الدرس في شرح كتاب التوحيد 268، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يتناول هذا الفصل شرح النهي عن سب الريح وعلاقته بعدم الرضا بقضاء الله وقدره، موضحًا أهمية الريح كآية من آيات الله. سب الريح يعتبر منهيًا عنه شرعًا لما فيه من عدم الرضا بقضاء الله.
نهى الشرع عن سب الريح لأنها خلق مسخر بأمر الله، وسبها يعتبر سبًا لله، كما أنه يدل على عدم الرضا بقضاء الله وقدره. هذا الفعل يؤدي إلى نقص في الإيمان ويضيع الوقت دون فائدة.
سب الريح يدل على نقص في العقل لأنه يوجه اللعن لما لا يستحق اللعن، ويعود بالضرر على صاحبه. الإنسان يجب أن يكف عن اللعن لأن اللعنة قد ترجع إليه إذا لم تصب من يستحقها.
المقطع الأخير يشير إلى أن سب الريح هو في الحقيقة سب للنفس، ويختتم الدرس مع التأكيد على أن الله تعالى أعلم، ويصلي على النبي محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: باب النهي عن سب الريح. النهي عن سب الريح، أورد المؤلف رحمه الله تعالى -الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى- في كتاب التوحيد هذا الباب الجديد بقوله: النهي عن سب الريح، أي هذا باب مدخل إلى معرفة حكم المسألة، النهي أي ما جاء من المنع عن هذه الطريقة وعن هذا الأسلوب، سب الريح. الريح هو الهواء المتحرك الذي يصرفه الله عز وجل كيف يشاء. سب الريح، السب بمعنى الذم والعيب، ويدخل في ذلكم التضجر، ويدخل في ذلكم اللعن والشتم والسب، كل هذا من سب الريح. إذن هذا الباب سيذكر فيه المؤلف رحمه الله تعالى حكم هذه المسألة، كون أن الإنسان يتوجه إلى هذا الهواء، إلى هذا الريح بالسب واللعن والشتم، ما حكمه؟ وقبل الدخول في هذه المسألة، إخواني في الله، أولًا نورد ما علاقة هذا الباب بالذي قبله. مر معنا الباب الذي قبله في حكم استخدام كلمة "لون". والآن أورد المؤلف هذا الباب. الرابط بينهما كما قال العلماء في بيان أن هذا الباب وذاك الباب يدور حول عدم الرضا بقضاء الله وقدره، يدور حول حكم عدم الرضا بقضاء الله وقدره، فكلاهما منهي عنه. وأما علاقة هذا الباب بكتاب التوحيد، أن هذا الفعل كان من أفعال المشركين ومن فعل أهل الجاهلية، أنهم كانوا يتوجهون إلى الريح وإلى هذا الهواء بالسب والشتم واللعن، وجد هذا في أشعارهم وفي نثرهم وفي أقوالهم. إذن قول المؤلف رحمه الله تعالى: باب النهي عن سب الريح. الريح، إخواني في الله كمقدمة، هو هذا الهواء المتحرك، يعتبر آية من آيات الله، آية من آيات الله الدال على كمال قدرته وقوته وحكمته سبحانه وتعالى. تأتي هذه الريح على صور عديدة، تأتي الريح أحيانًا باردة، أحيانًا حارة، أحيانًا عاصفة شديدة، أحيانًا نسيمًا عليلًا خفيفًا، وهكذا يدبرها الله عز وجل أشكالًا وصورًا. وهي كذلكم مع أنها من آيات الله، هي من عظيم إنعام الله على العباد، إذ أن للريح فوائد جمة، بها تتحقق مصالح العباد. انظر يا عبد الله مثلًا، ونحن في أرض الواقع بالأمس كنا نعاني من هذا الحر الشديد، فغير الله أحوالنا إلى أحسن حال كما نستشعر به في هذه الأيام، بعد ماذا؟ بعد أن هبت الريح، بعد أن دخلت الريح علينا تغيرت الأجواء، هذا نعمة من الله عز وجل. كذلكم ما نراه الآن من تجمع السحب والغيوم، من أين جاءت هذه؟ هذه جاءت بما أنعم الله عز وجل علينا من إرسال الرياح، فإن هذه السحب إنما تجري بالرياح، تجرها وتسحبها حيث شاء ربها سبحانه وتعالى، هذه نعمة كذلك. ما يتعلق بتلقيح الأزهار وما يكون من تناقلها من شجرة إلى شجرة، هذا كله بسبب الريح. وهكذا كم وكم نعدد ما يكون من فضائل الريح في البر وفي البحر، نعم عظيمة. بل حتى ذكر العلماء كما قال ذلك مطرف بن عبد الله رحمه الله تعالى، ويتحدث عن فضل الريح: لو حبست الريح عن الناس لأنتنى ما بين السماوات والأرض. لو حبست الريح عن الناس لأنتنى ما بين السماوات والأرض، أي أصاب النتن، متى؟ إذا حبست الريح، لأن ما هناك شيء يتجدد، يبقى النتن موجودًا كل في محله. وأذكر فيما أذكر ما ذكره الإمام ابن كثير رحمه الله تعالى في البداية والنهاية، عندما تحدث عن غزو التتر المغول لبلاد المسلمين، وكيف أنه سفك فيهم الدماء وزهق الأرواح إلى مئات الآلاف، بل ملايين الجثث حتى أصبحت مرمية على ظهر الأرض، وما استطاع أحد أن يدفن أحدًا، أن يدفن أحدًا. فأصبحت هذه الجثث الملقاة على وجه الأرض، تخيل جثة واحدة فقط لو أنها بقيت، لا ظهر عفنها لمن جاء وراءها، فما ظنك بآلاف الجثث وقد تعفنت حينها؟ ذكر ابن كثير أن من الناس من مات من جراء هذا الهواء المتعفن، مات من جراء هذا الهواء المتعفن الذي صدر من الجثث. فكما قال مطرف رحمه الله: لو حبست الريح عن الناس لأنتنى ما في السماوات. ولكن يأتي ربنا جل وعلا بهذه الريح، فتصرف عن هذه النتن وهذا القذر ما يكون من الهواء المتعفن، وما يحمله من هذه الميكروبات وغيرها. فالشاهد إخواني في الله أن الريح آية من آيات الله، وهي نعمة من نعم الله على العباد، شعر الناس بهذا أو لم يشعروا. ولهذا من توجه إليها بالسب والشتم واللعن، فما شكر الله على نعمه، وإنما شابه الكفار في كفرهم. المؤلف رحمه الله تعالى أورد هذا الباب، باب النهي عن سب الريح، إنما ذكروا لكثرة وقوعه، لكثرة وقوعه، ولا زال الناس يقعون في هذه البلية أن يتوجهوا إلى الرياح بالسب والشتم والعيب. ولها أيضًا ذكر هذا الباب لشدة الناس إلى فقهه والتعلم لأحكامه، فالناس إخواني في الله يجهلون كيفية التعامل مع الريح إذا هبت. وأنهي عن سب الريح كما قال العلماء، إنما ذلك لعدة أسباب. لماذا الشرع منع من سب الريح؟ قال العلماء ذلك لعدة أمور. أولاها: أولى هذه الأشياء أن الريح في الحقيقة هي خلق من خلق الله، مسخرة بأمر من الله عز وجل، هو الذي يحركها كيف يشاء، فهي لا تملك لنفسها نفعًا ولا ضرًا. فمن سبها فهو في الحقيقة قد سب من سخرها، في الحقيقة قد سب من سخرها، الرحمة تملك لنفسها شيئًا، وإنما ربنا سبحانه وتعالى هو الذي يحركها يمنة ويسرة. إن قال لها الله تحرك بشدة تحركت، وإن أمر الله بإيقافها توقفت. فأنت عندما تسبها تسب من في الحقيقة تسب الله عز وجل، شعرت بهذا أو لم تشعر. هذا كما مضى معنا إخواني في الله في حديثي: لا تسب الدهر، قال الله: «فأنا الدهر، بيدي أقلب الليل والنهار»، لأن هذه الحوادث لما تسبها تسب من في الحقيقة تسب من دبرها، من سخرها، وهو الله جل في علاه. وهكذا الريح، فأنت عندما تسب الريح يا عبد الله، فإنك تسب من دبرها ومن صرفها. ولهذا يقول الإمام الشافعي رحمه الله تعالى: قال ولا ينبغي شتم الريح، فإنها خلق مطيع لله، وجند من جنوده، يجعله الله رحمة إذا شاء، ونقمة إذا شاء. فالله عز وجل هو الذي صرفها، فأنت يا عبد الله قبل أن تقدم على الريح بسبها وشتمها ولعنها، تأمل يا عبد الله أين سيذهب هذا السب؟ فالريح لا تملك لنفسها شيئًا، وإن في الحقيقة ماذا؟ فإن سبك يصل إلى من دبرها ومن سخرها. إذن هذا الأمر الأول الذي لأجله نهينا عن سب الريح، إذ أن السب لا يعود إليها بل يعود إلى ربها. الأمر الثاني: أنهي عن سب الريح لأن في ذلك نقص في إيمان العبد. ووجه النقص في هذا الباب لأن هذا فيه قدح في عدم رضى العبد بقضاء الله وقدره. لأنك يا عبد الله تأمل، عندما أتحدث عن شخص يسب الريح، يأتي السؤال ها هنا: متى يكون هذا؟ متى نسمع الناس يسبون أو يلعنون الريح والرياح؟ يسبونها إذا آلمتهم، إذا آذتهم على حد زعمهم في معاشهم أو في أعمالهم، حينها يتصبرون عليها ويتبرمون من هذه الريح، ويظهرون تبرمهم بسبها وشتمها. إذ أن أحيانًا تأتي الريح كما يقال بما لا تشتهي السفن، أو السفينة بما لا تشتهي، مثاله: لربما تهب حريق وقع حريق في مكان ما، فأثناء إشعال النار في هذا المكان وفي ذاك المكان هبت الريح، الريح تؤجج النار فتشتعل كما يقع في بعض المناطق التي سمعنا عنها قريبًا حول العالم، عندما ابتليت بعض الحدائق من نيران، كيف أن الريح ساعدت على الانتشار؟ هنا تسخط الناس، فأخذوا ماذا؟ يسبون ويلعنون الريح الذي هبت في هذه الساعة. أو كذلك رجل يؤمل في البحر، يؤمل في البحر الرزق أو السفر، ثم إذ بالأمواج هاجت، وما تهيج الأمواج إلا بالريح، فحين يتسخط الناس على هذه الريح الذي هبت الآن، إذ أنها عكرت عليهم في أرزاقهم وفي أعمالهم وفي سفرهم، وهكذا. قس تجد أن الناس يتوجهون إلى الريح بالسب والشتم والسب متى ما لم توافق ما أرادوا. يأتي السؤال هنا يا عبد الله: من الذي قدر على الريح أن تهب الآن؟ هو الله جل وعلا. وهذا يجرك إلى الإيمان بقضاء الله وقدره. قل: الحمد لله، الحمد لله، قدر الله ما شاء فعل، والله الحمد لله. كذا الحريق يمكن أن نستولي عليه، لكن الريح زالت في الأزمة، وكنا سنسافر في العبري أو في الباخرة أو في السفينة اليوم الفلاني، لكن الريح ضيعت علينا الفرصة. من الذي قدرها؟ هو الله. إذن تحمد الله وتؤمن أن هذا تم بقضاء الله وقدره. فالذي يسب الريح هاهنا هذا لم يرضى بقضاء الله وقدره. ولهذا نهينا عن سب الريح. وأشار العلماء هاهنا أن سب الريح هاهنا نقص في الإيمان، نقص في الإيمان. كذلكم الوجه الثالث في النهي عن سب الريح: أنه نقص في العقل، نقص في العقل. ووجه نقص العقل عند سب الريح: أن صاحب اللعنة والشاتم والساب يتوجه باللعنة إلى من لا يستحق اللعنة أصلا. وما شأن الريح؟ تقول لك الريح لو تكلمت: يا عبد الله، على ما تسبني؟ أنا ما أملك لنفسي شيئًا، ما أملك لنفسي شيئًا. فأنت غبي، أنت غبي لأنك تحملني ما لا أحتمل. ولهذا قال العلماء: أن سب الريح في الحقيقة نقص في عقل صاحبه، يسب ويشتم هذا الريح، يأتي باللعن ويأتي بالقبائح، ويأتي بالسب والشتم والتذمر، ويأتي بأنواع الضجر، وهي ماذا؟ لا تعي ولا تسمع، تسير في مجراها. وأيضًا هو لن يغير من الأمر شيئًا. سألتك بالله يا عبد الله: إذا هبت الريح وأبقيت تسبها ليل نهار، هل هذا يغير من الأمر شيئًا؟ الجواب: لا، لن يغير من الأمر شيئًا، فما قدمت ولا أخرت. فهذا دلالة على الحمق، على أنك تضيع وقتك، ناهيك عما يكون من نقص دينك في أنك ابتليت بأمر لا تملك فيه نفعًا ولا ضرًا. فقال العلماء: أن سب الريح دلالة على حمق صاحبها ونقص في عقله. أخيرًا قال العلماء: أن سب الريح ولعن الريح هو في الحقيقة الإنسان يضر نفسه. لماذا يضر نفسه؟ لأنهم من لعن شيئًا ليس له به أهل، فإن اللعنة ترجع إلى صاحبها. وهذه هي البلية. فالذي يتناول الرياح بالسب والشتم واللعن، فهو في الحقيقة يسب نفسه ويلعن نفسه. ولهذا قال عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح، حديث ابن عباس كما سيأتي معنا: «لا تلعن الريح، لا تلعن الريح، فإنها مأمورة، وإن من لعن شيئًا ليس له به أهل رجعت اللعنة عليه». من لعن شيئًا وليس له بأهل، أي هذا الشيء الذي توجه له بالسب واللعن ليس له بأهل، ليس هذا مقامه، لا تستحق اللعن. إذن ماذا تكون اللعنة معلقة؟ لا، لابد أن اللعنة تعود إلى شخص. فإذا كان الذي يقابله لا يستحق، ترجع اللعنة إلى صاحبها. تقول: لعنة الله على الشيء الفلاني، فإذا ما استحق الشيء الفلاني اللعنة، رجعت اللعنة عليك. فحينها تعلم يا عبد الله كثرة اللعنة التي لعنتها على نفسك، شعرت بهذا أو لم تشعر. وبهذا فائدة تربوية على أن الإنسان، إخواني في الله، قدر الإمكان يكف عن اللعن. كف يا عبد الله عن اللعن، والشرع ذم هذه الخصلة أن تكون ذا لعن، تلعن هذا وتلعن ذاك. ولهذا ذكر نبينا أن من صفات أهل الإيمان: «ليس بالطعان ولا باللعان». لا تلعن بعض الناس، اللعنة على طرف لسانه، على طرف لسانه، إذا مشى وتعثر في سيره، لعنة الله، رمى اللعنة على الأرض أو على الصخرة أو على نعاله. وإذا لو ربما صعد على الدرج وانحرف، أتى باللعنة ولعن الدرج والسلم. وإذا أصيب بشيء رمي بحجر أو على من قبل طفل، قام ولعن الكرة ولعن الطفل، وهكذا يلعن ويلعن ويلعن. والله أعلم بهذه اللعنات هل تصيب أصحابها أم أنها ستعود إليه؟ ولهذا ينبغي إخواني في الله أن الإنسان يتربى، وهذا الحديث يربينا أنه: «من لعن شيئًا ليس له بأهل رجعت اللعنة عليه». ولهذا إذا أردت يا عبد الله أن تكون في صيانة وفي حماية من أثر اللعنة، لا تلعن، لا تلعن. ولهذا كان من أئمتنا من لا يلعن، حتى من يتعلق ببعض الأعداء من الكفار، يكف عن لعنهم. حتى قال الإمام أحمد لابنه: قال يا بني، متى وجدت أباك لعانًا؟ متى وجدت أباك لعانًا؟ يحفظ اللسان، عندك أنواع من السب والشتم، لكن احذر من اللعن. فالشاهد إخواني في الله أن من أسباب النهي عن سب الريح: أن من سب الريح ولعنها، فإن اللعن تعود إليه. هذا إخواني في الله خلاصة ما يذكر، وهذه مقدمة سريعة حول باب باب النهي عن سب الريح. سيذكر لنا المؤلف رحمه الله تعالى ما يتعلق بهذا الباب من الأدلة الدالة على النوبة. وعلمنا وعلمنا إخواني في الله أن الريح هي دالة على قدرة الله وعلى عظمة الله وعلى قوة الله وجبروت الله ورحمة الله بعباده، حيث يصرفها كيف يشاء بحكمته. وعلمنا أن النهي عن سب الريح يعود إلى أمور كثيرة، منها: أن سب الريح في الحقيقة يكون السب يعود إلى مولاها، وهو ربنا عز وجل، وإن كان صاحبها لم يقصد ذلك، لكن هذه الحقيقة المرة. كذلكم أن سب الريح فيه نقص في الدين، إذ أن فيه تسخط على قضاء الله وقدره. وفيه كذلك نقص في العقل، لأنه يتهم شيئًا وليس بذي تهمة. ورابعًا: كما أشرنا أن من سب الريح، وفي الحقيقة يسب نفسه بنفسه. نكتفي إلى هذا الحد، ونواصل المبحث في درس غد. إلى هنا والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.