كتاب البيع 26

الدرس في كتاب البيع 26، ألقاها

تعريف الغصب وأحكامه الشرعية

يتناول تعريف الغصب لغة وشرعًا، ويوضح الأحكام المترتبة عليه مثل وجوب رد المغصوب وحرمة الغصب. يُبين أيضًا أن الغصب من كبائر الذنوب مستندًا إلى الكتاب والسنة والإجماع.

أحكام الغصب والتعويض عن الأضرار الناتجة

يشرح أحكام الغصب في الشريعة الإسلامية، مثل وجوب رد المغصوب وأداء أجر المثل وتحمل أرش النقص أو التلف. كما يوضح كيفية التعامل مع الجناية على الشيء المغصوب أو بواسطته.

ضمان الزيادة في المال المغصوب وحالات التلف

يتناول أحكام الزيادة في المال المغصوب وتلفه، حيث تعود الزيادة إلى المالك الأصلي، وفي حالة التلف يجب على الغاصب دفع مثل المغصوب أو قيمته حسب نوعه.

حكم الغاصب عند تلف المال المغصوب وأخذ القيمة

يشرح حكم الغاصب عند تلف المال المغصوب وأخذ القيمة بدلًا عنه، ويبين أنه يجب رد المغصوب أو دفع قيمته عند التلف أو التعذر.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد. قال الإمام موفق الدين أبو محمد ابن قدامة المقدسي، رحمه الله تعالى وغفر له، في كتابه "عمدة الفقه" في كتاب البيع منه: باب الغصب. بعد أن ذكر رحمه الله تعالى ما ذكر من الأبواب المتعلقة بكتاب البيع، وكان آخر ما أخذه أمر الإجارة، ذكر هذا الباب -أي باب الغصب- لما يدخل على الناس من هذا الباب ما يدخل، أي من الغصب أن يغصب إنسانٌ ما لإنسان حق إنسان بغير حق، ثم ربما عمل في ذلك المغصوب، فاحتيج إلى معرفة أحكام الغصب، وهي داخلة في باب المعاملات بهذا الاعتبار، أي ما هي الأحكام المترتبة على الغصب إذا غصب شيئًا، إذا غصب مالًا لغيره فنمَّاه وأتلفه، أو حصل له تلف، ما هي الأحكام المترتبة على ذلك؟ وقوله رحمه الله تعالى وغفر له: "باب الغصب"، أي مدخلٌ في الكلام على مسائل وأحكام الغصب. والغصب لغةً هو أخذ الشيء ظلمًا. وغصب من باب "ضربة". وشرعًا عرَّفه الإمام ابن قدامة رحمه الله تعالى بقوله: "وهو استيلاء الإنسان على مال غيره بغير حق". وعرَّفه بعضهم بتعريف لعله يكون أدق، فعرَّف الغصب بأنه: "استيلاء غير حربي على حق غيره قهرًا بغير حق". فالاستيلاء معناه واضح، وهو أن يتسلط على حق الغير ويتملكه بغير حق. وقوله: "هو استيلاء غير حربي"، أي استيلاء من كان معصومًا، سواء كان مسلمًا أو كان ذميًا، ويدخل فيه كذلك المحارب إذا عاهد. وقولهم: "على حق غيره"، أي أن ذلك الاستيلاء ليس استيلاءً على حقٍ مثلاً على أرضٍ موات، كما مرَّ معنا أن من أحيا أرضًا موات فإنه أحق بها؛ لأنها لا مالك لها، لكن الغصب هو استيلاء على حق الغير، فهو حق للغير، يد الغير قد ثبتت عليه، فيأخذه ذلك الغاصب بغير حق. وقولهم: "بغير حق"، خرج ما كان بحق، مثل مفلس أفلس، وعليه مالٌ لغيره، فلحاكم أن يتسلط على ذلك المال بأن يجبره على بيع ذلك الملك الذي تحت يده لإعطاء المستحقين حقوقهم، فإن أبى، فيجوز للحاكم أن يبيعه ولو بغير رضاه؛ لأجل أن يدفع وأن يعطي أصحاب الحقوق حقوقهم، فهذا أخذ مال غير، لكن بحق. وقهرًا، فخرج ما لم يكن قهرًا، كان يكون ذلك الأخذ خفية، فإن هذا يسمى سرقة، استيلاء على الحق على مال خفية، يكون سرقة، بخلاف الغصب، الغصب يكون فيه معنى القهر وفيه معنى التجبر وفيه معنى القهر. قال رحمه الله تعالى: "ومن غصب شيئًا"، وقوله "شيئًا" نكرة، فأفادت العموم. قال: "فعليه رده"، أي شيء كان، وأي غاصب كان، فعليه رده، هذا هو الحكم الذي يلزم الغاصب. وقبل هذا حكم الغاصب، ذكر الفقهاء رحمهم الله تعالى أن الغاصب -المتقدم تعريفه- حرام، بل هو من كبائر الذنوب، ويدل على ذلك الكتاب والسنة والإجماع. أما الكتاب، فقول الله تبارك وتعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. ومن السنة أدلَّة كثيرة، منها قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم كما في الصحيحين من حديث أبي بكرة: "إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا". وقول النبي صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين من حديث زيد بن ثابت: "من اقتطع أرض مسلم بغير حق طوقه من تحت سبع أراضين". ونقل الإجماع غير واحد، وأن الغصب محرم، وإن اختلفوا في بعض فروعه. قال رحمه الله تعالى: "ومن غصب شيئًا فعليه رده". هذا أول أحكام الغصب، أن من غصب شيئًا فعليه رده، أي وجب عليه رده. وأجر مثله إن كان له أجر مدة مقامه في يده. وإن نقص، فعليه أرش نقصه. وإن جنى، فأرش جنايته عليه، سواء جنى على سيده أو على أجنبي. وإن جنى عليه أجنبي، فلسيده تضمين من شاء منهما. قال رحمه الله تعالى: "ومن غصب شيئًا فعليه رده". واستدل العلماء رحمهم الله تعالى بما جاء في حديث سمرة بن جندب عند أبي داود وغيره بإسناد صحيح، أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم قال: "على اليد ما أخذت حتى تؤدي". أي أنها ضامنة حتى تؤدي، أي ترد ما أخذت. قال: "وأجر مثله إن كان له أجر مدة مقامه في يده". يعني لو أن رجلًا غصب أرضًا، هذه الأرض تؤجر، أو غصب دارًا، تلك الدار تؤجر، أو غصب دابة، تلك الدابة تؤجر، أو عبدًا، ذلك العبد يؤجر، أو ما شابه ذلك، فإنه يجب عليه أن يرد ذلك المغصوب، ويجب عليه أيضًا أجرة المثل في تلك الأيام التي اغتصب فيها ذلك الشيء المغصوب. قال: "وإن نقص فعليه أرش نقصه". يعني لو أن إنسانًا غصب شاة، وفي أثناء بقائها عند ذلك الغاصب نقصت تلك الشاة، إما صارت هزيلة أو حصل لها شيء من العطب أو التلف أو ما شابه ذلك، فإنه يجب أن يضمن أرش نقصه. قال رحمه الله تعالى: "وإن جنى فأرش جنايته عليه، سواء جنى على سيده أو على أجنبي". يعني مثلًا عبد عمل جناية، أو مثلًا أخذ دابة مثل إبل فرست إنسانًا، أو أخذ شاة أو تيسًا فنطح إنسانًا، أي تعدت تلك المغصوبة، فعلمًا على المالك أو على الغاصب، على الغاصب، فكل تلف وكل ضمانة فإنها علمًا على الغاصب. قال: "وإن جنى عليه أجنبي، فلسيده تضمين من شاء منهما". أولًا يقول: "سَواء جَنَى عَلَى سَيِّدِهِ أَوْ عَلَى أَجْنَبِيٍّ"، ثم قال: "وَإِنْ جَنَى عَلَيْهِ أَيْ عَلَى ذَلِكَ الْمَغْصُوبِ أَجْنَبِيٌّ"، أي غير الغاصب، فلسيده تضمين من شاء منهما، أي إما أن يضمن الغاصب، وإما أن يضمن المعتدي الجاني. وهذا على قول للعلماء، وفي المسألة قول آخر، وهو أن المالك يرجع في تضمينه على الغاصب، والغاصب يرجع في تضمينه على الجاني. قال رحمه الله تعالى: "وإن زاد المغصوب أو نقص، رده بزيادته وضمن نقصه، سواء كانت الزيادة متصلة أو منفصلة". يعني رجل غصب عبدًا فعلمه، صار ذلك العبد متعلمًا، الآن زاد وصف في ذلك العبد أم لا؟ الجواب نعم. أخذ شاة كانت هزيلة فأعلفها فسمينت، صارت أنفع، أي فيها زيادة. أو كانت تلك الزيادة منفصلة، ما معنى منفصلة؟ أخذ شاة فولدت تلك الشاة عنده شاة أخرى، ماذا؟ زيادة منفصلة. فسواء كانت تلك الزيادة متصلة أو منفصلة، فإنها ترجع إلى مالكها الأول؛ لأنها ملك له، فليس لعرق ظالم حق، كما جاء ذلك في الحديث. قال رحمه الله تعالى: "سَواء زاد بِفِعْلِهِ أَوْ بِغَيْرِ فِعْلِهِ". أي سواء زاد حصل تلك الزيادة بفعله، مثل أن يعلم الغلام، أو بغير فعله، كأن يطلق الدابة في الكلأ فتأكل وتشرب وتسمن. فسواء زاد بفعله أو بغير فعله، فإن الزيادة تكون لمالكها. قال: "فَلَوْ نَجَرَ الْخَشَبَةَ بَابًا أَوْ عَمِلَ الْحَدِيدَ إِبْرًا رَدَّهُمَا بِزِيَادَتِهِمَا". أي غاصب اغتصب خشبة، قال: "فَلَوْ نَجَرَ الْخَشَبَةَ بَابًا"، أي صيَّر تلك الخشبة بابًا. قال: "أَوْ عَمِلَ الْحَدِيدَ إِبْرًا"، أخذ حديدًا غصبًا فجعله إبرًا. قال: "رَدَّهُمَا بِزِيَادَتِهِمَا"، أي ما معنى "بِزِيَادَتِهِمَا"؟ أي على حالهما. أخذ خشبة، صيرها بابًا، ألا حصل فيه زيادة؟ نعم، حصل فيه زيادة، تصنيع، بدلا أن كانت خشبة صار بابًا، بدلا أن كان حديدًا صار إبرًا، وهكذا، فمثل هذه تسمى الزيادة، فالواجب عليه أن يردها. قال: "وإن غصب عبدًا فزاد في بدنه أو بتعليمه، ثم ذهبت الزيادة، رده وقيمة الزيادة". ومعنى هذا: يقول: "وَإِنْ غَصَبَ عَبْدًا فَزَادَ فِي بَدَنِهِ"، أي صار قويا، "أَوْ بِتَعْلِيمِهِ"، لم يكن متعلمًا، أو كان متعلمًا لكن صار أكثر تعليمًا. قال: "ثُمَّ ذَهَبَتْ الزِّيَادَةُ"، فما الحكم؟ قال: "رَدَّهُ وَقِيمَةَ الزِّيَادَةِ الَّتِي ذَهَبَتْ". كما تقدم؛ لأن الزيادة التي زادت عند ذلك الغاصب هي في ملك من؟ في الحقيقة، إنما هي ملك لمالكها، فإذا نقصت عند الغاصب، تكون من ضمان ذلك الغاصب. قال رحمه الله تعالى: "وَإِنْ تَلِفَ الْمَغْصُوبُ أَوْ تَعَذَّرَ رَدُّهُ، فَعَلَيْهِ مِثْلُهُ إنْ كَانَ مَكِيلًا أَوْ مَوْزُونًا، وَقِيمَتُهُ إنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ". ثم إن قدر على رده، رده وأخذ القيمة. قال رحمه الله تعالى: "وَإِنْ تَلِفَ الْمَغْصُوبُ أَوْ تَعَذَّرَ رَدُّهُ". يعني مثال التلف: يأخذ شاة مثلًا فتموت، أو يأخذ دارًا غصبًا فينهدم، أو ما شابه ذلك. أو يتعذر رده، مثل أن يغتصب عبدًا فيأبق، يهرب، هل يستطاع أن يرد؟ صعب، أبق، فماذا يصنع؟ يقول العلماء رحمهم الله تعالى: "إنْ تَلِفَ الْمَغْصُوبُ أَوْ تَعَذَّرَ رَدُّهُ، فَعَلَيْهِ مِثْلُهُ إنْ كَانَ مَكِيلًا أَوْ مَوْزُونًا". وبتعبير أوسع يقول علماء رحمهم الله تعالى: "فَعَلَيْهِ مِثْلُهُ إنْ كَانَ مِثْلِيًّا". فعليه مثله إن كان مثليًا. قال: "وَقِيمَتُهُ إنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ". وقيمته إن لم يكن كذلك، على كلام ابن قدامة، أي إن لم يكن مكيلًا أو موزونًا. وعلى الراجح من أقوال العلماء: إن لم يكن مثليًا، أي ليس له مثيل، فإنه حينها ينتقل إلى القيمة. قال: "ثُمَّ إِنْ قَدَرَ عَلَى رَدِّهِ، رَدَّهُ وَأَخَذَ الْقِيمَةَ". هذا في المتلف، أو في الذي لم يقدر على رده، مثل العبد الآبق، يعني إنسان غصب عبدًا فآبق ذلك العبد، هل يستطاع أن يرد؟ الجواب: لا يستطاع، فماذا عليه على الغاصب؟ القيمة، كم قيمة العبد؟ قالوا: ألف درهم، يدفع الألف درهم. بعد مدة قبض على ذلك العبد، واضحة، رد ذلك العبد إلى الغاصب أو إلى مالكه، فما هو الواجب؟ الواجب على المالك أن يرد القيمة لمن؟ لذلك الغاصب؛ لأنه إنما أخذ القيمة بدلًا عن ذلك العبد. نكتفي بهذا. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

شاركنا على