الدرس في كتاب الطهارة 16، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يتناول هذا الفصل شرح حديث أبي هريرة حول لقاء النبي صلى الله عليه وسلم له وهو جنب، ويوضح وجوب الغسل بسبب الجنابة. كما يشرح أن المؤمن لا ينجس حال الجنابة.
يتناول هذا الفصل بعض الأحكام المتعلقة بالغسل مثل وجوب الغسل من الجماع، وغسل المرأة إذا احتلمت، وأسباب أخرى للغسل. كما يذكر بعض الأحاديث النبوية التي تشرح هذه الأحكام.
يتناول هذا الفصل اختلاف أهل العلم في حكم غسل الجمعة بين الوجوب والاستحباب، واستدلالهم بأحاديث نبوية مختلفة تدل على كلا الحكمين.
يتناول هذا الفصل طرق رواية حديث نبوي عن الحسن البصري، واختلاف الرواة في ذكر سمرة بن جندب في سند الحديث.
بسم الله الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه، أما بعد. قال المصنف رحمه الله: باب الغسل وحكم الجنب. الحديث التاسع والأربعون بعد المئة: عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم لقيه في بعض طرق المدينة وهو جنب، قال: فانخنست منه، فذهبت فاغتسلت، ثم جئت، فقال: «أين كنت يا أبا هريرة؟» قال: كنت جنبا، فكرهت أن أجالسك وأنا على غير طهارة. فقال: «سبحان الله، إن المؤمن لا ينجس». متفق عليه. في هذا الباب سيذكر الأحاديث المتعلقة بغسل الجنابة، وما يتعلق بذلك بحكم الجنب. والجنابة هي أن يحصل للإنسان ما يوجب عليه الغسل بسبب نزول المني أو حصول الجماع. فإذا نزل المني من الإنسان أو جامع أهله أصبح جنبا، وحينئذ وجب عليه أن يغتسل غسل الجنابة. وللجنب أحكام كما سيأتي في الأحاديث إن شاء الله، من حيث ما يجب عليه من الغسل، وما الذي يجتنبه حال الجنابة، ومتى يجب عليه أن يغتسل. فذكر حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم لقيه في بعض طرق المدينة وهو جنب، أي كان أبو هريرة على جنابة. قال: فانخنست منه، يعني انخلص بخفية ورجع وذهب، فاغتسل ثم جاء، فسأله النبي صلى الله عليه وسلم: «أين كنت يا أبا هريرة؟» قال: يا رسول الله، كنت جنبا، فكرهت أن أجالسك وأنا على غير طهارة، يعني وأنا على حال الجنابة قبل أن أغتسل. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «سبحان الله، إن المؤمن لا ينجس». فبين النبي عليه الصلاة والسلام أن كون المؤمن على حال جنابة ليس معنى هذا أنه نجس، بل هو طاهر. المؤمن لا ينجس حيا ولا ميتا، فهو طاهر حيا وميتا. لكن هو على وصف يعني يمنعه من التقرب إلى الله سبحانه وتعالى ببعض العبادات كالصلاة، وكذلك مس المصحف نحو ذلك. وليس معناه أنه نجس، بل يجوز للجنب أن يؤخر الغسل إن لم يكن هناك وقت صلاة قد حضر، ويجوز له أن يخرج إلى السوق وهو على جنابة، أو يلتقي ببعض أصحابه وهو على جنابة، لا حرج عليه في ذلك. الحديث الخمسون بعد المئة: عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الماء من الماء». رواه مسلم، وأصله في البخاري. والحديث الواحد والخمسون بعد المئة: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا جلس بين شعبها الأربع ثم جهدها فقد وجب الغسل». متفق عليه. وزاد مسلم: «وإن لم ينزل». ومعنى جهدها يعني بلغ جهده في العمل فيها بالجماع. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الماء من الماء»، يعني الماء الأول ماء الغسل، والماء الثاني ماء المني. يجب الغسل من نزول المني. فدل منطوق هذا الحديث على وجوب الغسل على من نزل منه ماء المني، يجب عليه أن يغتسل لأنه أصبح بهذا جنبا. ومفهومه أنه إن لم ينزل منه الماء فليس عليه غسل، وإن حصل منه الجماع. ومفهومه إن لم ينزل منه الماء وإن حصل منه الجماع فإنه لا يجب عليه الغسل. هذا المفهوم منسوخ بحديث أبي هريرة المذكور بعده: «إذا جلس بين شعبها الأربع ثم جهدها فقد وجب الغسل». دل هذا الحديث على وجوب الغسل من الجماع وإن لم يحصل إنزال. وأن من جامع أهله ولم ينزل أصبح بهذا جنبا، ووجب عليه أن يغتسل. فقوله «الماء من الماء» كان هذا في أول الأمر، كان الغسل يجب إلا من نزول المني، أما مجرد الجماع من غير إنزال لا يجب الغسل، وإنما كان يكتفى بالوضوء. ثم نسخ هذا الحكم بأمر النبي عليه الصلاة والسلام بالغسل من الجماع كما في حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه. الحديث الثاني والخمسون بعد المئة: عن أم سليم رضي الله عنها أنها سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن المرأة ترى في منامها ما يرى الرجل، فقال صلى الله عليه وسلم: «إذا رأت ذلك المرأة فلتغتسل». فقالت: واستحييت من ذلك. قالت: هل يكون هذا؟ قال: نعم، فمن أين يكون الشبه؟ إن ماء الرجل غليظ أبيض، وماء المرأة رقيق أصفر، فمن أيهما على أو سبق يكون منه الشبه. رواه مسلم. في هذا الحديث أن أم سليم رضي الله عنها سألت النبي عليه الصلاة والسلام عن المرأة ترى في منامها ما يرى الرجل، يعني تحتلم. إذا احتلمت ورأت في النوم ما يرى الرجل، يعني ترى من يجامعها كما أن الرجل يحتلم ويرى أنه يجامع امرأة. وهذا في أن المرأة تحتلم كما يحتلم الرجل. فتسأل إذا رأت ذلك هل عليها الغسل بمجرد الاحتلام؟ فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «إذا رأت ذلك المرأة فلتغتسل». والمراد من ذلك إذا حصل الإنزال، ليس مجرد الحلم. مجرد الاحتلام من غير إنزال هذا ما يوجب الغسل. الحديث الثالث والخمسون بعد المئة: عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يغتسل من أربع: من الجنابة، ويوم الجمعة، ومن الحجامة، ومن غسل الميت. رواه أبو داود، وصححه ابن خزيمة. هذا الحديث فيه ضعف. في هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يغتسل من الجنابة، ويوم الجمعة. قد حث النبي صلى الله عليه وسلم على الاغتسال يوم الجمعة: «من جاء منكم الجمعة فليغتسل». وأما من الحجامة فهذا لم يثبت، وكذلك من غسل الميت، كذلك على الصحيح أنه مستحب وليس بواجب. الحديث الرابع والخمسون بعد المئة: عن أبي هريرة رضي الله عنه في قصة ثمامة بن أثال عندما أسلم وأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يغتسل. رواه عبد الرزاق، وأصله متفق عليه. أصل الحديث في الصحيحين: لما قبض على ثمامة وكان سيد أهل اليمامة، أخذه بعض خيل النبي عليه الصلاة والسلام، فجيء به إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فربطه من سلم في سارية من سواري المسجد. فتركه النبي صلى الله عليه وسلم في اليوم الأول، فقال له: «ما لك؟ ما عندك يا ثمامة؟» فقال له: عندي إن تقتل تقتل ذا دم، وإن تنعم تنعم على شاكر، وإن أردت المال فسل ما شئت. فتركه النبي صلى الله عليه وسلم اليوم الأول، واليوم الثاني، واليوم الثالث، وهو يقول: «ما عندك يا ثمامة؟» ويرد عليه بنفس الجواب. فقال النبي صلى الله عليه وسلم في اليوم الثالث: «أطلقوه». فأطلقوه من قيده، فذهب مباشرة إلى نخل بجانب المسجد، فاغتسل، ثم جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأعلن إسلامه. فاستدل به بعض أهل العلم على وجوب الغسل على الكافر إذا أراد أن يسلم، أنه يغتسل. وهذه المسألة اختلف فيها أهل العلم. فمن قائل أنه يجب الغسل على الكافر إذا أسلم، استدل بهذا الحديث، وما كان مثله مما ورد في أمر النبي صلى الله عليه وسلم لمن أسلم أن يغتسل. ومن أهل العلم من حمل هذا الأمر على الاستحباب، أنه ليس بواجب، وإنما من باب الاستحباب أن يغتسل، لأن كثيرا ممن أسلموا لم يأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بالغسل. ولو كان الغسل واجبا عند أول الإسلام لأمر به النبي عليه الصلاة والسلام، ولو كان من الأمور التي ينبغي البدء بها لمن أراد أن يسلم. الحديث الخامس والخمسون بعد المئة: عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «غسل الجمعة واجب على كل محتلم». متفق عليه. غسل الجمعة واجب على كل محتلم، يعني بالغ، لأن من علامات البلوغ الاحتلام. فقوله «على كل محتلم» يعني على كل بالغ. فدل الحديث على وجوب غسل الجمعة، وهو الصحيح الذي تدل عليه الأحاديث. ومن حيث قوله صلى الله عليه وسلم: «من جاء منكم الجمعة فليغتسل»، فغسل الجمعة واجب على كل بالغ عليه أن يغتسل يوم الجمعة. لكن غسل الجمعة معلق بمجيء الجمعة، يعني من أراد أن يأتي الجمعة فعليه أن يغتسل. أما من كان ليس من أهل صلاة الجمعة، ليس عليه غسل. لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «من جاء منكم الجمعة فليغتسل». مفهومه أن من لم يأت، كأن يكون الإنسان مريضا أو يكون مسافرا أو نحو ذلك من الأعذار، كذلك المرأة، وهكذا الصبي، هؤلاء لا يجب عليهم الغسل لأنه لا يجب عليهم الجمعة. الحديث السادس والخمسون بعد المئة: عن سمرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمة، ومن اغتسل فالغسل أفضل». رواه الثلاثة، وحسنه الترمذي. هذا الحديث يستدل به من قال باستحباب غسل الجمعة، قال: لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمة»، يعني أكفي. «ومن اغتسل فالغسل أفضل»، ليس بواجب، لكن هو الأحسن والأفضل. فدل هذا على أن الغسل ليس بواجب. فقالوا: إذن يستحب الغسل يوم الجمعة ولا يجب. وهذا الحديث روي موصولا من طريق همام عن قتادة عن الحسن عن سمرة. ورواه سعيد بن أبي عروبة وأبان بن يزيد عن قتادة عن الحسن، لم يذكرا سمرة، يعني روايته مرسلا من قول الحسن عن النبي صلى الله عليه وسلم، لم يذكرا سمرة. وهنا نوقف إن شاء الله. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.