كتاب الطهارة 15

كتاب الطهارة 15

الدرس في كتاب الطهارة 15، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

مقدمة في آداب قضاء الحاجة

يتحدث عن الأفعال التي نهى عنها النبي صلى الله عليه وسلم أثناء قضاء الحاجة مثل مس الذكر باليمين والاستنجاء باليمين واستقبال القبلة. كما نهى عن الاستنجاء بأقل من ثلاثة أحجار أو بالعظم أو الروث.

تفاصيل آداب قضاء الحاجة في الإسلام

يشرح آداب قضاء الحاجة مثل الاستجمار بوتر وعدم استقبال القبلة أو استدبارها والاستتار أثناء قضاء الحاجة، ويبين آراء أهل العلم في تفسير الأحاديث النبوية المتعلقة بهذه الآداب.

أحكام قضاء الحاجة وعذاب القبر

يتناول أحكام وآداب قضاء الحاجة ويشرح الأحاديث المتعلقة بالاستغفار بعد الخروج من الخلاء وعذاب القبر بسبب عدم التنزه من البول والنميمة، ويبين حكم غرس الجريدة في القبر.

تتمة الكلام عن آداب قضاء الحاجة والأحاديث الضعيفة والصحيحة

يتناول بعض الأحاديث الضعيفة والصحيحة المتعلقة بآداب قضاء الحاجة مثل كيفية الاستنجاء والبول، ويوضح أن بعض الأفعال ليست مشروعة مثل شد الذكر بعد البول، ويجيز الجمع بين الماء والحجارة في الاستنجاء.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه، أما بعد، قال المصنف رحمه الله: الحديث الثلاثون ومئة، عن أبي قتادة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يمسكن أحدكم ذكره بيمينه وهو يبول، ولا يتمسح من الخلاء بيمينه، ولا يتنفس في الإناء» متفق عليه، واللفظ لمسلم. هذا الحديث في نهي النبي عليه الصلاة والسلام عن هذه الأفعال التي ينبغي أن تراعى في باب قضاء الحاجة، فنهى عليه الصلاة والسلام أن يمسك الرجل ذكره بيمينه وهو يبول، يعني في حال البول، حال كونه يبول، فجملة «وهو يبول» جملة حالية، يعني في أثناء البول لا يمسك ذكره بيمينه، لماذا؟ لأجل تكريم اليمين، فاليد اليمنى تستعمل في الأشياء المكرمة، بخلاف اليسرى فإنها تستعمل في غير ذلك. وكان هذا من هدي النبي عليه الصلاة والسلام، حديث عائشة: «كان النبي صلى الله عليه وسلم يعجبه التيمن في تنعله وترجله وطهوره وفي شأنه كله» يعني الأمور المكرمة، وأما الأمور التي هي على غير ذلك فيستعمل اليسرى، ومنها قضاء الحاجة، فلا ينبغي أن يمسك ذكره بيمينه حال البول، بل يفعل ذلك باليد اليسرى، ولا يتمسح من الخلاء بيمينه، يعني لا يزيل النجاسة بيده اليمنى إذا قضى حاجته، وإنما يزيلها باليد اليسرى، يزيلها باليد اليسرى لأجل هذه العلة، ولا يتنفس في الإناء، يعني إذا شرب لا يتنفس في داخل الإناء، بل يتنفس خارج الإناء. وجمهور أهل العلم على أن هذا النهي للكراهة، أنه يكره فعل هذه الأشياء، وذهب بعض أهل العلم كالظاهرية إلى أنها للتحريم، وهذا الأصل في النهي، الأهلي في النهي أنه للتحريم، فيعني يحرم على الإنسان أن يمسك ذكره بيمينه حال البول، أو يتمسح من الخلاء بيمينه، أو كذلك التنفس في الإناء، هذه آداب من آداب قضاء الحاجة. قال الحديث: الحاجة والثلاثون ومئة، عن سلمان رضي الله عنه قال: «قد نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نستقبل القبلة بغائط أو بول، أو أن نستنجي باليمين، أو أن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار، أو أن نستنجي برجيع أو عظم» رواه مسلم. قال الحديث: الثلاثون ومئة، عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: «أتيت النبي صلى الله عليه وسلم الغائط، فأمرني أن آتيه بثلاثة أحجار، فوجدت حجرين ولم أجد ثالثا، فأتيته بروثة، فأخذ الحجرين وألقى الروثة، وقال: «إن هذا ركس» أخرجه البخاري، وزاد أحمد والطبراني والدارقطني: «ائتني بغيرها». قال الحديث: الثلاثة وثلاثون ومئة، وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى أن يستنجى بعظم أو روث، وقال: «إنهما لا يطهران» رواه الدارقطني وصححه. حديث سلمان يخبر رضي الله عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام نهاهم عن استقبال القبلة بغائط أو بول، أو أن يستنجي باليمين، أو يستنجي بأقل من ثلاث أحجار، أو يستنجي برجيع أو عظم، نعم، جاء في هذا الحديث عند مسلم أن اليهود قالوا لسلمان: «لقد علمكم نبيكم كل شيء حتى الخراءة» يعني حتى الخراءة يذهب في قضاء الحاجة، فقال: «أجل، لقد نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نستقبل القبلة بغائط أو بول» يعني نتوجه تجاه القبلة إذا أتينا الغائط أو البول، ونهى النبي عليه الصلاة والسلام عن ذلك، وسيأتي الكلام على هذه المسألة في الأحاديث التي تستأنف إن شاء الله. «وأن نستنجي باليمين» كذلك نهى النبي عليه الصلاة والسلام عن الاستنجاء باليمين، فلا يستنجي المسلم إذا قضى حاجته باليمين، وإنما تكون باليد اليسرى، يستنجي باليد اليسرى، قالوا: «أن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار» نعم، نهى النبي عليه الصلاة والسلام عن الاستنجاء بأقل من ثلاثة أحجار، والعلّة في ذلك كما ذكر أهل العلم أن الإنقاء لا يحصل بذلك غالبا، لا يحصل الإنقاء بأقل من ثلاثة أحجار، فلا يستنجي المسلم بأقل من ثلاثة أحجار، ولو حصل النقاء بحجرين مثلا، لا بد أن يأتي بثالثة، لا بد أن يأتي بثالثة، فأقل ما يستعمل من الأحجار ثلاثة أحجار، ولا يقل عنها، فإن لم يحصل نقاء بثلاثة، لا بأس أن يزيد رابعة، ثم يزيد خامسة حتى يكون وترا كما سيأتي. قال: «أو أن نستنجي برجيع أو عظم» كذلك نهى النبي عليه الصلاة والسلام عن الاستنجاء بالرجيع، يعني رجيع الدواب، وكذلك بالعظام، والعلّة في ذلك على الصحيح أنها طعام الجن، أنها طعام الجن، كما صح في الصحيح عن النبي عليه الصلاة والسلام، فقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم الجن في حديث مسعود لما التقى بهم، قال: «لكم كل عظم ذكر اسم الله جل وعلا عليه أن تجدوه أوفر ما يكون لحما» وكذلك أيضا أخبر بأن الرجيع يكون طعاما لدوابهم، وهذه الرواية منتقدة، لكن الصحيح أنها تكون طعاما للجن، فلأجل هذا نهى النبي عليه الصلاة والسلام عن الاستنجاء بالرجيع والعظم، وكذلك أسدل به أهل العلم أن كل ما لا يحصل به الإنقاء فإنه لا يستنجى به، كالزجاج ونحوه، بمكان أملس مثل هذا لا يزيل النجاسة، فلا يستنجى به، وأيضا ما كان له حرمة كالطعام فإنه لا يستنجى به. ثم ذكر حديث مسعود أن النبي عليه الصلاة والسلام أتى الغائط، والمراد بالغائط يعني محل قضاء الحاجة، فأمره أن يأتيه بثلاثة أحجار، فوجد حجرين ولم يجد ثالثا، فأتى إليه بروثة، روثة يعني رجيع الدواب، فأخذ الحجرين وألقى الروثة، وقال: «هذا ركس» والركس يطلق على القذر والنجس، والحديث في البخاري، فبين النبي صلى الله عليه وسلم أن الروثة لا يصلح أن يستنجى بها، لأنها قذرة أو نجسة، فلا يحصل بها الإنقاء، وصدل بأهل العلم على أنه ينبغي أن يستنجي الإنسان بشيء طاهر، أنه ينبغي أن يكون ما يستنجي به طاهرا، فلا يستنجي بشيء نجس، بل يكون طاهرا ويكون أيضا حلالا مباحا، ليس له حرمة، كما ذكرنا، لا يكون بطعام، بقايا طعام، أو بشيء من الورق التي فيها ذكر الله سبحانه وتعالى، أو شيء من العلم أو نحو ذلك. وفي حديث أبي هريرة أنه نهى أن يستنجى بعظم أو روث، وقال: «إنهما لا يطهران» يعني العلة في النهي عن الاستنجاء بالعظم والروث هو أنهما لا يطهرّان، لا يحصل بهما التطهير، لكن هذه اللفظة وهذا الحديث فيه كلام، فيه سلمة من رجال الكوفي متكلم فيه، والصحيح مما صح عن النبي عليه الصلاة والسلام في العلة عن النهي عن الاستنجاء بالعظم والروث هو كونهما طعام الجن، طعام الجن، هذا الصحيح ما ورد في العلة عن النهي عن الاستنجاء بالعظم والروث. قال الحديث: الرابع وثلاثون ومئة، عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من استجمر فليوتر» متفق عليه، نعم، هذا فيه الأمر بالوتر عند الاستجمار، الاستجمار يعني استعمال الجمار، والجمار هي الأحجار، يعني من استجمر أي استنجى بالأحجار، فعليه أن يوتر، أقل الوتر ثلاث، إذا حصل الإنقاء بالثلاث فالحمد لله، لم يحصل، يحتاج إلى رابعة، وحصل بها الإنقاء، يزيد خامسة حتى يختم على وتر، هذا معنى «فليوتر» ومن استجمر فليوتر، فيجب أن يكون الاستجمار وترا، ثلاث، خمس، سبع، حسب الحاجة. قال حديث: الخامس وثلاثون ومئة، وعن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا أتيتم الغائطة فلا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها بغائط ولا بول، ولكن شرقوا أو غربوا» أخرجه السبعة. قال الحديث: السادس وثلاثون ومئة، وعن عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما قال: «رقيت يوما على بيت حفصة، فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم يقضي حاجته مستقبل الشام، مستدبر الكعبة» متفق عليه. قال الحديث: السابع وثلاثون ومئة، وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: «نهى نبي الله صلى الله عليه وسلم أن نستقبل القبلة ببول، فرأيته قبل أن يقبض بعام يستقبلها» رواه أبو داود وصححه البخاري، وقال ابن عبد البر: «وليس حديث جابر بصحيح عنه» فيُعرَض عليه. هذه الأحاديث فيها ذكر ما يتعلق باستقبال واستدبار القبلة حال قضاء الحاجة، بحديث أبي أيوب أن النبي عليه الصلاة والسلام نهى عن استقبال القبلة واستدبارها بغائط أو بول، «إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها بغائط ولا بول» فنهى النبي عليه الصلاة والسلام عن ذلك، من باب احترام وتقدير وتشريف القبلة والكعبة، أن تستقبل بمثل هذا الفعل، لا يعني يقضي الإنسان حاجته ومستقبل القبلة، ولا كذلك أيضا مستدبرا لها، «ولكن شرقوا أو غربوا» والخطاب لأهل المدينة، يعني من شرق أو غرب، فلا يكون مستقبلا للقبلة، فمن كان مثلهم فيتوجه إليه الخطاب، وأما من كانت قبلته في جهة الشرق أو في جهة الغرب فلا يقال له: «لا تشرق أو غرب» وإنما يكون في جهة الشمال والجنوب، وهكذا، المقصود أنه لا يستقبل القبلة ولا يستدبرها حال قضاء الحاجة. واختلف أهل العلم في هذا النهي، هل هو للتحريم أو للكراهة؟ فمن أهل العلم من يذهب إلى أنه للتحريم مطلقا، سواء كان في الصحراء أو كان في البنيان، ومنهم من ذهب إلى الكراهة، حمل النهي على الكراهة، فيكره استقبال القبلة واستدبارها حال قضاء الحاجة، ومنهم من فصل، فقال: يحرم استقبال القبلة واستدبارها في الفضاء، في الصحراء، يعني إذا لم يكن بين المسلم وبين القبلة حاجز أو ساتر، وأما إذا كان في البنيان فلا بأس باستقبال واستدبار القبلة، وذلك جمعا بين الأدلة الواردة في هذا الباب، وهذا قول جمهور أهل العلم، أنهم حملوا النهي على الفضاء، وأما في البنيان فيحمل النهي على الكراهة. وسدّله بحديث عبد الله بن عمر المذكور بعد هذا الحديث، قال: «رقيت يوما على بيت حفصة، وهي أخته، زوج النبي عليه الصلاة والسلام، فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم يقضي حاجته مستقبل الشام، مستدبر الكعبة» فابن عمر رأى النبي صلى الله عليه وسلم يقضي حاجته مع أنه هو الذي نهى عن استقبال واستدبار القبلة، رأى مستقبل الشام مستدبر الكعبة، فدل هذا على أن فعل ذلك في البنيان أنه لا بأس به. فإن قال قائل: ألا يحمل هذا على أنه من خصائص النبي عليه الصلاة والسلام؟ نقول: الأصل في أفعال النبي صلى الله عليه وسلم هو التأسي، الأصل أننا نتأسى به، إلا ما دل الدليل على الخصوصية، ولا دليل هنا يدل على الخصوصية، فكون النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ذلك ثم فعله، فهذا يدل على الجواز، وأن هذا النهي ليس للتحريم، وإنما هو للكراهة. وذكر بعضهم حديث جابر رضي الله عنه، جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: «نهى نبي الله صلى الله عليه وسلم أن نستقبل القبلة ببول، فرأيته قبل أن يقبض بعام يستقبلها» رواه أبو داود وصححه البخاري، وقول ابن عبد البر: «وليس حديث جابر بصحيح عنه» فيُعرَض عليه، وذلك أنه أعله رحمه الله بأبان بن صالح، فقال: «إنه ضعيف» وهكذا أيضا جهّله ابن حزم، وردّ أئمة رحمه الله عليهما، قد بيّن الحافظ رحمه الله أنه ثقة، قال: «وضعفه ابن عبد البر بأبان بن صالح، وهي ما في ذلك؟ فإنه ثقة باتفاق» نعم، فالحديث صحيح، وعلّة أيضا بعلقمة بن إسحاق، وقد صرح بالتحديث عند الإمام أحمد، فهذا الحديث فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن استقبال القبلة ببول، ثم استقبلها، قال: «فرأيته قبل أن يقبض بعام يستقبلها» وهذا قد يحمل على أنه في البنيان، قد يحمل على أنه فعله يعني في البنيان، كما في حديث عبد الله بن عمر، وحينئذ يكون النهي محمولا على الفضاء والصحراء، والكراهة إذا كان في البنيان، والأفضل بلا شك أن يبنى الكنف والحمامات أن لا تكون في جهة القبلة، استقبالا أو استدبارا، هذا هو الأفضل والأكمل. قال الحديث: ثامن وثلاثون ومئة، وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من أتى الغائط فليستتر» رواه أبو داود، نعم، هذا الحديث فيه وجوب الأمر بالاستتار عند قضاء الحاجة، «من أتى الغائط فليستتر» يعني يكون هناك ساتر، أو يستتر بالابتعاد إذا كان في الفضاء، في الخلاء يبتعد عن أعين الناس، فلا يراه أحد، إن وجد شيء يستتر به كأشجار مثلا، أو كوم من الرمال أو نحو ذلك، فوجب عليه أن يستتر خلفه، فإن لم يوجد شيء وهو في فضاء، ابتعد عن الناس، لا يراه أحد، فلا بأس أن يقضي حاجته في ذلك الموضع، نعم، أما إن وجد شيء يستتر به فالواجب أن يستتر به. قال الحديث: تسع وثلاثون ومئة، وعن عبد الله بن جعفر رضي الله عنهما قال: «أردفني رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم خلفه، وكان أحب ما استتر به لحاجته هدف أو حائش نخل» رواه مسلم، نعم، «كان أحب ما استتر به لحاجته» أي النبي صلى الله عليه وسلم، الهدف يعني كوم الرمل، وما كان بمعناه، الرمل المتجمع، قال: «أو حائش نخل» كذلك يعني بستان نخل، فيقضي حاجته عنده، فيستتر به، فكان هذا من هديه عليه الصلاة والسلام، وقد كان عليه الصلاة والسلام من أشد الناس حياء. قال الحديث: «كان إذا خرج من الغائط قال: غفرانك» أخرجه الخمسة وصححوه، نعم، هذا الحديث فيه استحباب الإتيان بهذا الذكر والدعاء عند الخروج من الخلاء، «كان إذا خرج من الغائط قال: غفرانك» وهذا الحديث فيه يوسف بن أبي بردة وهو مجهول، مجهول الحال، إلا أن كثيرا من أهل العلم صححوا هذا الحديث، صححه جمع من الحفاظ، ولا إمهال، وهو صحيح مما ورد في هذا الباب، وأما حديث «الحمد لله الذي أذاب عني الأذى وعافاني» فهو ضعيف لا يصح. قال أهل العلم: الحكم من ذلك، ذكروا بعض الحكم، منهم من قال: الحكم من ذلك أنك في حال قضاء الحاجة تنقطع عن ذكر الله، فإذا خرجت تستغفر الله سبحانه وتعالى من ذلك، وهذا القول فيه نظر، لأنك في حال قضاء الحاجة أنت ممنوع من ذكر الله، ليس هذا الموضع موضعا لذكر الله، وقيل: تستغفر لأنك تقصر في شكر نعم الله سبحانه وتعالى والقيام بحقها، فالله نعم عليك بالنعم، ويسهل لك الطعام والشراب، ويسهل لك هضمه، ثم يسأل لك خروجه، خروج فضلاته، ثم لا تقوم بشكر الله جل وعلا على نعمه، وتقوم بعبودية الله جل وعلا على وجه الأكمل، وتستغفر الله سبحانه وتعالى من ذلك، ولعل هذا هو الأقرب في حكمة الاستغفار بعد الخروج من الخلاء. قال الحديث: الحادي والأربعون ومئة، وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «مر النبي صلى الله عليه وسلم بقبرين، فقال: «إنهما ليعذبان، وما يعذبان في كبير» يعني في ظنهما، أما أحدهما فكان لا يستتر من البول، وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة، فأخذ جريدة رطبة فشقها نصفين، فغرز في كل قبر واحدة، قال: «يا رسول الله، لما فعلت هذا؟ قال: «لعله يخفف عنهما ما لم ييبس» متفق عليه، وقد روي بثلاثة ألفاظ: «يستتر» وهو في الصحيحين، و«يستنزه» في مسلم، و«يستبرئ» عند ابن عساكر. هذا الحديث أخبر ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي عليه الصلاة والسلام مر بقبرين، فقال: «إنهما ليعذبان، وما يعذبان في كبير» وهذا فيه دليل على ثبوت عذاب القبر، وأن الإنسان في قبره قد يعذب وقد ينعم، إلا أن هذا الأمر أمر غيبي لا يطلع عليه الناس، لو جاء إنسان إلى قبر وحفر في القبر ما يسمع عذابا، ولا يسمع لأن هذا أمر غيبي يطلعه الله سبحانه وتعالى من شاء من عباده، كما أطلعه على نبيه عليه الصلاة والسلام، وهكذا يسمعه يعني الحيوانات، كما قال مسلم: «يضرب في مرزبة من حديد، فيصيح صيحة فيسمعه كل شيء إلا الثقلين» يعني الجن والإنس، ولو سمعوا لصعقوا، ونحن نؤمن بذلك كما أخبر عليه الصلاة والسلام، والنبي علم بذلك بوحي من الله، أوحى الله إليه أن صاحب هذين القبرين يعذبان، ثم بيّن أنه ما يعذبان في كبير، يعني في ذنب كبير في ظنهما، أو بشيء كبير يبعد أو يصعب الابتعاد عنه واجتنابه. فذكر أن الأول كان لا يستتر من البول، في رواية «لا يستنزه» وفي رواية «لا يستبرئ» والمقصود أنه كان لا يبالي يعني بوقوع البول عليه في بدنه أو في ثوبه، فلا يستبرئ منه، لا يزيله، ولا يبعده، ولا يعني يتنزه أن يصيبه البول، فكان يتساهل في ذلك، يتساهل في ذلك، يبول ويقوم ما يستنجي، فيتقطر البول في ثوبه وفي بدنه، فعذب بسبب ذلك، وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة، النميمة يعني ينقل الكلام على قصد الإفساد، يأتي عند هذا فيأخذ منه كلاما، ثم يذهب إلى الآخر ويقول: «فلان يقول فيك كذا وكذا وكذا» حتى تحصل شحناء وبغضاء بين الرجلين، وهكذا ينقل الكلام من مكان إلى مكان، لقصد النميمة والإفساد، هذه أيضا كبيرة من كبائر الذنوب، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «لا يدخل الجنة قتات» وفي رواية «نمام» يفسد كما يفسد الساحر، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «النميمة هي القالة بين الناس» فالمقصود أنه كان يمشي بالنميمة، فعذب بسبب ذلك، فعذب بسبب ذلك. فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم جريدة رطبة يعني من جريدة النخل، فشقها نصفين، فغرز في كل قبر واحدة، قالوا: «يا رسول الله، لما فعلت هذا؟ قال: «لعله يخفف عنهما ما لم ييبس» فعل هذا النبي صلى الله عليه وسلم من باب الشفاعة لهما، لعل الله يخفف عليهما شيء من العذاب الذي حصل لهما في قبرهما، وهل يشرع فعل مثل ذلك؟ الجواب: لا، ما يشرع، لماذا؟ لأن النبي صلى الله عليه وسلم فعل هذا مع هذين القبرين فقط، ولم يفعله مع غيرهما، والأمر الثاني أن لا نعلم هل هذا الميت يعذب أو ينعم؟ والنبي صلى الله عليه وسلم أوحى الله إليه بعذاب صاحب هذين القبرين، ففعل ذلك لأجل أن يخفف عنهما، فلا يشرع مثل هذا الفعل إذا دفن الميت، أن يأتي الإنسان بجريدة أو بأشجار ويغرسها في قبره، بل فعل ذلك يعتبر من البدع والمحدثات. وشاهد من هذا الحديث قوله: «فكان لا يستتر من البول» فتشاهله في ذلك من أسباب عذاب القبر، عياذا بالله. قال حديث: ثاني والأربعون ومئة، وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «استنزه من البول، فإن عامة عذاب القبر منه» رواه الدارقطني، وللحاكم: «أكثر عذاب القبر من البول» وصحح إسناده، حديث أبي هريرة، أعله الدارقطني بالإرسال، عليه، الدارقطني، بالإرسال، أن الصحيح فيه أنه مرسل، وبعض العلماء حسّنه بمجموع الطرق، كالشيخ الألباني رحمه الله، حسّنه بمجموع طرقه، ويشهد له حديث ابن عباس يعني في عذاب هذا الرجل بسبب عدم تنزهه عن البول. فالواجب على المسلم إذا بال أن يستنزه من البول، لا يجعل شيئا من البول يتقطر في بدنه أو في ثوبه، ولا يتعجل، يبول ويستنجي بالماء أو بالحجر حتى ينقطع البول، نعم، فلا يجعل شيئا من البول يقع في ثوبه أو بدنه. قال حديث: ثالث والأربعون ومئة، وعن سراقة بن مالك رضي الله عنه قال: «علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخلاء أن نقعد على اليسرى وننصب اليمنى» رواه البيهقي بسند ضعيف، نعم، وكما قال: «الحديث ضعيف» يعني في ذكر هذه الصفة عند قضاء الحاجة، أن يقعد على اليسرى وينصب اليمنى، فهذا لم يصح عن النبي عليه الصلاة والسلام، لكن لو فعلها الإنسان على جهة أنها تيسر خروج ما في البطن، فلا بأس، لكن ليس على سبيل أنها جلسة مشروعة أو سنة، إنها مباحة، وله أن يجلس على أي هيئة تتيسر، فلو جلس على هذه الهيئة فلا بأس، فلا بأس أن يفعل ذلك، وذكر بعض أهل الطب أن هذا يعني أنفع في خروج ما في المعدة. قال حديث: الرابع والأربعون ومئة، وعن عيسى بن يزيد عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا بال أحدكم فلينتر ذكره ثلاث مرات» رواه النسائي بسند ضعيف، نعم، الحديث ضعيف، أعله أبو حاتم رحمه الله بأن والد سعيد بن يزيد هذا لا يعرف له صحبة، وعيسى بن يزيد هذا قال: «معين مجهول» في الحديث ضعيف، «ينتر ذكره» يعني يسحب ذكره بيده من أوله إلى آخره لخروج ما قد يتبقى من بول، وهذا الفعل ليس بمشروع، بل هو من فعل المتنطعين والموسوسين، ومما يوقع الإنسان في الوساوس، ونحن نهينا عن التكلف، وتكلف أيضا، وقد نهينا عن التكلف، البول يخرج، فإذا انتهى انقطع من نفسه، إذا انتهى انقطع من نفسه، فلا يحتاج أن يشدد على نفسه بأن ينتر ذكره أو يشده أو بعض الفقهاء يقول: يقوم، يقفز، حتى لو كان شيء يخرج، هذا كله من تشدد المخالف للشريعة، كما سمعتم، قد نهانا النبي صلى الله عليه وسلم عن التنطع، وهذا من التنطع. قال حديث: 450، عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم سأل أهل قباء فقال: «إن الله يثني عليكم» قالوا: «إنا نتبع الحجارة الماء» رواه البزار بسند ضعيف، وأصله في أبي داود وصححه ابن خزيمة من حديث أبي هريرة بدون ذكر الحجارة، وهو الصحيح، الصحيح أنه ليس فيه ذكر الحجارة، وإنما الثناء كان على استعمالهم الماء، كان على استعمالهم الماء فقط، يعني لما سأل أهل قباء عن سبب ثناء الله عليهم في قوله: «فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين» فذكروا أنهم كانوا يستنجون بالماء، هذا هو الصحيح، أما ذكر الحجارة مع الماء فهذا لا يصح. وعلى كل، قد يستدل بهذا على أنه يجوز أو يستحب الجمع بين الحجارة والماء، والجمع بينهما جائز، لا مانع من ذلك، إذا إنسان مثلا عنده أحجار وعنده ماء، فيستنجي أولا بالأحجار، فيزيل عين النجاسة بالحجر، حتى لا تخالط يده، ثم يستعمل الماء، لا بأس، هذا جائز. قال حديث: سابع والأربعون ومئة، وعن عائشة رضي الله عنها قالت: «من حدثك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بال قائما فلا تصدقه، ما بال رسول الله صلى الله عليه وسلم منذ أنزل عليه القرآن قائما» رواه أحمد والترمذي وقال: «هو أحسن شيء في الباب وأصح»، حديث حذيفة في الصحيح، كما مر، معنى أنه أتى سباطة قوم، يعني زبالة قوم، فبال قائما، هذا يدل على أنه يجوز للمسلم أن يبول قائما، وقد فعله النبي عليه الصلاة والسلام، وحديث عائشة أنكرت ذلك، قالت على حسب علمها، هي لم تر النبي صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك، ورآه غيرها، ومن علم على من لم يعلم، فأكثر فعل النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يبول جالسا، وبال قائما عليه الصلاة والسلام لعله لبيان الجواز، لعله لبيان الجواز، لكن يبول قائما إذا أمن من انكشاف عورته، إذا أمن من انكشاف عورته، فإنه لا بأس أن يبول قائما، وأما إذا فعل ذلك واستكشف عورته ويراه الناس، فشيء من ذلك فلا، لا يفعل ذلك، يبول جالسا. قال حديث: ثامن والأربعون ومئة، وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تبولوا قائما» رواه ابن حبان، وقد ثبت عن ابن عمر أنه بال قائما، هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن البول قائما، حديث ضعيف، فيه عنعنة ابن جريج، عبد الملك بن جريج هو ثقة إلا أنه مدلس، وقد عنعن، وتبين في رواية ابن ماجة والحاكم أنه سمعه من عبد الكريم بن أبي المخارق، وهو يعني ضعيف عند أهل الحديث، فالحديث لا يصح، وعندنا فعله صلى الله عليه وسلم في الصحيحين أنه بال قائما، مما يدل على الجواز، وهذا القول هنا كأنه يشير إلى الضعف، هذه الرواية، وقد ثبت عن ابن عمر أنه بال قائما، وهو راوي الحديث «لا تبولوا قائما» وصح عنه أنه بال قائما، هذا يدل على أن هذه الرواية لا تصح، ولو صحت عن ابن عمر، أو صح عند ابن عمر هذا النهيل، ما فعله ابن عمر رضي الله عنهما مع شدة حرصه لاتباع النبي عليه الصلاة والسلام. هذا آخر ما يتعلق بهذا الباب، باب قضاء الحاجة، إلى هنا، صلى الله عليه وسلم، نبينا محمد، آل وصحبه أجمعين.