أريد كذا مثلًا، يقول له: سأعطيك مئة ألف، لكن تزرع لي هذه الأرض خلال هذا الأسبوع، خلال هذا الشهر، أحتاج إلى سيارتك عندي بعض المشاوير. واضح: جماعة هذا لا يجوز؛ لماذا؟ لأنه قرض جر نفعًا، وكل قرض جر نفعًا فهو ربا؛ لأنه في الحقيقة سيأخذ ماله، سيرد عليه ماله في الأجل، وزيادة: الانتفاع بذلك الشيء المنتفع به. قال: «إلا أن يشترط رهنًا أو كفيلًا» هذا لا بأس به؛ لأن فيه توثيقًا للمال؛ لأن فيه توثيقًا للمال. وما كان كذلك فإنه لا بأس به -أي أن يأخذ رهنًا كما قال الله جل وعلا: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ وكذلك الكفالة جائزة، ودل عليها قول الله جل وعلا عن يوسف: ﴿وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ -أي ضامن- والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «من أُحيل على مليء فليحل». فلا بأس يقول له: أنا سأقرضك، ولكن بشرط ما هو هذا الشرط؟ أن تعطيني رهنًا، أو أن تأتيني بمن يضمنه. هذا لا بأس، هذا كما يقول العلماء: هذا توثيق للمال أو للقرض، وهذا جائز شرعًا. قال رحمه الله تعالى: «ولا تقبل هدية المقترض؛ لأنها فيها شبهة القرض الذي جرى نفعًا، وكل قرض جرى نفعًا فهو ربا». قال: «إلا أن يكون بينهما عادة بها قبل القرض» -أي فلا بأس إن كان أمر كذلك فلا بأس- يعني: إنسان مثلًا صديق وصديق، كان بينهما هذا يعطي هدية، وهذا يرد له هدية، ثم احتاج أحدهما من الآخر قرضًا فأقرضه، هل تتوقف الهدية؟ الجواب: لا، ما دام أن بينهما عادة سابقة، فإنه لا بأس بالهدية والحال كذلك؛ لأن الهدية حينها لم تكن لأجل القرض، ولكن لأجل المودة والصداقة أو الجوار الذي بينهم، فليس لأجل القرض. وإذا كان كذلك، فإنها تكون من الأمور الجائزة والأمور المشروعة؛ لأن ليس فيها معنى القرض الذي جرى نفعًا. والله أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على نبيه الكريم وعلى آله وصحبه أجمعين.

شاركنا على