كلمة الشيخ أبو عبدالرحمن عمر باجبير

كلمة الشيخ أبو عبدالرحمن عمر باجبير

المحاضرة بعنوان كلمة الشيخ أبو عبدالرحمن عمر باجبير، والتي كانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر يوم الثلاثاء 5 شوال 1447هـ الموافق 24 مارس 2026م ألقاها منوع

امتداد دعوة أهل السنة والجماعة لدعوة النبي صلى الله عليه وسلم وأهمية التوحيد

دعوة أهل السنة والجماعة هي امتداد مباشر لدعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتقوم على توحيد الله وحده لا شريك له، وهو الغاية التي خلق الله لأجلها الخلق، وقد حمل هذه الدعوة الصحابة ومن بعدهم العلماء والدعاة، داعياً الناس إلى الرجوع إلى الكتاب والسنة على فهم سلف الأمة لتحقيق الفلاح في الدنيا والآخرة.

فهم الكتاب والسنة بمنهج السلف وجمع العلم بالعمل

يجب فهم القرآن والسنة بفهم الصحابة والتابعين، وجمع العلم الشرعي بالعمل به لتحقيق الصراط المستقيم، ومحبة الله ورسوله تثبت باتباع السنة لا بمجرد الدعوى، مستدلاً بقوله تعالى: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾.

أهمية التحلي بأخلاق النبي صلى الله عليه وسلم وحسن المعاملة في الدعوة

الدعوة الإسلامية تقوم على الأخلاق الحسنة واللين في المعاملة اقتداءً بالنبي صلى الله عليه وسلم، محذراً من الغلظة التي تنفر الناس، وحسن الخلق سبب رئيس لنشر الخير وإظهار جمال الإسلام، بينما سوء المعاملة يشوه صورته، مع التحذير من الكبائر السبع الموبقات والدعوة للتوحيد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

الدعاء الختامي والصلاة على النبي

يختتم المتحدث بالدعاء إلى الله سبحانه وتعالى طالباً المغفرة والثبات والبركة والحفظ، ويصلي ويسلم على النبي محمد صلى الله عليه وسلم، مختتماً بالحمد لله رب العالمين.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فنحمد الله سبحانه وتعالى أولًا وآخرًا، ظاهرًا وباطنًا، على نعمه الكثيرة وآلائه الغزيرة. ومن أعظم هذه النعم: هذا الاجتماع، وهذا الخير، وهذا اللقاء، الذي نسأل الله سبحانه وتعالى أن لا يفرق هذا الجمع إلا بذنب مغفور، إنه جل وعلا جواد كريم، بر رحيم. شكر الله للمشايخ الفضلاء على هذه الكلمات، وشكر الله للمشايخ على ترتيبهم لهذا اللقاء، ونسأل الله جل وعلا أن يجعل ذلك في ميزان الحسنات. هذه الدعوة - معاشر أهل السنة والجماعة، معاشر الحاضرين - هي دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم. الله عز وجل هو الذي ينصرها، الله عز وجل هو الذي يؤيدها، الله عز وجل هو الذي يظهرها على غيرها من الدعوات. فدعوة أهل السنة امتداد لدعوة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ليست وليدة اليوم، وليست وليدة الأمس، ليست وليدة الخمسين عامًا، ولا المئة، ولا المئتين، بل هي امتداد لشمس النبوة ونور الرسالة، على صاحبها أفضل الصلاة والتسليم. كيف لا تكون هذه الدعوة هي دعوة الله، وقد حمل أربابها، علماؤها، ودعاتها، وطلابها، أعظم غاية من أجلها خلق الله البرية وأوجد الله البشرية: توحيد الله جل وعلا. فترى هذه الدعوة من عالمها إلى محبها إلى كاتبها، ألسنتهم، أقوالهم، منابرهم، كتاباتهم، قلوبهم، نحو هذا الأصل العظيم الذي أنزل الله له الكتب، وبعث الله سبحانه وتعالى به الرسل. قال الله جل وعلا: ﴿ وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ ﴾ [النحل: 36]. حملها رسول الله صلى الله عليه وسلم وبلغها للناس، وصرخ في المحافل والمجامع: «قولوا لا إله إلا الله تفلحوا». ومات النبي صلى الله عليه وسلم، فحملها الصحابة الكرام رضي الله تعالى عنهم، فكان من أعظم دعوتهم إلى الناس: لا إله إلا الله، وتوحيد الله، إخراج الناس من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد. لما مات النبي صلى الله عليه وسلم، قال أبو بكر مقولته المشهورة: «من كان يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت». هذه الدعوة - أيها المسلم الكريم - اتفق أربابها وأصحابها على دعوة الناس جميعًا إلى الكتاب وإلى السنة، وأنه لا صلاح ولا فلاح ولا نجاح ولا سعادة في الدنيا ولا في الآخرة إلا بالرجوع إليهما على فهم سلف الأمة. فإن الرافضي ربما استدل بالآية، والحزبي ربما استدل بالآية، والإخواني ربما استدل بالآية، والصوفي ربما استدل بالآية، لكن كما يقال: مربط الفرس ومفرق الطرق، أن يستدل بالآية والحديث على فهم سلف هذه الأمة. نفهم الآية كما فهمها أبو بكر وعمر وعثمان وعلي والصحابة، ونفهم الحديث كذلك كما فهمه الصحابة رضي الله تعالى عنهم ومن جاء بعدهم، كما قال الله عز وجل: ﴿ وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا ﴾ [النساء: 115]. إنها دعوة - معاشر الحضور الكرام - تدعو إلى العلم، وتدعو إلى العمل. فعلم بلا عمل نقص، وعمل بلا علم أيضًا نقص، لكن الكمال والصراط المستقيم والهدي القويم يشمل الأمرين. فإذا وفق العبد إلى العلم الشرعي بالكتاب والسنة، ثم وفق إلى العمل بهذا العلم، فقد وفق إلى الصراط المستقيم، وهذا هو الصراط الذي نسأله من الله في كل صلاتنا، بل في كل ركعة من ركعاتنا: ﴿ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ﴾ [الفاتحة: 6]. العلم الشرعي والعمل بهذا العلم. إذن - أيها المسلم، أيها الطالب للعلم، أيها المحب - لا يكفي علم بلا عمل، ولا يكفي عمل بلا علم، بل يجب أن يجمع المسلم بينهما. يروى عن أمير المؤمنين علي رضي الله عنه أنه قال: «هتف العلم بالعمل، فإن أجابه وإلا ارتحل». هذه الدعوة - معاشر المسلمين - تدعو إلى حقيقة المحبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم. ادعى أقوام محبة الله ومحبة النبي صلى الله عليه وسلم، فابتلاهم الله ببرهان وحجة ودليل. قال الله جل وعلا: ﴿ قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ [آل عمران: 31]. دعوة، وبرهان ودليل، وثمار.GBT على هذه الدعوة: ﴿ قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ ﴾ هذه دعوة، ﴿ فَاتَّبِعُونِي ﴾ هذا برهانها ودليلها، ﴿ يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ﴾ هذه ثمارها العظيمة، ومن أعظمها محبة الله سبحانه وتعالى للعبد. إذن ينبغي - عباد الله - أن نكون كذلك، لا يكفي أننا ندعي أننا نحب النبي صلى الله عليه وسلم، ثم نقدم الأهواء على سنته، ثم نقدم الآراء على سنته، ثم نقدم حبوب النفس وحبوب الشيطان على ما أمر به صلى الله عليه وسلم. قال سفيان رحمه الله: «المحبة الاتباع». حقيقة المحبة ليست شيء تلفظ به باللسان فحسب، بل الاتباع لرسول الله صلى الله عليه وسلم. هذه الدعوة - عباد الله - تدعو إلى الأخلاق والآداب، حسن المعاملة، الكلمة الطيبة، رد السيئة بالحسنة. هذا خلق القرآن، وهذا خلق محمد صلى الله عليه وسلم. بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم ليتمم مكارم الأخلاق. فمن المشين بطالب العلم والمحب لهذه الدعوة أن يظهر الغلظة في غير مكانها، وينفر الناس بشدته وغلوته. رسول الله صلى الله عليه وسلم فتح القلوب بأخلاقه قبل القرآن. ما جاء القرآن إلا وقد وجد القلوب منشرحة، وقد وجد القلوب مقبلة هنيئة، أقبلت على القرآن فآمنت وأسلمت. وهكذا ينبغي أن يكون المسلم في معاملاته، وفي خطاباته، وفي بيعه، وفي شرائه، وفي عمله، ومع أهله، متخلقًا بأخلاق النبي صلى الله عليه وسلم، فإن هذا من أعظم ما يكون سببًا لنشر الخير والسنة بين أوساط المسلمين. الله يقول لنبيه عليه الصلاة والسلام: ﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ﴾ [آل عمران: 159]. هذا من؟ هذا الذي أيد بالآيات والمعجزات الدالة على صدق نبوته، ومع ذلك الله يقول له: ﴿ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ﴾. فالله الله في حسن الأخلاق والآداب، وحسن المعاملة مع الناس، لينقل المسلم وطالب العلم صورة حسنة، يظهر الإسلام بجماله، يظهر الإسلام بأخلاقه. لا تكن سببًا لتشويه الإسلام، فيقول الناس: هكذا هو الإسلام، لما يرونه منك من معاملة سيئة. هذه الدعوة - عباد الله - تدعو إلى كل خير، وتحذر من كل شر. تدعو إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، تدعو إلى صلة الأرحام وحسن الجوار، تدعو إلى كل ما يكون سببًا للقرب من الله وإيقاع المحبة بين الناس. تحذر الناس من الشرك، ومن السحر، ومن العقوق، ومن غير ذلك من الكبائر. قد جاء في حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «اجتنبوا السبع الموبقات». قالوا: وما هن يا رسول الله؟ قال: «الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات» - الحديث. فهذه الدعوة تحذر الناس من الكبائر ومن الشرك، وتأمر الناس بالخير وبالتوحيد. تحذر الناس من الحزبيات والشرور والآفات التي هي سبب عظيم لقهقرة كثير من الشعوب، ووجود البلاء والشر بين أساطها، بسبب عدم النهج لمنهج رسول الله صلى الله عليه وسلم، والسير على الصراط المستقيم والطريق القويم. أسأل الله جل وعلا بمنه وكرمه وجوده وإحسانه أن يغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا، وأن يثبت أقدامنا، وأن يبارك فيكم، وأن يحفظكم أينما كنتم. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، والحمد لله رب العالمين.