كلمة الشيخ أبو عبدالله محمد بن دحان

كلمة الشيخ أبو عبدالله محمد بن دحان

المحاضرة بعنوان كلمة الشيخ أبو عبدالله محمد بن دحان، والتي كانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر يوم الثلاثاء 5 شوال 1447هـ الموافق 24 مارس 2026م ألقاها منوع

شرح حديث محبة الخير وبيان نفي الكمال

يستعرض المقطع حديث أنس المتفق عليه في محبة الخير للمسلم ويوضح رواياته المختلفة. يبين أن نفي الإيمان فيه المراد به نفي كمال الإيمان لا أصله، وأن المحبة المقصودة هي الميل الاختياري لا الطبيعي أو القسري.

معنى الأخوة الإسلامية ومقتضيات حب الخير

يشرح المقطع أن حديث محبة الخير يقصد به الأخوة الإسلامية لا النسبية أو الحزبية، وأن الخير يشمل الطاعات والمباحات دينياً ودنيوياً. يبين أن كمال الإيمان يستلزم كراهية الشر لأخيك المسلم كما تكرهه لنفسك، ويشمل ذلك العلم والعمل الصالح والأخلاق والنعم الدينية والدنيوية.

تحقيق حديث محبة الخير وآثاره الفردية والمجتمعية

يشرح المقطع الآثار العظيمة لتطبيق حديث محبة الخير على الصعيدين الفردي والمجتمعي، مبيناً أنه يزيل الأمراض القلبية والشرعية والبدعية. يؤكد أن تحقيق هذه الخصلة يتطلب مجاهدة النفس ومحاسبتها، وينقل عن ابن الصلاح أن محبة الخير للغير لا تنقص من نصيب المحب شيئاً.

أهمية اتباع المنهج النبوي في الدعوة إلى الله

يؤكد المقطع أن الداعية يجب أن ينطلق من حب الخير للمسلمين ويدعو إلى جميع أنواع الخير متمسكاً بالمنهج النبوي بالبصيرة والعلم والصبر والحكمة والرفق. يشدد على ضرورة الحرص والالتزام بهذا الأصل الأصيل في الدعوة إلى الله.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليمًا مزيدًا. أيها الإخوة الكرام، كلمتي في أمرٍ عظيمٍ يتعلق بإصلاح القلوب التي نحن بحاجةٍ أن نعتني بها وأن ننتبه لها، كما سمعنا في كلمة الشيخ الفاضل سعيد حفظه الله تعالى، وتتعلق بحديث النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. من حديث أنس قال عليه الصلاة والسلام: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه». حديثٌ مشهور، حديثٌ معروف، حديثٌ رواه البخاري ومسلم وغيرهما متفقٌ عليه، وجاءت روايات أخرى تبين شيئًا من معنى هذا الحديث. هذا الحديث العظيم يتعلق بأعمال القلوب، وتحصُل منا غفلةٌ عن كثيرٍ من أعمال القلوب، ولو تأمل العاقل أعمال القلوب لوجدها تجمع له خصالاً كثيرةً من الخير، ووجد أن هذه الأعمال تكفيه أموراً كثيرة من الأمور التي يحتاجها قولاً وعملاً. هذا الحديث العظيم جاء عند الإمام مسلم في أوله زيادة، وهي: «والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم»، وجاء أيضاً عند ابن حبان بلفظ: «لا يبلغ عبدٌ حقيقة الإيمان حتى يحب لأخيه»، وجاء أيضاً عند الإسماعيلي والنسائي وابن منده: «المسلم، لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه المسلم ما يحب لنفسه من الخير»، بزيادة «المسلم» وبزيادة «من الخير». أصل هذا الحديث مع الروايات المذكورة: «والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه المسلم ما يحب لنفسه من الخير»، وتلك الرواية: «لا يبلغ عبدٌ حقيقة الإيمان حتى يحب لأخيه المسلم ما يحب لنفسه من الخير». تأملاتٌ سريعة في هذا الحديث العظيم: قوله عليه الصلاة والسلام: «لا يؤمن»، المراد بنفي الإيمان نفي كمال الإيمان، أي نفي الإيمان المطلق، نعم، وليس المراد نفي أصل الإيمان وأساسه أو نفي مطلق الإيمان. المراد بنفي الإيمان المطلق لا مطلق الإيمان، هذا لا بد أن نفهمه، فهذا نفي كمال لا نفي صحة وأساس. وهذا الإطلاق من النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فيه نفي اسم الشيء والمراد نفي الكمال عنه، إذن المقصود نفي الإيمان التام أو الإيمان الكامل، وهذا هو معنى قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم في رواية ابن حبان: «لا يبلغ عبد حقيقة الإيمان»، ومعنى الحقيقة هنا كما ذكره غير واحد من الشراح: الكمال. قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «حتى يحب»، المحبة إرادة ما يعتقده العبد خيراً. قال النووي: المحبة الميل إلى ما يوافق المحب، فميلك إلى ما يوافق المحب هذه هي المحبة، والمراد بالميل هنا الميل الاختياري لا الميل الطبيعي ولا القهر القسري، بمعنى أن المراد بالمحبة هنا المحبة الاختيارية لا الطبيعية ولا القهرية القصرية بالإكراه. والمراد أيضاً أن يحصل لأخيك نظير ومثل ومثل ما يحصل لك، هذا الذي تنتبه له تتمنى وتحب أن يكون لأخيك نظير ما لك من الخير أو ما تتمناه من الخير نظيره ومثله، نعم، فلا بد من هذا حتى يكمل الإيمان، وليس المراد أن ينتقل إلى أخيك الخير الذي عندك انتقالاً كلياً أو جزئياً، ولهذا مقام وباب آخر. قوله عليه الصلاة والسلام في رواية الإسماعيلي والنسائي وابن منده: «لأخيه المسلم»، فيها تبيين المراد بالأخوة، وهي الأخوة الإسلامية لا النسبية ولا الحزبية ولا المناطقية ولا المذهبية ولا العصبية ولا الشعوبية، إنها أخوة الإسلام. وقوله عليه الصلاة والسلام في روايتهم أيضاً: «ما يحب لنفسه من الخير»، عين جهة الحب وهو الخير، فيحب المسلم لأخيه المسلم من الخير لا من غيره ما يحب لنفسه، والخير كلمة جامعة تعم الطاعات فرضاً ونفلاً، وتعم المباحات كما ذكر النووي وغيره، إذن فهي تعم الخير الديني والخير الدنيوي، تعم الخير في الدنيا والآخرة، وهذا هو منطوق الحديث. ومفهومه: لا يؤمن أحدكم حتى يكره لأخيه المسلم ما يكره لنفسه من الشر، كما أنك لا تؤمن إيماناً كاملاً حتى تحب لأخيك المسلم ما تحب لنفسك من الخير، فكذلك لا يكمل إيمانك ولا يتحقق ولا يعلو إلا إذا كرهت لأخيك المسلم ما تكره لنفسك من الشر، ومجال هذا مجال واسع. فحب الخير للمسلم في الأمور الدينية كحب الخير في العلم النافع: حفظاً للقرآن وإتقاناً له، حفظاً للسنة وتعلماً للتوحيد والعقيدة وتعلماً للفقه وغير ذلك من العلوم، فيلزم حتى يكون إيمانك إيماناً كاملاً أن تحب لأخيك ما تحب لنفسك من الخير في باب العلم والتعليم. كذلك في باب العمل الصالح: حب الخير للمسلم في العمل الصالح، توحيداً وعقيدة وصلاة وزكاة وصياماً وحجاً وعمرة إلى آخر العبادات التي شرعها الله عز وجل فرضاً أو نفلاً. ومن ذلك حب الخير للمسلم في باب الأخلاق، فتحب لنفسك صون العرض، أيضاً تحب لأخيك المسلم أن يصان عرضه، والمفهوم أنك لا تحب أن يغتابك أحد، كذلك لا تحب أن يغتاب أخاك المسلم أحد، لماذا؟ لأن الغيبة حرمها الله عز وجل عنها ولا ترضاها لنفسك فلا ترضاها لإخوانك المسلمين. وكذلك النميمة، فلا تحبها لنفسك، أيضاً لا تحبها لغيرك. كذلك السخرية والاحتقار والطعن والسب واللعن، كل هذه الأمور فحصول هذه الأمور ينافي كمال الإيمان. أيضاً في باب حصول النعم الدينية والدنيوية: أنت تحب لنفسك تحصيل النعم الدينية والدنيوية وتكره لنفسك الحسد وتكره الحاسدين، كن كذلك مع إخوانك المسلمين. لو تحقق هذا الحديث في واقعنا ذهبت كثير من الأمراض الحسية والمعنوية الظاهرة والباطنة، ذهبت كثير من المخالفات الشرعية، وذهبت كثير من البدع والضلالات والشركيات والمنكرات، وتحقق التوحيد وتحققت العقيدة الصحيحة، وقام الناس بالعبادة لله صلاة وصياماً وزكاة وحجاً وعمرة، وتحلياً بالأخلاق الفاضلة وابتعاداً عن الأخلاق الذميمة. أنت تحب لنفسك سلامة الصدر، فكن كذلك محباً لسلامة الصدر لغيرك، فلا تحب أن يمتلئ صدر أحد عليك غلاً وحقداً وكراهة وشحناء، أيضاً كن كذلك مع إخوانك المسلمين. تحب أن يحسن الناس بك الظن، فأحسن الظن بالناس وابتعد عن إساءة الظن، فذلك مزلق خطير. كذلك حب الخير للمسلم في الأمور الدنيوية: في باب الزراعة، فالمزارعون جميعاً إذا أرادوا تحقيق هذا الحديث ليحب كل واحد منهم الخير لأخيه المزارع كما يحب الخير لنفسه. وكذلك في باب التجارة، التجار ليحب كل واحد منهم الخير لأخيه المسلم كما يحب لنفسه، نعم، بلا حسد ولا حقد ولا شيء مما يذم عليه. حتى في باب الطعام والشراب والزواج، وفي المساكن والسيارات وغيرها من النعم الدنيوية، يلزم أن تحب لأخيك المسلم ما تحب لنفسك من هذه النعم الدنيوية إن أردت تحقيق هذا الحديث. إذن معنى هذا الحديث: لا يكمل إيمان أحد حتى يحب لأخيه في الإسلام مثل ما يحب لنفسه، لا يكمل إيمان أحد حتى يحقق هذا الحديث. فهذه الخصلة العظيمة من شعب الإيمان، وترتبط هذه الخصلة بخصال كثيرة، وتجمع لك خيراً عظيماً في باب العلم النافع والعمل الصالح. وهذا الحديث يدعو إلى أمور عظيمة، أهمها: الاشتغال بمجاهدة النفس، والاشتغال بإصلاح النفس والقلب والجوارح، والاشتغال بالمحاسبة والمتابعة، ويدعو إلى علو الهمة في تحقيق والعمل بالسنة، يدعو إلى تحقيق العمل بالعلم، يدعو إلى ترك الأنانية المجتمعية، يدعو إلى إصلاح المجتمع وإصلاح الفرد نفسه، يدعو إلى التماسك المجتمعي، يدعو إلى تقوية الأخوة الإسلامية، وإلى تحقيق المحبة الشرعية، يدعو إلى تحصيل شعب الإيمان والتفقه في معاني الحديث النبوي، يدعو إلى تدبر أحاديث رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وقد ذكر العلامة العثيمين أن تحقيق هذه الخصلة من الصعوبة بمكان، وما ذلك إلا بسبب الغفلة والسهو وعدم الاهتمام وعدم المجاهدة والاجتهاد في تحصيلها. ومن تأمل ذلك وجده سهلاً يسيراً، ولكنه على من يسره الله عليه، كما ذكر ابن الصلاح ما حاصله: أن محبة حصول مثل الخير الذي تحبه لنفسك ليس فيه مزاحمة لك، وليس فيه نقص عليك، وليس فيه أيضاً بخس لنصيبك، فما هو الضرر عليك في ذلك في محبة الخير للغير؟ وذلك سهل على القلب السليم، وإنما يعسر على القلب إذا كان فيه غل ودغل، والله المستعان. هذا حاصل ما ذكره ابن الصلاح. وأختم هذه الكلمة بالإشارة إلى أن هذا حديث عظيم وأصل من أصول الدعوة إلى الله، فالداعي إلى الله ينطلق في دعوته من حب الخير للمسلمين، فيدعو إلى الخير كله: توحيداً وعقيدة وعلماً وعملاً وصلاة وزكاة وحجاً إلى آخر العبادات والمعاملات، سيراً على المنهج النبوي والطريق النبوي بالبصيرة والعلم والصبر والحلم والإرشاد والحكمة والرفق والرحمة. فالحرص الحرص إخواني الدعاة على تحقيق هذا الأصل الأصيل، والسير على هذا السبيل، والاهتمام به غاية الاهتمام، والالتزام به غاية الالتزام. والله تعالى أعلى وأعلم، والحمد لله رب العالمين.