الدرس في كتاب الطهارة 17، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
تناول المبحث آراء العلماء حول قراءة القرآن للجنب والحائض ومس المصحف بدون طهارة، مع استعراض الأدلة من الأحاديث النبوية والآيات القرآنية. يُستدل على جواز القراءة ببعض النصوص الشرعية.
يستحب للجنب الوضوء قبل النوم أو الأكل، كما يستحب الوضوء بين الجماعين، مع غسل الفرج لإزالة آثار الجماع، وكل ذلك على سبيل الاستحباب وليس الوجوب.
غسل الجنابة له كيفيتان: مجزئة ومستحبة، حيث تُجزئ الكيفية الأولى بعموم الماء على الجسد مع نية رفع الجنابة، بينما تتضمن الكيفية المستحبة غسل اليدين وفرج الجنابة ثم الوضوء وغسل الشعر والجسد.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال المصنف -رحمه الله-: الحديث السابع والخمسون بعد المئة، عن علي -رضي الله عنه- قال: كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقرئنا القرآن ما لم يكن جنبا. رواه الخمسة، وصححه الترمذي. والحديث الضعيف، قال: الحديث الثامن والخمسون بعد المئة، عن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «لا تقرأ الحائض ولا الجنب شيئا من القرآن». رواه الترمذي، وضعفه الإمام أحمد والبخاري وغيرهما، وصوب أبو حاتم وقفه. نعم، هذا الحديث أيضا لا يصح عن النبي -عليه الصلاة والسلام-. استدل بهذين الحديثين من قال: إن الجنب لا يقرأ شيئا من القرآن، وهكذا الحائض، قالوا: تمنع الحائض والجنب من قراءة القرآن، وهو قول جمهور أهل العلم. استدلوا بهذه الأحاديث، وهي -كما علمتم- أحاديث ضعيفة لا تصح عن النبي -عليه الصلاة والسلام-. وذهب جماعة من أهل الظاهرية إلى جواز قراءة الجنب للقرآن، وهكذا أيضا أن الحائض لها أن تقرأ القرآن، يعني من غير مس المصحف، لا بأس أن يقرأ من حفظه. وهكذا تقرأ الحائض من حفظها، لا مانع من ذلك. ويدل على جواز ذلك قول الله -سبحانه وتعالى- في مدحه لعباده المؤمنين: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ يعني في سائر أحوالهم. «كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يذكر الله على كل أحيانه». «كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يذكر الله على كل أحيانه». وكذلك أيضا هذا يشمل ما إذا ذكر الله -سبحانه وتعالى- وهو على غير طهارة، وهو على غير طهارة، سواء كان على حدث أصغر أو كان على حدث أكبر، فلا دليل صحيح يدل على المنع. وإن كان الأفضل -من حيث الأفضل والأكمل والأحسن- أن يكون على طهارة من الحدثين، من الأصغر ومن الحدث الأكبر. لكن من حيث الجواز، فيجوز أن يذكر الله وأن يقرأ القرآن وهو على غير طهارة. نعم، يجوز. لا نقول من غير مس المصحف، ممكن يقرأ من حفظه. يقرأ من حفظه لا بأس. أما مس المصحف وهو على غير طهارة، لا. الصحيح هو ما يجوز إلا بطهارة. -رضي الله عنهما- في قصة أبي سفيان مع هرقل، وفيها أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كتب إليه: «بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد عبد الله ورسوله إلى هرقل عظيم الروم، سلام على من اتبع الهدى، أما بعد، فإني أدعوك بدعاية الإسلام، أسلم تسلم، يؤتك الله أجرك مرتين، فإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين» -يعني العمال والفلاحين-. قال: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ متفق عليه. استدل بهذا الحديث على أن مس الكتاب الذي فيه شيء من القرآن مع غيره، أنه لا يشترط له الطهارة، مثل كتب التفسير ونحوها. فيجوز للإنسان أن يحملها من غير طهارة. فهذه الرسالة أرسلها النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى هرقل، فيها دعوته إلى الإسلام، وفيها شيء من الآيات، ومع ذلك فقد تقع في أيدي هؤلاء الكفار. فدل هذا على جواز مثل ذلك؛ لأنه إذا وجد مع القرآن شيء غيره، لا يعد حكمه كحكم المصحف الذي يشتمل على القرآن وحده. قال: حديث الستون بعد المئة، عن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «إذا أتى أحدكم أهله ثم أراد أن يعود فليتوضأ بينهما». رواه مسلم. وزاد الحاكم: «فإنه أنشط للعود». نعم، هذا الحديث في استحباب الوضوء بين الجماعين، إذا أتى الرجل أهله ثم أراد أن يعود -يعني أن يأتيها مرة أخرى-، فيستحب له أن يتوضأ. يستحب له أن يتوضأ بين الجماعين. فهذا يعني أنظف وأطهر، وهو أيضا سبب لحصول النشاط، كما في رواية الحاكم: «فإنه أنشط للعود». واستعمال الماء يعطي شيئا من النشاط، وإعادة ما قد يحصل من الفتور من الجماع، فيحصل له شيء من إعادة ذلك النشاط الذي قد ذهب. وهذا على سبيل الاستحباب، وإلا يجوز -يعني أن يأتيها مرة أخرى من غير وضوء-، لكن هذا مستحب وأكمل. ومن ذلك الغسل أكمل من ذلك الغسل، فإن تغسل بين الجماعين فهذا أكمل وأفضل وأحسن. قال: حديث الواحد والستون بعد المئة، عن ابن عمر أن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- سأل رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «أيرقد أحدنا وهو جنب؟» قال: «نعم، إذا توضأ أحدكم فليرقد وهو جنب». متفق عليه. نعم، هذا الحديث فيه جواز أن ينام المسلم وهو على جنابة من غير غسل، لكن يستحب إذا أراد أن ينام على جنابة أن يتوضأ. «يرقد أحدنا وهو جنب؟» قال: «نعم، إذا توضأ أحدكم فليرقد». إذا توضأ أحدكم فليرقد. فيستحب أن يتوضأ. يعني أحيانا قد يكسل الإنسان بعد أن تحصل له الجنابة، يصيبه شيء من الفتور والكسل من القيام والاغتسال. فالأفضل والمستحب إذا أراد أن ينام من غير غسل أن يتوضأ. يتوضأ ثم ينام. ولو ترك الوضوء فهو جائز، لكن خلاف الأفضل. خلاف الأفضل. الأفضل أن يتوضأ أقل شيء ثم ينام. نعم، إذا توضأ أحدكم فليرقد. والوضوء في الحقيقة هو لا يرفع الجنابة، لا يرفعه. ما زال جنبا، لكن يخفف الجنابة. قال: الحديث الثاني والستون بعد المئة، أن عائشة -رضي الله عنها- قالت: «كان النبي -صلى الله عليه وسلم- إذا أراد أن ينام وهو جنب غسل فرجه وتوضأ وضوءه للصلاة». وتوضأ وضوءه للصلاة. رواه البخاري. وللإمام مسلم: «كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذا كان جنبا فأراد أن يأكل أو ينام توضأ وضوءه للصلاة». نعم، هذا الحديث فيه كذلك أن الجنب -كما مر معنا بحيث عمر- إذا أراد أن ينام وهو على جنابة، فإنه يستحب له الوضوء، وقبل الوضوء يغسل فرجه -يعني يغسله بالماء- ليزيل ما قد يعلق عليه من آثار الجماع وآثار الجنابة، ثم يتوضأ وضوءه للصلاة، ثم ينام. وهكذا أيضا إذا أراد أن يأكل، كان من هدي النبي -عليه الصلاة والسلام- إذا كان على جنابة وأراد أن يأكل، أنه يتوضأ. يتوضأ قبل الأكل. قالت: «وإذا كان جنبا فأراد أن يأكل أو ينام توضأ وضوءه للصلاة». إذن، يستحب للجنب إذا أراد أن ينام أن يتوضأ، وإذا أراد كذلك أن يأكل وهو على جنابة أن يتوضأ قبل الأكل. وهذا -كما سمعتم- على سبيل الاستحباب. قال: حديث الثالث والستون بعد المئة، عنها -رضي الله عنها- قالت: «كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ينام وهو جنب من غير أن يمس». ما أخرجه الأربعة، وهو معلول. نعم، يعني إشارة الحافظ بهذه الرواية التي فيها أن النبي -صلى الله عليه وسلم- «كان ينام وهو جنب من غير أن يمس» -يعني من غير أن يتوضأ-، لا غسل ولا وضوء. لا غسل ولا وضوء. هذه الرواية معلولة. هذه الرواية معلولة. وأصل الحديث الصحيح -كما مر معنا في الروايات الأخرى-، وليس فيها ذكر هذه اللفظة. ليس فيها ذكر هذه اللفظة. وقد تفرد بها أبو إسحاق السبيعي، تفرد بها أبو إسحاق السبيعي، فوهم فيها. قال: ترمذي ذي رواية الحديث، شعبة والثوري وغيرهما عن أبي إسحاق، مع كونه مدلسا. أبو إسحاق أبو إسحاق السبيعي المدلس، فخالفه وغيره، كإبراهيم النخعي، عبد الرحمن بن الأسود، عن الأسود، وذكروا الحديث بخلاف رواية أبي إسحاق. وأشار البيهقي إلى عدم صحة هذه اللفظة. قالوا: قد أخرجه مسلم في الصحيح دون قوله: «قبل أن يمس سماء». فهذه الرواية لا تصح. وإن كنا -من حيث الجواز- كما قلنا: يجوز أن ينام من غير أن يتوضأ، لكن المستحب أقل شيء أن يتوضأ ثم ينام وهو على جنابة. الحديث الرابع والستون بعد المئة، عنها -رضي الله عنها- قالت: «كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذا اغتسل من الجنابة يبدأ فيغسل يديه، ثم يفرغ بيمينه على شماله فيغسل فرجه، ثم يتوضأ وضوءه للصلاة، ثم يأخذ الماء فيدخل أصابعه في أصول الشعر، ثم حفن على رأسه ثلاث حفنات، ثم أفاض على سائر جسده، ثم غسل رجليه». متفق عليه، واللفظ لمسلم. والحديث الخامس والستون بعد المئة، وله من حديث ميمونة -رضي الله عنها-: «ثم أفرغ على فرجه فغسل بشماله، ثم ضرب بها الأرض». وفي رواية: «فمسحها بالتراب». وفي آخره: «ثم أتيته بالمنشفة فردها». وفيه: «وجعل ينفض الماء بيده». نعم، هذان الحديثان -حديث عائشة وميمونة- فيهما بيان صفة غسل الجنابة المستحبة. فغسل الجنابة له كيفيتان: كيفية مجزئة، وكيفية مستحبة. الكيفية المجزئة أن يعمم جسده بالماء، أن يغسل سائر الجسد بالماء، مع نية رفع الجنابة. فهذه مجزئة لرفع الجنابة، مثل أن ينغمس في بركة أو في البحر، أو يأتي تحت الرشاش فيفتح الماء ويغسل سائر الجسد. وحينئذ ترفع الجنابة. والصفة المستحبة المذكورة في هذين الحديثين: أنه إذا أراد أن يغتسل من الجنابة يبدأ أولا فيغسل يديه، ثم يغسل فرجه، ثم يتوضأ وضوءه للصلاة، ثم يأخذ الماء ويدخل أصابعه في أصول الشعر حتى يصل الماء إلى أصول الشعر، ثم يأخذ ثلاث حفنات -حفنات يعني ملء الكف من الكفين من الماء- ويصبها على رأسه، ثم يغسل سائر الجسد. وفي بعض الروايات: أنه يغسل الشق الأيمن ثم الشق الأيسر، ثم يعمم الجسد بالماء. هذه كيفية المستحبة في غسل الجنابة. وفي رواية حديث ميمونة: «ثم أتيته بالمنشفة فردها» -يعني لما اغتسل أتت له بمنشفة فردها-، «وجعل ينفض الماء بيده». هل هذا يدل على كراهة استعمال المنشفة ونحو ذلك بتنشيف الأعضاء؟ الجواب: لا. قال أهل العلم: لا بأس لو أراد أن ينشف أعضاءه فلا حرج بذلك. وكون النبي -صلى الله عليه وسلم- رد المنشفة، قالوا: لعل في المنشفة شيء -يعني من الوسخ أو شيء من ذلك- لا تعلم به ميمونة ويعلم به النبي -صلى الله عليه وسلم-؛ لهذا رده، أو لسبب من الأسباب أو لأي سبب من الأسباب الأخرى. فكونه رده لا يدل هذا على عدم جواز استعماله، بل لا بأس أن يستعمل الإنسان المنشفة والمنشفة ونحو ذلك بتنشيف الأعضاء. طيب، هذه خلاصة غسل الجنابة المستحبة: يبدأ أولا يغسل فرجه، ثم يغسل يديه، ثم يتوضأ وضوءه للصلاة، ثم يأخذ الماء ويضعه على رأسه ويدخل أصابعه في أصول الشعر، ثم يأخذ ثلاث حفنات من ماء على رأسه، ثم يغسل سائر الجسد، ولو مرة واحدة. ولو مرة واحدة -يعني في الوضوء-، ولو توضأ ثلاث مرات، ما في شيء. ما في حرج. مثل ما يتوضأ للصلاة؛ لأن قوله: «توضأ وضوءه للصلاة» يعني يصح على صفة وضوءه. والمستحب ثلاث مرات في غسل الأعضاء، والمجزئ مرة. نعم، الواجب -اللي هي الصفة المجزئة- الكيفية التي ذكرناها: أن يعمم الجسد بالماء مع نية رفع الجنابة. هذا الواجب. نعم، نقف هنا إن شاء الله.