كتاب البيع 11

الدرس في كتاب البيع 11، ألقاها

أحكام الدين المؤجل وتطبيقاته

يتناول هذا الفصل أحكام الدين المؤجل وفقًا للإمام ابن قدامة، موضحًا عدم مطالبة المدين قبل حلول الأجل وعدم سقوط الحق بالإفلاس أو الوفاة. كما يشرح أحكام الدين عند حلول الأجل والإجراءات المتخذة تجاه المدين المعسر.

التعامل مع المدين المعسر أو المسافر أو المتوفى

يتناول هذا الفصل الإجراءات عند إعسار المدين أو سفره أو وفاته، حيث يحق لصاحب الدين طلب رهن أو كفيل. كما يُلزَم صاحب الدين بإنظار المدين المعسر حتى ييسر الله له.

أحكام المدين المعسر والموسر وإجراءات الحجر

يشرح هذا الفصل كيفية التعامل مع المدين المعسر والموسر، حيث يُحلَف المدين المعسر ويُخلَّ سبيله، بينما يُحبس المدين الموسر إذا أبى الوفاء. كما يتناول أحكام الحجر على المدين إذا كان ماله لا يفي بدينه.

زوال حكم الحجر بعد زوال العلة

يتناول هذا الفصل مسألة زوال حكم الحجر عند زوال العلة التي من أجلها وُضع الحجر، مشيرًا إلى أن الحكم يزول مع العلة.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، قال الإمام موفق الدين أبو محمد ابن قدامة المقدسي رحمه الله تعالى وغفر له، في كتابه "عمدة الفقه" في كتاب البيع منه، قال: باب أحكام الدين، أي مدخل في الكلام على المسائل والأحكام المترتبة على الدين، أي على الدين باعتبار الدين نفسه، وبذا باعتبار المدين، وباعتبار المدان، فهي أحكام كلها تدور وتدخل في هذا الباب، ويدخل فيها كذلك أحكام المفلس. قال رحمه الله تعالى وغفر له: من لزمه دين مؤجل لم يطالب به قبل أجله، ولم يحجز عليه من أجله. هذه المسألة هي أولى هذه المسألة في هذا الباب، وهي أن من لزمه دين مؤجل، صورة هذه المسألة لو أن شخصًا أعطى لشخص دينًا إلى أجل معلوم، يعني قال له: مثلا في آخر شهر صفر أريد مالي، قال له: نعم واتفق على ذلك، فليس لصاحب الدين بعد أن تمضي أيام قبل حلول الأجل أن يقول له: أريد مالي الآن، ليس له ذلك، بل له المطالبة إذا حل الأجل، له المطالبة إذا حل الأجل. لذا يقول الإمام ابن قدامة: من لزمه دين مؤجل لم يطالب، أي لم يطالب به من صاحب الدين، لم يطالب به قبل أجله، لماذا؟ لأنه عقد حصل فيه الاتفاق على أجل معلوم، والله جل وعلا يقول: ﴿يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود﴾، فما كان فيه أجل محدود فإنه يرجع فيه إلى ذلك الأجل، فليس له أن يطالب قبل ذلك الأجل وقبل حلوله. قال رحمه الله تعالى: ولم يحجز عليه من أجله، أي ليس له أن يحجز عليه ماله، أن يتصرف فيه قبل أن يحل أجله، قبل أن يحل الأجل ليس له ذلك، لماذا؟ لأن قضاء الدين قبل حلول الأجل ليس بلازم، لأن قضاء الدين قبل حلول الأجل واستحقاق الحق قبل حلول الأجل ليس بلازم، فليس له أن يحجر على ماله أو أن يردمه بعدم التصرف بماله حتى يعطى ما له من الحق، ليس له ذلك. قال رحمه الله تعالى: ولم يحل بفلسه ولا بموته. هذه المسألة الأخرى، بل هما مسألتان، الأولى: من كان عليه دين فأفلس، يعني رجل أقرض رجلاً مالاً إلى أجل معلوم، يعني مثلاً قال له: بعد عام في تاريخ كذا في شهري كذا في سنتي كذا أريد مالي، قال: نعم واتفق على ذلك، قبل حلول الأجل أفلس ذلك المدين، صار مفلسًا، والمفلس في اصطلاح الفقهاء رحمهم الله تعالى: أنه من غلب عليه الدين، من غلب الدين على ماله، بحيث أنه لا يستطيع معه قضاء ما عليه من حق، هذا يقال فيه بأنه مفلس. فلو أن رجلاً كما سمعتم أقرض رجلاً دينًا إلى أجل، وحل الأجل، وذلك الذي عليه الدين مفلس، فما الحكم؟ يقول رحمه الله تعالى: لم يحل بفلسه، أي لم يحل ذلك الأجل بفلسه، وكذلك لم يسقط عليه الحق بمجرد ماذا؟ بمجرد فلسه. واضحة جماعة، يعني على سبيل المثال نصور هذه المسألة: رجل أقرض رجلاً مئة ألف ريال، قال له: في تاريخ مثلاً واحد ذي الحجة سنة ألف وأربعمائة وستة وثلاثين هجرية أريد مالي، قال: نعم مثلاً في رمضان قبل حلول الأجل أفلس ذلك المدين، هل إفلاسه يلزمه بقضاء ما عليه من الحق في ذلك الوقت؟ الجواب لا، ما دام بينهما أجل محدود، فإن الأمر يرجع إلى الأجل المحدود. قال رحمه الله تعالى: ولم يحل بفلسه ولا بموته. وكذا الموت، لو أن رجلاً أقرض رجلاً دينًا مثل الصورة الأولى، اتفق على أن يعطيه في الأول من ذي الحجة، الرجل مات في رمضان، فهل له أن يقول: حل أجله؟ يقول ورثته: على أبيكم مال لي فاقضوني حقي، يقول الإمام ابن قدامة رحمه الله تعالى: لا، متى يطالب؟ إذا حل أجله، متى أجل يحل؟ إذا جاء في تاريخ واحد ذي الحجة، له أن يطالب بحقه، قبل ذلك فليس له أن يطالب بحقه. لكن كما قال علماء رحمهم الله تعالى: في مثل هذا له أن يوثق في مثل هذه الحالة، له أن يوثق ماله، كيف يوثق ماله؟ أن يطلب رهنا أو أن يطلب ضامنًا. واضح الجماعة، لأنه مثلاً الحال كذا، يقشى على ماله من ماذا؟ من الذهاب، الرجل المفلس أو الآخر مات والورثة سيقتسمون التركة ويطالب منهم. فمثل هذا قال علماء رحمهم الله تعالى: بأس له والحالة كذلك أن يوثق ماله، أي أن يطلب، يقول لهم: بقي لكم أجل، أنتم بالخيار بين أن تعطوني مالي الآن، وبين أن تعطوني رهنا حتى يحل أجل الدين، وإما أن تأتوني بضامن يضمن لي المال متى حل الأجل، والحال كذلك والحالة كذلك، فله أن يطالب بذلك، والأمر أو الحالة كذلك، لأنه أمر عارض ويخشى معه من فوات حقه وذهاب حقه. لذا يقول إمام ابن قدامة رحمه الله تعالى: لم يحل بفلسه ولا بموته، إذا وثقه الورثة برهن أو كفيل. واضح جماعة، إذا وثقه الورثة برهن أو كفيل، برهن كان يقول: يا أخي هذا رهن، لكن الآن أنت بقي لمدتك شهر، شهرين، سنة، سنة على الأجل، يقول: ليس لك الآن إلا ماذا؟ إلا أن تنتظر، يقول: أنا أخاف يذهب مالي، يقول: هذا رهن واضح جماعة، أو يقوم واحد ذا يعني واحد يستطيع أن يتحمل، فيقول لهم: مالك إذا حل الأجل عندي أنا ضامن، فهذا لا بأس به. قال رحمه الله تعالى: وَإِنْ أَرَادَ سَفَرًا يَحِلُّ الدَّيْنُ قَبْلَ مُدَّتِهِ أَوْ الْغَزْوَى تَطَوُّعًا فَلِغَرِيمِهِ مَنْعُهُمْ إِلَّا أَنْ يُوَثِّقَهُ بِذَلِكَ. هذه كذلك مسألة أخرى، وهي لو أن على رجل دينًا، وهذا الدين قرب أجله، فأراد المدين أن يسافر، وسفره ذلك قد يحل الأجل، وهو ليس بموجود، فهل لصاحب الدين أن يمنعه؟ واضح جماعة، يعني على سبيل المثال: رجل عليه دين سيحل الدين مثلاً في عشرة ذي الحجة، واضح جماعة، الرجل أراد أن يحج، متى سيكون الحج في هذه الأيام؟ فهل لو أن يمنعه أم ليس له أن يمنعه؟ يقول الفقهاء رحمهم الله تعالى: له أن يمنعه إلا أن يوثقه إما برهن أو بضامن، إما برهن وإما بضامن، لماذا؟ لأن الأجل سيحل، وإذا حل الأجل وجب عليه الأداء، أي قضاء ما عليه من حق، وهذا واجب، حق واجب، وهذا الحق الواجب لا يتأتى إلا بكونه ماذا؟ باق عند حلول الأجل، وما لا يتم الواجب إلا بمثله فواجب، إلا أن يوثق ذلك الدين إما برهن وإما بضامن، يدفع له الأجل متى حل ذلك الأجل. قال رحمه الله تعالى: وإن كان حالاً على معسر وجب إنظاره. طيب هذه مسألة، وهي مسائل كذلك الدين، وهي أن الأجل إذا حل على المدين، فأراد صاحب الدين القضاء، فظهر أن المدين مفلس، فما الحكم ها هنا؟ قال الإمام ابن قدامة رحمه الله تعالى: وجب عليه إنظاره، ما معنى إنظار؟ أي تأجيل، وجب عليه أن يؤجله إلى أن ييسر الله جل وعلا له القضاء، لقول الله جل وعلا: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عَسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾، وهذا أمر من الله، هذا أمر من الله جل وعلا. فالحاصل أن الأجل إذا حل والرجل معسرًا، فليس لصاحب الدين إلزامه بالقضاء، لماذا؟ لأنه معسر، والله جل وعلا قال: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عَسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾. قال رحمه الله تعالى: وإن ادعى الإعسار حُلِّف وخُلِّي سبيله. يعني لو أنه عُرف عنه بأنه معسر، الأمر فيه واضح، ولو أنه طالبه بماله فقال له: أنا معسر، قال له: أنا معسر، قال الإمام ابن قدامة رحمه الله تعالى: حُلِّف وخُلِّي سبيله، لماذا؟ حُلِّف مع أنه في هذه الحالة صورة ماذا؟ المدعي، والأصل المدعي أن يأتي بالبينة. قالوا: حُلِّف لأن الأصل معه، ما هو الأصل معه؟ قالوا: لأن الأصل الإعسار، أي الأصل في الناس أنه ماذا؟ قلَّت ذات اليد، قلَّت ذات اليد، فلو أنه ادعى هذا، قالوا: فهذا راد إلى الأصل، والقاعدة عند جماعة من المحققين من أهل العلم في باب البينات ونحوها، كشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وكذا تلميذه، وكذا تلميذه ابن القيم رحمهم الله تعالى جميعًا: أن اليمين مع أقوى الجهتين، أن اليمين تكون مع أقوى الجهتين، والجهة القوية ها هنا من؟ هذا يطالب بماله، والآخر ينفي، يقول ماذا؟ يقول: أنا أعترف بمالك، لكنني مُعسر، والأصل يدل على هذا. فأي جهتين أقوى؟ جهة من ادعى أنه ماذا؟ أنه مُعسر، لذا يُحلَّف ويُخلَّ سبيله، يُحلَّف ويُخلَّ سبيله. قال رحمه الله تعالى: إلا أن يُعرف له مال قبل ذلك، فلا تُقبل، فلا يُقبل قوله إلا ببينة. واضح جماعة، يقول الإمام ابن قدامة رحمه الله تعالى: الأصل أنه يُحلَّف ويُخلَّ سبيله، يقول: إلا أن يُستثنى من ذلك أن يُعرف له مال قبل ذلك، أن يُعرف أن هذا الرجل ذو مال، واضح جماعة، أي أنه حينما ادعى أنه مُعسر، وثبت ببراهين أنه ذو مال، يدل على أن ادعاءه بأنه مُعسر ماذا؟ كذب، فإذا ادعى عند الأجل أنه مُعسر، يُقال: لا نُريد منك إلا ماذا؟ إلا ما تُثبت هذا ببينة وبرهان، يأتي ببينة وبرهان. قال رحمه الله تعالى: وإن كان موسرًا به لزمه وفاؤه. لماذا؟ لأن الدين إذا حل أجله وجب عليه القضاء، وجب عليه القضاء، لأنها عهود، والله جل وعلا يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾، هذا عهد وعقد بينكما، فأوفه، هذا إذا كانت عقود كما يقال فيها مصلحة للطرفين، وجب أن تنفذ وأن يحصل مختضى ذلك العهد وذلك العقد، فكيف إذا كان عقد إحسان وفضل، فإنه أولى وأولى. قال رحمه الله تعالى: وإن كان موسرًا به لزمه وفاؤه، فإن أبى حبس حتى يوفيهم. فإن كان طيبًا حبس حتى يوفيهم، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "مطل الغني ظلم، يحل عقوبته وعرضه"، يحل عقوبته بأن يزجره، يحبس، وعرضه بأن يتكلم فيه صاحب الحق، يقول: هذا ظالم، هذا أخذ مال وما أراد أن يعطيني، ما أراد قضائي، يحل عرضه، وهذا الحديث دليل على ماذا؟ دليل على وجوب قضاء الدين إذا حل الأجل، وأن من ماطل وهو غني وهو قادر، فإنه ظالم، ومعنى ظالم: أنه وقع في كبيرة من كبائر الذنوب، لأن الظلم من كبائر الذنوب، وأنه يحبس، وأنه يؤدب، وأنه يلزم بقضاء الدين. قال رحمه الله تعالى: فإن كان ماله لا يفي بدينه كله، فسأل غرماؤه الحاكم الحجر عليه لزمه إجابتهم. هذه مسألة، وهي مسألة الحجر، الفقهاء يسمون مسألة الحجر على من استحق الحجر، والحجر له أسباب، منها: أن يكون رجل عليه ديون، وله غرماء، وعنده مال لا يفي بما عليه من حقوق، فأصحاب الحق يخشون أن يعبث بذلك المال، ولا يعطيهم من حقوقهم شيئًا. قال: ففي مثل هذه الحالة يطالبون من الحاكم بحجر ماله، أي بعدم التصرف في ذلك المال، حتى يأمن المال، وحتى لا يذهب ما لهم من حق، والحجر معناه: منع صاحب الحق بالتصرف بماله، منع صاحب الحق بالتصرف بماله. قال رحمه الله تعالى: فإذا حجر عليه لم يجز تصرف في ماله، ولم يقبل إقراره عليه. فإذا حجر عليه لم يجز تصرف في ماله، فليس له أن يتصرف في المال، إذا حجر عليه الإمام، يسمى في عرف الشرع ما يسمى محجورًا عليه، أي محبوسًا ماله، فليس له تصرف فيه، فليس يجز له أن يتصرف في ماله، أي في بيع وشرع يضر بذلك المال. قال رحمه الله تعالى: ويتولى الحاكم قضاء دينه، ويبدأ بمن له أرش جناية من رقيقه، فيدفع إلى المجن عليه أقل الأمرين من أرشها أو قيمة الجاني، ثم بمن له رهن، فيدفع إليه أقل الأمرين من دينه أو ثمن رهنه، وله أسوة الغرماء في بقية دينه، ثم من وجد متاعه الذي باعه بعينه، لم يتلف بعضه، ولم يزد زيادة متصلة، ولم يأخذ من ثمنه شيئًا، فله أخذه، لقوله رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من أدرك متاعه بعينه عند إنسان قد أفلس، فهو أحق به من غيره"، ويقسم الباقي بين الغرماء على قدر ديونهم. قال رحمه الله تعالى: وينفق على المفلس وعلى من تلزمه مؤنته من ماله، إلى أن يفرغ من القسمة. هذا أمر آخر، وهو أن المفلس ليس معناه أن يحبس ماله، فليس له أن يطعم نفسه، ولا أولاده، ولا أن يسكن نفسه، ولا أولاده، ولا أن يلبس نفسه، ولا أولاده، بل كل ما يحتاج إليه المفلس من مطعم أو مشرب أو ملبس أو مسكن، فإنه يعطى من ماله، فإنه يعطى من ماله بالمعروف. قال رحمه الله تعالى: إلى أن يفرغ من القسمة، ما معنى إلى أن يفرغ من القسمة؟ أي إلى أن ينتهي المال الموجود مع المفلس، إذا انتهى المال الموجود مع المفلس، هل ينقضي الحجر؟ واضح جماعة، يرتفع الحجر، لأن الحجر وضع لعلة، فذهبت تلك العلة، ذهب معها ماذا؟ حكمها. والله أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على نبيه الكريم، وعلى آله وصحبه أجمعين.

شاركنا على