كتاب الطهارة 13

كتاب الطهارة 13

الدرس في كتاب الطهارة 13، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

أحكام الوضوء بمس الذكر والمرأة

يناقش حكم مس الذكر والفرج ومس المرأة للوضوء بناءً على أحاديث نبوية، ويخلص إلى أن مس الذكر أو الفرج يوجب الوضوء بينما لا ينتقض الوضوء بمس المرأة. يستدل بحديث عائشة وحديث طلق بن علي وحديث بسرة بنت صفوان.

أحكام الوضوء والطهارة في مواقف خاصة

يناقش بعض الأحكام المتعلقة بالوضوء والطهارة مثل الوضوء بعد أكل لحم الإبل، وعدم وجوب الوضوء بعد غسل أو حمل الميت، واشتراط الطهارة لمن يمس المصحف. يشرح آراء العلماء حول هذه المسائل ويستند إلى أحاديث نبوية وأقوال الصحابة.

أحكام الطهارة والصلاة والشك في الحدث

يناقش أحكام الطهارة للطواف، وجواز ذكر الله على غير طهارة، وأحكام الوضوء والصلاة عند الشك في الحدث، ويستند إلى أحاديث نبوية لتوضيح هذه الأحكام.

ختام وذكر النبي محمد صلى الله عليه وسلم

يشير إلى ختام ذكر النبي محمد صلى الله عليه وسلم والصلاة عليه، ثم يقدم شكرا.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه، أما بعد. قال المصنف رحمه الله: الحديث السادس المئة عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قبل بعض نسائه ثم خرج إلى الصلاة ولم يتوضأ. أخرجه أحمد وضعفه البخاري. نعم، هذا الحديث كما أشار رحمه الله أن البخاري ضعفه، وساق به على أن مس المرأة لا ينقض الوضوء. والصحيح في هذه المسألة هو هذا: أن لمس المرأة لا ينتقض به الوضوء، سواء كان لشهوة أو لغير شهوة، لعدم ثبوت دليل صحيح صريح يدل على النقض. بل صحة ما يدل على عدم نقض الوضوء كحديث عائشة في الصحيحين: لما قام تبحث عن النبي عليه الصلاة والسلام فوجدته يصلي، فوضعت يدها على قدميه وهما منصوبتان وهو في الصلاة، ومع ذلك استمر النبي صلى الله عليه وسلم في صلاته. ولو كان المس ينتقض به الوضوء لخرج من الصلاة وعاد الوضوء. أيضا حديثها في الصحيحين كذلك: لما كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي وهي معترضة أمامه، قالت: فإذا سجد غمزني، فقبضت رجليها، وإذا قام بسطتهما، ولم يكن يومئذ مصابيح. الشاهد أنه كان يغمزها -يعني يمسها بيده- يمس رجلها حتى تبعدها ويستمر في صلاته. وأما الآية: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ فالمراد بالملامسة: الجماع، لا مجرد اللمس، كما قال ابن العباس رضي الله تعالى عنهما. وهو قول أكثر أهل العلم. نعم، وبعض العلماء يذهب إلى أن مس المرأة بشهوة ينتقض به الوضوء. ومنهم من يذهب إلى النقض مطلقا، بشهوة أو بغير شهوة. وهذا قول الشافعية، وهو أضعف الأقوال. وأصحه: أنه لا ينتقض مطلقا، إلا إذا خرج شيء. إذا كان بشهوة وخرج منه شيء، أما إذا لم يخرج شيء فلا ينتقض بمجرد المس. قال: الحديث السابع والمئة عن طلق بن علي رضي الله عنه قال: قال رجل: مسست ذكري -أو قال: الرجل يمس ذكره في الصلاة- أعليه الوضوء؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لا، إنما هو بضعة منك. أخرجه الخمسة وصححه ابن حبان. قال: الحديث الثامن المئة عن بسرة بنت صفوان رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من مس ذكره فليتوضأ. أخرجه الخمسة وصححه الترمذي. وقال البخاري: هو أصح شيء في هذا الباب. وأخرجه النسائي، وصححه ابن حبان بلفظ: من مس فرجه فليتوضأ. وله شواهد. حديث طلق بن علي رضي الله عنه قال: مسست ذكري -أو قال: الرجل يمس ذكره في الصلاة- أعليه الوضوء؟ يعني هل ينتقض وضوءه بهذا؟ فعليه أن يعيده؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لا، إنما هو بضعة منك. يعني أن الذكر بضعة منك، كأي موضع من بدنك. فأنت إذا مسست أي موضع من بدنك -لو مسست يدك أو مسست وجهك أو مسست فخذك- هل ينتقض الوضوء؟ الجواب: لا. فكذلك أيضا إذا مسست ذكرك، فالحديث هذا يدل على أن مس الذكر لا ينتقض به الوضوء. وعارضه حديث بسرة الذي بعده، قال النبي صلى الله عليه وسلم: من مس ذكره فليتوضأ. هذا فيه الأمر بالوضوء من مس الذكر. ورواية النسائي: من مس فرجه فليتوضأ، وهذا يعُم الذكر وكذلك الدبر. فهنا الآن حصل في الحديثين تعارض. حديث طلق لا يوجب الوضوء، وحديث بسرة يوجب الوضوء. والصحيح أن حديث بسرة هو المقدَّم على حديث طلق بن علي؛ لأن حديث طلق فيه ضعف، فقد ضعفه كثير من الأئمة والحفاظ. وله طرق كلها لا تخلو من ضعف، لا تخلو من ضعف شديد. فالطرق يعني شهيدة بالضعف. وزد على هذا أن قيس بن طلق -وهو يروي عن أبيه طلق بن علي- كذلك ضعيف، ضعفه أحمد وابن معين. وقال أبو حاتم وأبو زرعة: قيس لا يقوم به حجة. إذن حديث طلق بن علي ضعيف. وإذا كان ضعيفا فلا يعارض حديث بسرة الذي فيه الأمر بالوضوء من مس الذكر. إذن هذا هو الصحيح: وجوب الوضوء من مس الذكر. طبعا المراد بمس الذكر: أي باليد، إذا مسه بيده، سواء كان بظاهر الكف أو بباطن الكف. وأيضا كذلك الدبر؛ لرواية: من مس فرجه. فالقبل يسمى فرجا والدبر كذلك يسمى فرجا. فإذا حصل ذلك فإنه ينتقض الوضوء، وعليه إعادة الوضوء. وإذا مس فرج غيره، فالجمهور كذلك على نقض الوضوء. قال: الحديث التاسع والمئة عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا أفضى أحدكم بيده إلى فرجه وليس بينهما ستر ولا حجاب فليتوضأ. رواه أحمد، وصححه ابن حبان، واللفظ له. والحديث حسن. إذا أفضى أحدكم بيده إلى فرجه -هذا فيه أن النقض يكون باليد- واليد إذا أطلقت يراد بها الكف. والدليل قول الله جل وعلا: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ ودلت السنة أنها تقطع من مفصل الكف. ولهذا إذا أريد الزيادة على الكف قيدت. ولهذا في الوضوء قال: ﴿وَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ إذن النقض يكون بمس الكف للفرج، سواء كان بظاهر الكف أو بباطنه. وقوله: ﴿وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا سِتْرٌ وَلَا حِجَابٌ﴾ معناه: إذا كان المس من وراء حائل، فهذا لا ينتقض به الوضوء. إذا مس فرجه من وراء حائل -يعني فوق الثوب- هذا ما ينتقض به الوضوء. وإنما يكون إذا كان المس مباشرة، إذا كان المس مباشرة من غير حائل، فهنا ينتقض عليه أن يعيد الوضوء. قال: الحديث العاشر ومئة عن جابر المجمع رضي الله عنه أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم: أتوضأ من لحوم الغنم؟ قال: إن شئت. قال: أتوضأ من لحوم الإبل؟ قال: نعم. وأخرجه مسلم. هذا الحديث فيه دلالة على أن أكل لحم الإبل ينقض الوضوء. رجل سأل النبي صلى الله عليه وسلم: أتوضأ من لحوم الغنم؟ قال: إن شئت -يعني شئت توضأت وإن شئت لم تتوضأ- يعني لم يأمره بالوضوء من لحم الغنم. قال: أتوضأ من لحوم الإبل؟ قال: نعم. وجاء أيضا في الصحيح من حديث البراء: توضأوا من لحوم الإبل ولا توضأوا من لحوم الغنم. فهذا الحديثان يدلان على وجوب الوضوء من أكل لحم الإبل. وبهذا قال الإمام أحمد رحمه الله، خلافا للجمهور، وهو الصواب: أن أكل لحم الإبل ينقض الوضوء. واللحم يشمل جميع أجزاء اللحم: اللحم، الكرش، الأمعاء، الكبد، وغير ذلك من أجزاء وأعضاء الإبل؛ لأن لفظ اللحم إذا أطلق يراد به جميع أجزائه. بدليل أن الله عز وجل حرم لحم الخنزير، وهو يشمل جميع أجزاء الخنزير بالإجماع. فكذلك أيضا في أكل لحم الإبل، فهو يشمل جميع أجزاء لحم الإبل. طيب، أما لبن الإبل، هذا لا ينتقض به الوضوء؛ لأن اللبن ليس بلحم. لو شرب لبن ناقة لا يلزمه أن يعيد الوضوء؛ لأنه ليس بلحم. أما المرق -مرق اللحم- يعني إذا شربه، هل ينتقض به الوضوء؟ إن كان صافيا ليس فيه شيء من قطع اللحم، فلا يلزمه أن يعيد الوضوء؛ لأن المرق ليس بلحم. وأما إن كان فيه أجزاء وقطع من اللحم، فيعيد الوضوء. قال: الحديث الحادي عشر المئة عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: من غسل ميتا فليغتسل، ومن حمله فليتوضأ. أخرجه الترمذي وحسنه. وقال أحمد: لا يصح في هذا الباب شيء. وقال أبو داود: هذا منسوخ. نعم، الإمام محمد رحمه الله يقول: لا يصح في هذا الباب شيء. وهكذا أيضا قال الإمام البخاري، وهكذا أيضا الإمام المديني. هؤلاء كلهم يقولون: لا يصح في هذا الباب شيء -يعني حديث ثابت عن النبي عليه الصلاة والسلام-. وهذا الحديث أعل بالوقف، أعله أبو حاتم بالوقف. نعم، وهكذا أيضا أبو داود يقول: لا يصح في هذا الباب، شيء. وهكذا الإمام البيهقي. هؤلاء كلهم: لا يصح هذا الحديث في الأمر بالغسل من غسل الميت. وبعض العلماء حسَّن الحديث بمجموع طرقه. لكن حمل الأمر للاستحباب، حمل هذا الأمر للاستحباب وليس للوجوب؛ لأحاديث أخرى تدل على عدم الوجوب. كحديث ابن عباس: ﴿لَيْسَ عَلَى مَوْتَاكُمْ نَجَاسَةٌ﴾ فحسبكم أن تغسلوا أيديكم. رواه الحاكم والبيهقي. وأيضا ما جاء في ثمن عمر قال: كنا نغسل الميت، فمنا من يغتسل ومنا من لا يغتسل. رواه الدارقطني. فالخلاصة: أنه لا يجب الوضوء من غسل الميت، ولا أيضا من حمله. لا يجب الوضوء. فلا ينتقض الوضوء بغسل الميت ولا بحمله. قال: الحديث الثاني عشر عن عبد الله بن أبي بكر رحمه الله: أن في الكتاب الذي كتبه رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمر بن حزم رضي الله عنه: أن لا يمس القرآن إلا طاهر. رواه مالك مرسلا، ووصله النسائي وابن حبان، وهو معلول -يعني فيه علة- الحديث ضعيف بسنده. لكن هو حسن بمجموع الطرق. لا يمس القرآن إلا طاهر -فيه أن المحدث لا يمس القرآن- يعني المصحف. إذا أراد أن يقرأ فعليه أن يتوضأ، وأن يكون على طهارة. والحديث يدل على هذا الحكم: أنه لا يمس القرآن إلا طاهر. وأما الآية: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ فالجمهور يذهبون إلى هذا القول: قول جمهور أهل العلم على أنه لا يمس القرآن والمصحف إلا طاهر. وبه ثبت عن سعد بن أبي وقاص، وسلمان الفارسي، وعبد الله بن عمر. ولا يعرف لهم مخالف من الصحابة -كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله-: لا يعرف لهم مخالف من الصحابة. وساقوا بالآية: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾. لكن الآية على الصواب: ليس فيها دلالة على هذا الحكم؛ لأن المراد بالمطهرين في الآية: هم الملائكة، هم الموصوفون بذلك. ولو أريد بالآية من كان متطهرا من الحدث لقال: لا يمسه إلا المتطهرون. أما قوله: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ أي: الذين الطهارة ملازمة لهم. وهذا شأن الملائكة. ويدل على ذلك الآية الأخرى في سورة عبس: ﴿فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ * مَرْفُوعَةٍ * مُطَهَّرَةٍ * بِأَيْدِي سَفَرَةٍ * كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾. فالدلالة كما سمعتم بهذا الحديث، مع ما ثبت عن الصحابة رضوان الله تعالى عليهم، ولا يعرف لهم مخالف في ذلك. وكان هناك من خالف -يعني كالظاهرية وبعض أهل العلم- لكن هذا إن شاء الله هو القول الأرجح. والله أعلم. قال: الحديث الثالث عشر ومئة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الطواف بالبيت صلاة، إلا أن الله أحل فيه المنطق. فمن نطق فلا ينطق إلا بخير. رواه الترمذي، وصححه ابن حبان. وروي موقوفا، وهو أشبه. وهو كذلك الصواب بهذا الحديث: الوقف -الوقف من قول ابن عباس- ولا يصح مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم. ومما يدل على عدم رفعه -كما قال بعض أهل العلم-: يعني قوله: الطواف بالبيت صلاة إلا أن الله أحل فيه المنطق -يعني جعل الفارق بين الصلاة وبين الطواف هو إباحة الكلام فقط-. وهذا فيه نقص؛ إذ أن هناك فروقا كثيرة بين الطواف وبين الصلاة. فالطواف يجوز للإنسان أن يتحرك ويمشي، وهذا لا يجوز في الصلاة. كذلك يجوز له أن يأكل ويشرب، وهذا لا يجوز في الصلاة. طيب، يجوز له أن يبتسم أو يضحك، وهذا لا يجوز له في الصلاة. إذا هناك فروق كثيرة. كيف يجعل الطواف كالصلاة؟ هذا ما يمكن أن يكون من كلام النبي عليه الصلاة والسلام. وساق بهذا الحديث على وجوب الطهارة للطواف -وجوب الطهارة للطواف-. إذا أراد المسلم أن يطوف فلابد أن يتوضأ. قالوا: الطواف في البيت صلاة، والصلاة يجب لها الطهارة، فكذلك الطواف يجب له الطهارة. الحديث كما علمنا لا يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم، وإنه موقوف من قول ابن عباس. وهذه المسألة -مسألة الطهارة للطواف- لها العلم فيها ثلاثة أقوال. القول الأول: أن الطهارة شرط للطواف، لا يصح الطواف إلا بالطهارة. وهذا القول ليس عليه دليل. ليس هناك دليل على أن الطهارة للطواف شرط، إلا الحدث الأكبر. نعم، إذا كان محدثا حدثا أكبر، فلا يطوف حتى يزيل هذا الحدث؛ لنهي النبي صلى الله عليه وسلم عائشة أن تطوف حين حاضت حتى تطهر من حيضها. أما الحدث الأصغر، فليس الطهارة له شرطا بصحته. القول الثاني: أن الطهارة للطواف مستحبة. قالوا: أن هذا الذي فعله النبي صلى الله عليه وسلم، وفعل النبي صلى الله عليه وسلم يدل على الاستحباب. القول الثالث: هو القول بالوجوب، وهو وسط بين القولين: أنه يجب وليس بشرط. يجب وليس بشرط؛ وذلك لفعل النبي صلى الله عليه وسلم، مع قوله: خذوا عني مناسككم. ولما أراد أن يطوف عليه الصلاة والسلام توضأ، ثم طاف متوضئا. فيكون الوضوء واجبا وليس بشرط. ولهذا إذا شق على الإنسان إعادة الوضوء -هو أتى بهذا الواجب وطاف، وانتقض وضوءه مثلا في أثناء الطواف- خاصة مع شدة الزحام في مواسم الحج ونحوها، قد يكون عليه مشقة أن يذهب ويعيد الوضوء. إن استطاع ذلك فعل، وإلا استمر في طوافه. وإن شاء الله طوافه صحيح. قال: الحديث الرابع عشر ومئة عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر الله على كل أحيانه. رواه مسلم، وعلق البخاري. هذا الحديث فيه جواز ذكر الله على غير طهارة، وأن ذكر الله لا يشترط له الطهارة، ولا يجب. تذكر الله: تسبح، تكبر، تهلل، تقرأ القرآن من غير مس المصحف، ليس عليك في ذلك حرج؛ فالنبي صلى الله عليه وسلم كان يذكر الله على كل أحيانه -يعني وهو متكئ، وهو جالس، وهو متوضئ، وهو غير متوضئ-. والله عز وجل يقول: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ أثنى الله سبحانه وتعالى على عباده المؤمنين الذين يذكرونه في سائر أوقاتهم، في سائر أحوالهم. فلا حرج على المسلم أن يذكر الله ولو كان على غير طهارة. قال: حديث الخامس عشر ومئة عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا وجد أحدكم في بطنه شيئا فأشكل عليه أخرج منه شيء أم لا، فلا يخرجن من المسجد حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا. أخرجه مسلم. هذا الحديث فيه أنه لا ينبغي للمسلم أن يخرج من صلاته إذا دخل وهو متوضئ إلا إذا تيقن الحدث. إلا إذا تيقن الحدث. فكما أنه تيقن الطهارة، فكذلك لا بد أن يتيقن الحدث. فاليقين لا يزول إلا بيقين. لا يزول يقين بالشك. فإذا أشكل عليه شيء -يعني شك هل خرج منه شيء أم لا- ريح أو ضراط أو كذا، فلا يخرج -لا يخرجن من المسجد- يعني يستمر في صلاته. فالأصل بقاء الطهارة. فكوننا علمنا أن خروج شيء ينتقض به الوضوء، هذا إذا تيقن. هذا إذا تيقن. أما إذا شك، فالأصل بقاء الطهارة وعدم نقضها. قال: حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا -يعني حتى يكون متيقنا من حصول الحدث- حتى يتيقن حصول الحدث. قال: حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا. أخرجه مسلم. وقوله هنا: حتى يسمع أو يجد -على المراد حصول التأكد والتيقن-. ولهذا لو كان لا يسمع -أصم- أو لا يشم، لكنه تأكد، متيقن أنه أحدث، هل يخرج؟ الجواب: نعم. أن المقصود هو حصول اليقين. وبالنسبة لمن يسمع أو يشم، فاليقين هو السماع: أن يسمع صوتا أو أن يشم رائحة، فيحصل له بذلك اليقين. وإذا حصل بغير هذين الأمرين فكذلك، فإنه يخرج إذا تيقن أنه أحدث، فإنه يخرج ويتوضأ ويعيد الصلاة. قال: حديث السادس عشر ومئة عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: يأتي أحدكم الشيطان في صلاته فينفخ في مقعدته فيخيل إليه أنه أحدث ولم يحدث. فإذا وجد ذلك فلا ينصرف حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا. أخرجه البزار. وأصله في الصحيحين من حديث عبد الله بن زيد رضي الله عنهما. نعم، أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الرجل يخيل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة، فقال: لا ينصرف حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا. هو يعني معنى حديث أبي هريرة: من حصول التيقن من الحدث. وأما إذا شك ولم يتيقن، فيستمر في صلاته، وصلاته صحيحة. وصلاته صحيحة. وهذا الحديث يقطع باب الوساوس على الإنسان -قاذفات الشيطان-. يوسوس لك أنك أحدثت، وأنك انتقض وضوءك، فتخرج المرة الأولى، ثم المرة الثانية، ثم المرة الثالثة. ما تدري إلا والشيطان يتلاعب بك بهذا الباب. لا، أنت شككت، لا تخرج. متيقن إذا توضأت، غير متيقن استمر في صلاتك، وصلاتك صحيحة، وليس عليك شيء. قال: الحديث السابع عشر ومئة، وللحاكم عن أبي سعيد رضي الله عنه مرفوعا: إذا جاء أحدكم الشيطان فقال: إنك أحدثت، فليقل: كذبت. وأخرجه ابن حبان بلفظ: فليقل في نفسه. والحديث هذا ضعيف، عياض من هلال مجهول. طيب، إلى هنا صلى الله عليه وسلم نبينا محمد، آله وصحبه أجمعين. شكرا.