كتاب الطهارة 14

كتاب الطهارة 14

الدرس في كتاب الطهارة 14، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

آداب الدخول إلى الخلاء واستعمال الماء في الاستنجاء

يتناول هذا الفصل آداب قضاء الحاجة في الإسلام، حيث ذكر بعض الأحاديث النبوية التي تبين كيفية التعامل مع الخلاء واستعمال الماء في الاستنجاء. كما يشرح معاني بعض الأحاديث ويبين درجة صحتها.

الابتعاد عن الناس عند قضاء الحاجة وتجنب إيذائهم

يناقش هذا الفصل آداب قضاء الحاجة في الإسلام، ويشير إلى ضرورة الابتعاد عن الناس عند قضاء الحاجة وعدم إيذائهم بذلك. يستند إلى أحاديث نبوية لتوضيح المواضع التي يجب تجنب قضاء الحاجة فيها.

تحريم الكلام أثناء قضاء الحاجة واستحباب الإسراع في الخروج

يتحدث هذا الفصل عن تحريم الكلام أثناء قضاء الحاجة إلا إذا دعت الحاجة لذلك، واستحباب الإسراع في قضاء الحاجة والخروج منها لكونها مأوى للشياطين وتُمنع فيها ذكر الله تعالى.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه، ومن والاه. أما بعد، باب آداب قضاء الحاجة. الحديث الثامن عشر ومئة: عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل الخلاء وضع خاتمه». أخرجه الأربعة، وهو معلول. إلى آخر ما ذكر في هذا الباب من أحاديث. هذا الباب: باب آداب قضاء الحاجة، المراد بقضاء الحاجة: أي إتيان البول والغائط، ويكنى عنهما بقضاء الحاجة، من باب التأدب واختيار اللفظ الذي ليس فيه شيء من القبح. وهذا من الأدب. الله عز وجل يقول: ﴿أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء﴾ كناية عن الجماع. وهكذا يعبر عن هذا الأمر بقضاء الحاجة، أو باب الاستطابة، أو باب الخلاء. وكل هذه الألفاظ مأخوذة من بعض الأحاديث الواردة في هذا الباب. فالشرع جعل لقضاء الحاجة آدابا؛ حتى يكون المسلم في سائر أحواله على أكمل الأخلاق وأحسنها. ذكر في أول هذا الباب حديث أنس بن مالك: «كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل الخلاء وضع خاتمه»، يعني لا يدخله معه الخلاء. وكان خاتم النبي صلى الله عليه وسلم منقوش عليه: «محمد رسول الله». فهذا الحديث -كما أشار المصنف- أنه معلول. قال أبو داود رحمه الله: هو حديث منكر، وضعفه الجمهور. أسند به على كراهة إدخال شيء فيه ذكر الله إلى الخلاء. وهذا الحديث وإن لم يثبت، فهذا المعنى ثابت من عمومات الأدلة، كقول الله جل وعلا: ﴿ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب﴾. وليس من تعظيم شعائر الله إدخال ما فيه ذكر الله إلى داخل الخلاء الذي هو موضع لمأوى الشياطين وقضاء الحاجة. فينبغي تنزيه ما فيه ذكر لله جل وعلا من إدخاله إلى الخلاء. نعم، إلا إذا اضطر الإنسان إلى ذلك، كأن يخشى مما لو وضع ما فيه ذكر الله خارج الخلاء أن يمتهن أو يسرق أو شيء من ذلك، فلا بأس بإدخاله معه للخلاء من باب الضرورة. الحديث التاسع عشر ومئة: عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ستر ما بين أعين الجن وعورات بني آدم إذا دخل أحدهم الخلاء أن يقول: بسم الله». رواه الترمذي، واستغرقه. يعني قال: حديث غريب. ثم قال: وإسناده ليس بذاك القوي. قال إمام الترمذي: وإسناده ليس بذاك القوي؛ وذلك أن شيخ الإمام الترمذي في هذا الحديث هو محمد بن حميد الرازي، وهو ضعيف. وأيضا فيه عنعنة أبي إسحاق السبيعي. وسل الله بهذا الحديث على مشروعية ذكر اسم الله عند دخول الخلاء. «ستر ما بين أعين الجن وعورات بني آدم إذا دخل أحدهم الخلاء أن يقول: بسم الله»، يعني إذا ذكر اسم الله حيل بينه وبين ماذا رؤية الجن له في الخلاء. والحديث -كما ترون- فيه ضعف. وبعض العلم يحسنه بمجموع الطرق، يحسنه بمجموع طرقه. لكن الأصح هو ما بعده. ثم في الصحيحين، وليس فيه ذكر البسملة. الحديث العشرون ومئة: عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: «كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل الخلاء قال: اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث». أخرجه السبعة. وهذا الحديث لا شك أنه أصح. النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا دخل الخلاء -أي المكان المعد لقضاء الحاجة- قال: إذن هذا القول يقال قبل الدخول. قوله: «إذا دخل»، أي إذا أراد الدخول. إذا أراد الدخول. ومثل هذا قول الله جل وعلا: ﴿فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله﴾ يعني إذا أردت القراءة، فالاستعاذة تكون قبل القراءة، ليس بعد القراءة. فقوله: «إذا دخل الخلاء»، أي إذا أراد دخول الخلاء، قال: «اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث». اللهم -أي يا الله- أصلها: يا الله، فحذفت -يعني حرف النداء- وعوض عنها بالميم، فصارت: اللهم. «إني أعوذ بك» يعني ألتجئ وأعتصم بك من الخبث والخبائث. الخبث يعني ذكور الشياطين، والخبائث إناثها. وفي بعض الروايات بإسكان الباء: «الخبث والخبائث»، الخبث يعني الشرور، بمعنى الاستعاذة من الله جل وعلا من جميع الشرور، ومن ذلك شرور الشياطين والجن. فهذا الذكر مستحب عند دخول الخلاء؛ أنك تستعيذ بالله سبحانه وتعالى من شر الشياطين وشر الأشرار. وذلك أن مواضع الخلاء هي مظنة وجود الشياطين؛ لأنها تحب مثل هذه المواضع والأمكنة. أنت تستعيذ بالله سبحانه وتعالى من شرها؛ أن يصيبك شيء من أذيتها. فيستحب هذا الذكر عند دخول الخلاء. الحديث الحادي والعشرون ومئة: وعنه رضي الله عنه قال: «كأن رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخل الخلاء، فأحمل أنا وغلام نحوي إداوة من ماء وعنزة، فيستنجي بالماء». متفق عليه. نعم، هذا الحديث فيه أنه لا بأس لمن أراد أن يقضي حاجته أن يحمل معه ما يحتاج له في قضاء حاجته من ماء، أو يعني يحمل أحجارا إذا كان الموضع يذهب ليس فيه أحجار، إذا كان سيستنجي بها، لا بأس. وكذلك أيضا جواز خدمة الإنسان أن يخدمه غيره بتقريب الماء إليه ونحو ذلك، وأن مثل هذا لا بأس به إذا فعل الإنسان ذلك بطيب نفس منه. وأيضا فيه جواز الاستنجاء بالماء والاكتفاء به من غير استعمال الأحجار. قال: «فأحمل أنا وغلام نحوي» نحوي يعني مثلي في السن أو مقارب. إداوة من ماء -الإداوة الإناء الذي يوضع فيه الماء- وعنزة -يعني حربة لأجل أن يستتر بها، فيضع عليها ثوبا أو شيء يستتر به- قال: «فيستنجي بالماء». ولم يذكر هنا الحجارة، فدل هذا لأنه يجوز الاستنجاء بالماء وحده، وأنه لا كراهة في ذلك، خلاف لمن كره ذلك من أهل العلم، وقالوا: إن هذا من صنيع النساء الاستنجاء بالماء. والصحيح أنه يجوز لفعل النبي عليه الصلاة والسلام. وكذلك أيضا يدل على ذلك قول الله عز وجل: ﴿فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين﴾ نزلت هذه الآية في الثناء على أهل قباء؛ لأنهم كانوا يتطهرون بالماء. وكذلك أيضا أنه لا حرج على الإنسان أن يحمل الماء معه ولو كان ذلك الموضع فيه أحجار، ولو كان الموضع الذي سيقضي فيه حاجة فيه أحجار، لا بأس أن يأخذ الماء ويستعمل الماء؛ لأن الماء أنقى في التطهير من الحجر. الماء أنقى في التطهير من الحجر؛ فالماء يزيل أثر النجاسة أو عين النجاسة، وأثرها لا يبقي للنجاسة أثر، بخلاف الأحجار فإنها تزيل عين النجاسة، وقد يبقى شيء من أثرها، شيء من الرطوبة. لكن الماء يذهب أثر هذه النجاسة، فهو أنقى في التطهير. فلو اكتفى به الإنسان مع وجود الحجر، لا بأس، ليس عليه في هذا حرج. فالماء أفضل إذا يتيسر الماء، فهو أفضل؛ لأنه أنقى في التطهير والتنظيف. الحديث الثاني والعشرون ومئة: عن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خذ الإداوة فانطلق حتى توارى عني، فقضى حاجته». متفق عليه. نعم، هذا الحديث فيه من آداب قضاء الحاجة: أن من أراد أن يقضي حاجته -خاصة إتيان الغائط- فعليه أن يبتعد عن الناس حتى لا يراه أحد؛ لأنه سيكون في حالة مكروهة، وقد يخرج منه شيء رائحة كريهة، فيتأذى غيره. فلأجل هذا يبتعد، يبتعد حتى يتوارى عن عين الناس. قال: «فانطلق حتى توارى عني»، يعني أصبحت لا أراه. هذا من أدب أن الإنسان إذا أراد أن يقضي حاجته يبتعد، لا يقضي حاجته عند الناس، هذا من سوء الأدب وقلة المروءة. وإنما يبتعد فيقضي حاجته ثم يرجع. هذا بالنسبة لإتيان الغائط. أما إذا كان يريد أن يبول فلا بأس أن يبول قريبا من الناس مع التستر وعدم تكشف شيء من عورته، فهذا جائز. ويدل عليه حديث حذيفة في الصحيحين قال: «أتي النبي صلى الله عليه وسلم سباطة قوم -يعني زبالة قوم- فبال قائما». والزبالة غالبا تكون قريبا من البيوت البعيدة. فيدل هذا أن مثل هذا لا بأس أن يكون قريبا من الناس مع التستر. وأما إتيان الغائط فلا بد من الابتعاد حتى يتوارى عن عين الناس. هذا إذا كان في الخلاء أو الفضاء. أما إذا كان هناك حمامات -يعني أعدت لهذا- فيدخل الحمام ويحصل بذلك المقصود من التستر. الحديث الثالث والعشرون ومئة: وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اتقوا اللاعنين: الذي يتخلى في طريق الناس أو في ظلهم». رواه مسلم. الحديث الرابع والعشرون ومئة: عن معاذ رضي الله عنه مرفوعا: «اتقوا الملاعن الثلاثة: البراز في الموارد، وقارعة الطريق، والظل». رواه أبو داود. والحديث هذا فيه ضعف؛ فهو من طريق أبي السعيد الحميري عن معاذ، ولم يسمع منه، وهو منقطع، مع جهالة أيضا أبي السعيد الحميري هذا. الحديث الخامس والعشرون ومئة: ولأحمد عن ابن عباس رضي الله عنهما أو نقع ماء. وفيه ما ضعفه. راوي مبهم عن ابن عباس. الراوي عن ابن عباس رجل مبهم. الحديث السادس والعشرون ومئة: وأخرج الطبراني النهية عن قضاء الحاجة تحت الأشجار المثمرة، وظفة النهر الجاري. ومن حديثه من عمر بسند ضعيف. نعم، الصحيح أن هذه الأحاديث -حديث أبي هريرة رضي الله عنه- في نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن قضاء الحاجة في طريق الناس أو في ظلهم. «اتقوا اللاعنين» يعني الفاعلين الذين يجلبان اللعنة لصاحبهما. «الذي يتخلى في طريق الناس» الطريق الذي يسلكه الناس ويمشون فيه، فيأتيه ويقضي فيه حاجته، هذا من سوء الأدب؛ لأنه يؤذي الناس بذلك. فإذا مر إنسان في الطريق ووطئ النجاسة بقدمه، ماذا سيكون إلا أن يسب ويلعن من فعل ذلك، فيكون تسبب في لعنه بهذا الفعل. أو كذلك «في ظلهم» الظل الذي يستظلون به -الظل الذي يستظلون به تحت جدار أو تحت شجرة- فهذا لا يجوز أن يأتي ويقضي حاجته فيه؛ لأنه بهذا يؤذيهم وتسبب في لعنه. والأحاديث الأخرى التي فيها ذكر مواضع أخرى، وإن كان فيها ضعف، لكن من حيث المعنى هي صحيحة؛ لأن المقصود هو عدم إيذاء المسلم لإخوانه المسلمين. فكل ما كان فيه أذية إذا قضى حاجته في موضع يتأذى منه الناس، فإنه يلحق بالنهي عن قضاء الحاجة، أو في ظلهم؛ لأن الحكم يدور مع علته ثبوتا وعدما. والشرع لا يفرق بين مجتمع ولا يجمع بين مفترق. فإذا نهى عن قضاء الحاجة بطرق الناس أو في ظلهم لأجل الأذية، فكل ما كان كذلك فإنه يلحقه هذا الحكم. كالقضاء الحاجة في موارد المياه -المواضع التي يأتي الناس ليستسقون بها الماء- فما يقضي حاجته فيها أو عندها، هذا مما يتأذى منه الناس. وكذلك أيضا تحت الأشجار المثمرة، كذلك؛ لأن هذا سبب لتلوث الثمار لو سقطت، أو يأتي من يريد أن يأخذ الثمرة فيطأ الأذى بقدمه، فيتأذى بذلك. فكل ما كان بهذا المعنى، فينهى عن قضاء الحاجة في مثل هذه المواضع. لكن إذا كانت إذا كان الطريق لا يسلكه الناس -طريق ما يمشي فيه أحد من الناس- لا بأس لو قضى حاجته فيه؛ لأن العلة هنا منتفية. أو كان في ظل لا يستظل به أحد -ظل لا يستظل به أحد- أيضا لا بأس لو قضى حاجته تحته. فالمقصود أنه لا يكون بقضاء الحاجة في موضع إيذاء لأحد من الناس. طيب، لو كان هناك أناس يجلسون تحت الظل، ويخزنون ويسمعون الغناء، هل يجوز أن يقضي حاجته في هذا الموضع؟ يقول: أنا سأمنعهم من الجلوس، هؤلاء يفعلون منكرا، فأن أقضي حاجتي في هذا الموضع حتى إذا جاءوا يبتعدون، فأكون نهيت عن منكر. نعم، ما يجوز؛ لأن فعله هذا منكر، فعله هو منكر. والمنكر لا ينكر بمنكر. نعم، ومن أنكر المنكر بمنكر، كغاسل البول بماء أكدر. فالمنكر لا ينكر بالمنكر. نعم. الحديث السابع والعشرون ومئة: أو عن رجل صاحب النبي صلى الله عليه وسلم قال: «نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يمتشط أحدنا كل يوم، أو يبول في مؤتسلته». رواه أبو داود. والحديث صحيح؛ هو جهالة الصحابي لا تضر؛ لأن الصحابة عدول. قال: «نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يمتشط أحدنا كل يوم»؛ لأن هذا من الترفه والتشبه بالنساء. والذي يحتاج إلى ذلك هي المرأة؛ تحتاج أن تتجمل وتتزين. أما الرجل ما ينبغي أن يشغل نفسه بمظهره وزينته يعني يوميا، وهو يمتشط ويتزين. وهذا على سبيل الكراهة. يعني نهى رسول الله أن يمتشط أحدنا كل يوم، يعني يمشط رأسه يوميا، لا أحيانا وأحيانا. يوم يفعل ذلك، ويوم ما يفعل. كما جاء في حديث آخر: «نهى عن انتقاض إلا غبا» يعني أحيانا وأحيانا. وجاء أيضا في حديث عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل: «نهى عن الإرفاه». قلنا: وما الإرفاه؟ قال: «الترجل كل يوم». الترجل كل يوم في الموطأ. أن الرجل يكون عنده يعني شيء من التخش وتجلد، فلا يكون كذا على هذا الحال -يعني من الاشتغال بنفسه والاهتمام بتمشيط رأسه والتزين يوميا- بل يكون هذا أحيانا وأحيانا. قال: «أو يبول في مغتسل هذا هو الشاهد» أو يبول في مغتسله. فيه النهي عن البول في مكان الاغتسال -يعني في البركة أو الحوض الذي فيه الماء- فلا يبول داخل المغتسل، لا يبول داخل المغتسل. مثل أيضا نهي عن البول في الماء الراكد، هو بمعنى هذا الحديث؛ لأن هذا مما يلوث الماء ويكدره، ورمي ما يؤدي إلى تنجيسه. إذا كثر البول في هذا الماء الذي يغتسل، قد يتغير بالنجاسة، فينجس أيضا. يعني ما أن في هذا الفعل كذلك قد يصيبه شيء من الضرر والمرض؛ لأن البول نجس. فكونه يبول في المغتسل، ثم يغتسل فيه، ويرجع البول -يعني في جسمه- قد يصيبه بشيء من الأضرار. مع كون هذا الفعل -الشيء- مستقبح. يعني كيف يبول في ماء، ثم يغتسل فيه؟ أنت تريد أن تتنظف بهذا الماء، ثم تضع النجاسة فيه وتستعمله. هذا شيء ينافي كمال التصرف وحسن التصرف. يبول في ماء ويضع فيه النجاسة، ثم يغتسل فيه. هذا من الجمع بين -كما يقال- نقيضين، وأمرين لا ينبغي فعلاهما. الحديث الثامن والعشرون ومئة: وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن رجلا مر ورسول الله صلى الله عليه وسلم يبول، فسلم، فلم يرد عليه. رواه مسلم. نعم، هذا الحديث فيه أنه ينبغي للمسلم في أثناء قضاء الحاجة أن لا يذكر الله، أن لا يذكر الله في أثناء قضائه للحاجة. والله عز وجل يقول: ﴿ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب﴾. فالنبي صلى الله عليه وسلم مر عليه رجل وهو يبول، فسلم -أي على النبي صلى الله عليه وسلم- فلم يرد عليه؛ لأنه في حال يكره فيها ذكر الله، في حال يكره فيها ذكر الله. فيدل الحديث على هذا على كراهة ذكر الله جل وعلا في أثناء قضاء الحاجة. فلما فرغ بعد ذلك رد عليه النبي عليه الصلاة والسلام. فإذن يدل الحديث على أنه لا ينبغي للمسلم أن يذكر الله في أثناء قضاء الحاجة. الحديث التاسع والعشرون ومئة: وعن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا تغوط الرجلان فليتوارى كل واحد منهما عن صاحبه، ولا يتحدثا؛ فإن الله يمقت على ذلك». صححه ابن السكن، وابن القطان، وهو معلول. يعني فيه علة الحديث. فيه الطراب وجهالة راوي، وهو عياض أو هلال بن عياض. هذا الحديث فيه الأمر بالتستر عند قضاء الحاجة، والنهي عن التحدث حال قضاء الحاجة. لو لا يتحدثا؛ «فإن الله يمقت على ذلك» يعني يمقت ذلك ويكره ذلك. فاسند له به على كراهة التحدث أثناء قضاء الحاجة. والحديث ضعيف، لكن معناه صحيح، معناه صحيح. أن حال الإنسان في قضاء الحاجة ما ينبغي أن يتكلم ويتحدث؛ لأنه في موضع ما ينبغي له أن يتكلم فيه إلا لحاجة. إذا كان هناك حاجة أو ضرورة، لا بأس. أما يجلس يتكلم ويكلم الذي بجانبه أخباركم، وكأنه جالس معه في غرفة، وهو في موضع كما يقال في حال مكروهة، ما ينبغي له أن يتحدث ويتكلم. أما إذا كان هناك ضرورة، لا بأس. إنسان دخل الحمام ليقضي حاجته، وإذا به الماء مقطوع، ما فيه شيء، يقول: يا فلان عطشان. هذا لا بأس به. أو أنه يقضي حاجة مثلا في خلاء، فمر إنسان -كان يكون مثلا أعمى أو نحو ذلك- فيخشى عليه أن يسقط في حفرة، فينبهه، لا بأس. إذا كان هناك حاجة للكلام، فلا بأس. أما من غير حاجة، فلا، لا ينبغي له أن يتكلم في أثناء قضاء الحاجة؛ لأنه في موضع ينبغي أن يعجل من الخروج منه، موضع مأوى للشياطين، وهو أيضا يمنع فيه من ذكر الله سبحانه وتعالى. فيقضي حاجته ويخرج، ليسلم من شر مثل هذه المواضع. طيب، نقف هنا إن شاء الله.