كتاب البيع 15

الدرس في كتاب البيع 15، ألقاها

تعريف الوكالة وأحكامها العامة

الوكالة هي تفويض شخص لآخر في أمر ما، وتكون جائزة بالكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة. الوكالة عقد جائز يبطل بموت أحد الطرفين أو فسقه أو جنونه أو الحجر عليه لسفه.

شروط الوكالة وحدود تصرفات الوكيل

الوكالة تنفسخ إذا كان الوكيل أو الموكل مجنونًا أو سفيهًا، وليس للوكيل أن يفعل إلا ما تناوله الإذن لفظًا أو عرفًا. كما أنه ليس له توكيل غيره إلا في حالات معينة يدل عليها العرف أو طبيعة العقد.

أحكام الوكالة في التصرفات المالية

لا يجوز للوكيل الشراء من نفسه أو البيع لنفسه إلا بإذن من الموكل، ويعتبر الوكيل أمينًا ولا ضمان عليه فيما يتلف إذا لم يتعد. كما يُشرح أحكام الوكالة في قضاء الديون ومراعاة مصلحة الموكل.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادئ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، قال الإمام أبو محمد تقي الدين ابن قدامة المقدسي رحمه الله تعالى وغفر له في كتابه "عمدة الفقه" في كتاب البيع منه: قال رحمه الله تعالى: باب الوكالة. قال رحمه الله تعالى: وهي جائزة في كل ما تجوز النيابة فيه إذا كان الموكل والوكيل ممن يصح ذلك منه. قوله رحمه الله تعالى وغفر له: باب الوكالة، أي مدخل في الكلام على أحكام ومسائل الوكالة. والوكالة مأخوذة من وكلا ووكلا توكيلا، وفيها معنى التفويض والإنابة، وهي كذلك معناها في الاصطلاح، أي أنها تفويض وإنابة من شخص لآخر في شيء تدخله النيابة. وقوله رحمه الله تعالى: وهي جائزة في كل ما تجوز النيابة فيه، قوله أولا: وهي جائزة، هي جائزة بالكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة على ذلك، أي على جوازها. فأما الكتاب، فقول الله جل وعلا: ﴿فابعثوا أحدكم بورقكم هذه إلى المدينة فلينظر أيها أزكى طعاما فليأتكم برزق منه وليتلطف ولا يشعرن بكم أحدا﴾. الشاهد: ﴿فابعثوا أحد﴾. المبعوث يسمى ماذا؟ يسمى وكيلا. وقال ربنا تبارك وتعالى كذلك في أمر الصدقات: ﴿إنما إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها...﴾. العامل عليها هو موكل من الإمام بجمع الصدقات. في أدلة أخرى من كتاب الله جل وعلا. وأما السنة، فكذلك أدلة كثيرة، منها ما جاء أو ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم أنه أعطى عروة بن الجعد دينارًا وأمره أن يشتري له به شاةً. والحديث في صحيح البخاري. والعلماء رحمهم الله تعالى مجمعون على هذه المسألة من حيث الجملة. وقوله رحمه الله تعالى: وهي جائزة في كل ما تجوز فيه النيابة، سواء كان في البيوع، أي في باب البيع والشراء، أو في باب الحوالات، في باب الضمانات، في باب كذلك الأنكحة، في باب الطلاق، في باب العتق، في كل باب تدخله النيابة. وما كان من أمور لا تدخلها النيابة، فإنه لا يجوز. فإن الوكالة فيه لا تجوز، مثل اللعان بين الرجل ومرأته، لا يجوز للوكيل أن يلعن أو أن يلاعن المرأة نيابة عن زوجها. كذلك في أخذ ما ليس له أن يأخذه، أي على سبيل الغصب. كذلك لا يجوز، أو لا تدخل الوكالة، لماذا؟ لأنه أخذ ما لا يحل له، فهو محرم، فلا يؤذن في مثل هذا في الوكالة. وما شابه ذلك من التصرفات الممنوع شرعًا، فإنها لا تدخلها الوكالة. قال رحمه الله: وهي جائزة في كل ما تجوز النيابة فيه إذا كان الموكل والوكيل ممن يصح ذلك منه. وقوله: إذا كان هذا شرط في الوكالة، أن يكون الوكيل ممن تصح منه الوكالة، أي أن يكون تام الأهلية في التصرف، كامل الأهلية في التصرف، فهو العاقل البالغ الرشيد. فإذا لم يكن عاقلا، فإن الوكالة لا تصح من المجنون. وإذا كان طفلاً، فإن الوكالة لا تصح من الطفل، لماذا؟ لأنه قاصر في التصرف، والمجنون ليس عنده أصل التصرف أصلاً. وكذلك الرشيد، لابد أن يكون رشيدًا، لأن السفيه ليس له ولاية على ماله، وأولى فليس له أن يوكل غيره على ماله، لأنه لا يحسن التصرف في ماله. وكذلك الوكيل، لابد أن تتوفر فيه الشروط السابقة في الموكل، أن يكون أهلاً للتصرف، أن يكون عاقلاً، أن يكون بالغًا، أن يكون رشيدًا. قال رحمه الله تعالى: وهي عقدٌ جائز يبطل بموت كل واحد منهما، وفسقه لها، وجنونه، والحجر عليه لسفه. وقوله رحمه الله تعالى: وهي، أي والوكالة، عقدٌ جائز. ومعنى العقد الجائز كما مر معنا في أوائل كتاب البيوع: أنه ما يجوز فسخه لأحد الطرفين ولو لم يرضى الآخر. هذا هو معنى العقد الجائز: أنه يصح أن يفسخه أحد الطرفين ولو لم يرضى الآخر. فالوكالة بهذا الاعتبار من العقود الجائزة، أي لأحد الطرفين أن يفسخه متى شاء. لكن نبه العلماء رحمهم الله تعالى على أمور يستثنى منها ذلك، وتكون الوكالة لازمة فيه. من هذه الأمور: أن يترتب أو أن تترتب على فسخ الوكالة من أحد الطرفين إضرارٌ، أن يترتب على فسخ الوكالة من أحد الطرفين ضررٌ على آخر، إما الموكل وإما الوكيل. الموكل مثلاً تكون هناك صفقة عمل، فيرسل لها وكيله، فلما ينظر إليها الوكيل يفسخ، يقول: فسخته. فيحصل فيه ماذا؟ إضرار على صاحب الحق. والعكس بالعكس يكون بالنسبة للوكيل، كأن يذهب لأجل شراء بضاعة أو استلام بضاعة أو ما شابه ذلك، فلما يكون في مكان يقول له: قد فسخت الوكالة. فهذا يحصل فيه ضرر. يعني يقول: تبايع مثلاً وتكلما، وقبل أن يتم العقد يقول: فسخت الوكالة. فيحصل له ضرر. أو يكون في بلد أخرى يحتاج إلى أن يرجع إلى نفقات الرجوع، ما شابه ذلك. يقول: فسخت الوكالة. فهذا كما يقول علماء رحمهم الله تعالى: أن ما كان فيه ضرر على أحد الطرفين، فإن العقد يكون لازمًا حتى يندفع ذلك الضرر. الأمر الثاني يكون ملزما كذلك، أي الوكالة تكون ملزمة للوكيل إذا كانت مقابل إجارة، بمعنى لو أنه أعطاه أجرة، وقال له: اعمل لي كذا وكذا، اعمل لي كذا وكذا، اصنع لي كذا وكذا، اذهب إلى المكان الفلاني فاشتري لي كذا وكذا، وهذه أجرتك. قالوا: في مثل هذه الحالة ليس له الفسخ، لماذا؟ قالوا: أن في هذه الحالة يصير وكيلا ومستأجرًا. في مثل هذه الحالة يصير وكيلا ومستأجرًا، فتكون بينهما عقدان: يكون بينهما عقدان، عقد إجارة وعقد وكالة. فلابد أن يفي بما استأجره عليه من أعمال ومن مهمات. فقوله رحمه الله تعالى: وهي عقد جائز، هذا هو الأصل، ويستثنى منه ما ذكر، وما كان كذلك في معناه. قال رحمه الله تعالى: وهي عقد جائز يبطل بموت كل واحد منهما، أي إذا مات أحد الطرفين انقطع ذلك العقد وانفسخ، أي فليس لآخر أن يقوم مقامه. يعني مثال ذلك: لو أن رجلا وكل رجلا في عمل، فمات الموكل، يصير المال إلى من؟ إلى الورثة. هل للوكيل أن يقول: أنا وكيل عن أبيكم، فأنا وكيل كذلك عنكم؟ الجواب: ليس له ذلك إلا بعقد جديد، ليس له ذلك إلا بعقد جديد، لأن الوكالة انقطعت وانفسخت بموت أحد الطرفين. والعكس: لو أن الوكيل توفي والموكل موجود، هل لابن الوكيل أن يقول: أنا سأقوم بأعمال والدي بالنيابة عنه؟ الجواب: كذلك ليس له ذلك إلا بعقد، إلا بعقد جديد. قالوا: فسخه جائز يبطل بموت كل واحد منهما، وفسقه لها، أي أحد الطرفين إذا فسخها انفسخت. قال: وجنونه، لأنه إذا كان مجنونًا، سواء كان الوكيل أو الموكل، لم يكن أهلاً للوكالة. وإذا كان كذلك انفسخت، لأن من شرط الوكالة أهلية الطرفين للوكالة، الموكل والوكيل. والحجر عليه لسفه، الحجر عليه لسفه، أي إذا حجر على الوكيل أو على الموكل لسفه، أنه سفيه. ومعنى السفيه: هو الذي لا يحسن وضع المال في موضعه اللائق المناسب، يفسد ماله. ما نسميه اليوم لعاب، يقال له: لعاب بالمال، سفيه. هذا سواء كان الوكيل أو الموكل، فإنه لا يعطى، لماذا؟ لما تقدم من أن من شرط الوكالة الرشد، وهذا ليس برشيد، بل هو سفيه. والله جل وعلا يقول: ﴿ولا تؤتوا السفهاء أموالكم﴾. قال رحمه الله تعالى: وكذلك الشركة والمساقات والمزارعة والجعالة والمسابقة. قوله رحمه الله تعالى: وكذلك الشركة، الشركة معروفة، وستأتي معنا بإذن الله جل وعلا في الباب القادم بإذن الله تبارك وتعالى. والمساقات والمزارعة تقدم الكلام عليها في أثناء الدروس فيما مر معنا من مسائل. وكذلك الجعالة. والجعالة هو أن يقول صاحب المال: من يعمل لي كذا وله كذا وكذا. من يعمل لي كذا وله كذا وكذا. هل سمى جعالة؟ يعني أن يقول مثلاً: من يبني لي هذا الجدار بألف درهم. من يأتيني بعبد الآبق أو بفرسي أو جملي الشارد وله مئة درهم. هل سمى ماذا؟ جعالة. فالجعالة هذا معناها. والمسابقة، المسابقة تكون في ماذا؟ بمعنى السبق، وتكون في الخيل وكل ما يحتاجه المسلمون في الجهاد. فهذه الأمور كلها عقدها جائز، كلها من عقود الجائزة. فهو رحمه الله تعالى بعد أن قال: وهي عقد جائز، استطرد فقال: وكذلك الشركة والمساقات والمزارعة والجعالة والمسابقة، أي هي من ماذا؟ من عقود الجائزة، أي التي ليست بملزمة، ليست بواجبة. وكذلك تدخلها الوكالة، تدخلها الوكالة، لأن فيه معنى من معنى التفويض. لأن الشركة، صاحب المال مثلاً يعطي العامل الذي يسمى ماذا؟ مضاربا، يعطيه المبلغ من المال، يقول له: اتجر بماله. ففيه معنى من معنى التفويض في العمل، يقول له: اتجر بماله بكذا وكذا، ولك الثلث، ولك الربع، ولك النص. ففيه معنى من معنى التفويض والتوكيل في أعمال ذلك المال. كذلك المساقاة، المساقاة هو أن يقول إنسان لإنسان: اسقي أرضه، ولك الثلث أو ولك الربع. فهذا فيه كذلك توكيل، فيه معنى من معنى التوكيل والعمل الذي هو عمل ماذا؟ المساقاة، أن يسقي الأرض بمقابل. وكذلك المزارعة، أن يقول له: زارع الأرض بأن يعمل في الأرض ما تحتاج إليه الأرض من حرث وبذر وقطف للثمار إلى غير ذلك. هذا كذلك مثل فيه معنى من معنى التفويض التوكيل. وكذلك الجعالة كما تقدم. وكذلك المسابقة. الجعالة كما سمعتم: أن يقول مثلاً: من يأتيني بجمل الشارد وله مئة درهم. ففيه توكيل بالإتيان بذلك الجمل. أو يقول: من يبني لي جدارًا وله كذا وكذا. فهذا كذلك. والمسابقة كأن يكون عنده مثلاً فرس، فيجعل إنسانًا يسابقه على ذلك الفرس، فيحصل فيه كذلك شيء من هذه المعاني من معاني التفويض. وهي كما سمعتم كلها من العقود الجائزة، من العقود الجائزة على تفصيل لجماعة من أهل العلم في بعض المسائل، مثل المساقاة والمزارعة. المساقاة والمزارعة يقول: أن يدخل فيها، وابتدأها، وحصى العمل فيها، فإنها تكون ملزمة. قال: أن فسخ العمل في أثناء العمل يعود بالإضرار على أحد الطرفين. وتقدم معنا أن الأصل بأنها جائزة إلا أن يترتب عليها ضرر، كما تقدم ذكره. فيقال: هذا هو الأصل، ويستثنى من ذلك ما ترتب عليه أضرار أو مفاسد لأحد الطرفين، فإنها في هذه الحالة يلزم كلا الطرفين بالعقد حتى يتم ذلك العقد، وحتى تندفع المفسدة والمضرة. قال رحمه الله تعالى: وليس للوكيل أن يفعل إلا ما تناوله الإذن لفظًا أو عرفًا. وليس له توكيل غيره. طيب، المسألة الأولى: قوله: وليس للوكيل أن يفعل إلا ما تناوله الإذن لفظًا أو عرفًا. اللفظ: كان يقول له: افعل كذا وكذا، يعطيه مثلاً مئة درهم، فيقول له: اشتري لي شاةً. هذا يسمى ما؟ إذن لفظي. فليس له أن يشتري مثلاً بالمئة درهم ثيابًا أو يشتري خضروات أو ما شابه ذلك. لو فعل هذا يسمى ماذا؟ يسمى بهذا الفعل غير أمين على ذلك المال، فإنه يضمن أن يرجع إلى صاحبه إن أذن بتلك البيعة بها ونعمة. وإذا ما أذن، فإن الوكيل هو الذي يضمن المال، وتكون تلك البيعة للوكيل لا للموكل. وقوله: أو عرفًا، ما معنى عرفًا؟ عرفًا: أن يكون قد تعارف على شيء معين. مثلاً الرجل يقول مثلاً على سبيل المثال: في كل يوم يرسل وكيله بمبلغ من المال يشتري له خضار معينة كل يوم، يقول له: اشتري لي كذا وكذا من ألف ريال. اليوم الثاني، العاشر، كل يوم على هذه الحال. جاء من يوم الأيام أعطاه الألف، وذاك مضى. يكون هنا بينهما ماذا؟ عرف. أم لا؟ يكون بينهما عرف. فحينها يكون هذا العرف معتبرًا، فهو كالإذن اللفظي. والقاعدة عند الفقهاء رحمهم الله تعالى: أن الإذن العرفي كالإذن اللفظي. يعني مثاله في الإذن العرفي: لو أن إنسانًا مثلاً اشترى سيارة بكذا، السيارة قال: بمليون يمني. اتصل على وكيله، على الوكيل، قال: وجدت سيارة قيمتها مليون ريال يمني، قال: اشتريها. فاشترى. فهذا لقي حق السمسرة، حق الدلالة: خمسة بالمئة على الطرفين، اثنين ونصف واثنين ونصف. الوكيل يعطيها، نعم، لأن هذا عرف. والإذن ماذا؟ العرفي كالإذن اللفظي. قال رحمه الله تعالى: وليس له توكيل غيره، أي ليس للوكيل أن يوكل غيره. وهذه المسألة ليست على إطلاقها. هذه المسألة ليست على إطلاقها. أولا: من قال بأن الوكيل ليس له أن يوكل غيره، قال: لأن الأصل أنه لا يجوز للإنسان أن يتصرف في مال غيره إلا بإذنه. والوكيل إنما جاز له التصرف في مال غيره بماذا؟ بإذنه. فليس له أن يعطي ذلك المال لغيره بأن يتصرف به. فمن منع نظر إلى هذا المعنى. من منع نظر إلى هذا المعنى: أنه ليس لأحد أن يتصرف بمال أحد إلا بإذنه. وإنما وقع الإذن للوكيل خاصة، فليس للوكيل أن يوكل غيره في ذلك المال. ثم إن العلماء رحمهم الله تعالى قالوا: إن هذه المسألة تحتها صور وحالات. الحالة الأولى: أن يعرف من حال ذلك العقد الذي بينهما أن ذلك العمل لا يباشره الوكيل بنفسه. ذلك العمل لا يباشره الوكيل بنفسه، يعني كأن إنسان رجل يعطي رجلا أرضًا، فيقول له: أريد منك أن تصفي ما في الأرض من شوك وحطب وكل ما يشين هذه المزرعة أو هذه الأرض. فيقول له: نعم. هل هذا العقد يفهم منه أن الوكيل هو بنفسه سيصفي أو سيأتي بمن ينظفها، جماعة سيأتي بمن يفعل هذا العمل؟ فيكون وكل الوكيل بالعمل، والوكيل سيوكل من يقوم بذلك العمل. هذا معروف كما يقال عرفًا. فمثل هذا تجوز فيه الوكالة بالوكالة اتفاقًا، لأن العرف يدل عليه. ومر معنا أن الإذن العرفي كالإذن اللفظي. الحالة الثانية: أن يكون العمل لا يتأتى إلا بذلك الوكيل وبغيره لا يتأتى إلا بذلك الوكيل وبغيره. فاحتاج الوكيل إلى ذلك الغير لأن يعمل به، يعني مثاله كأن يقول رجل لرجل: ابني لي جدارًا. واتفق على هذه الإجارة، وأعطاه المال. ومشى، يعني حصل وكالة وإجارة معلوم. أن البناء سيحتاج إلى ماذا؟ سيحتاج إلى عامل، سيحتاج إلى آخر. هذه الأشياء يعني من يأتي بكذا، من يأتي بكذا إلى آخرها. وسيعطي المال من فعل كذا أعطاه أجره. فهذا سمى ماذا؟ وكالة عليه، على وكالة. وهذا أيضا جائز، هذا جائز. الحالة الثالثة: أن يكون العمل لا يقوم به أو يستطيع يستطيع أن يقوم به ذلك الوكيل. ومثل هذه الحالة كذلك لا يخل من صور. الصورة الأولى: أن يكون الوكيل قادرًا على العمل، ولكن فوضه لغيره مع قدرته على العمل. فمثل هذا ينظر في ذلك المفوض، أي الموكل. إذا كان بنفس أهلية الوكيل أو أفضل، إذا كان بنفس أهلية الوكيل أو أفضل، ليس مجرد عند الوكيل. عند الوكيل وعند الموكل. عند الوكيل وعند الموكل، فإنه كذلك يعتبر فيهما ذلك الإذن. ومع هذا يقال: الأولى أن يستأذن، الأولى أن يستأذن. الحالة الثانية أو الصورة الثانية: أن يكون الوكيل الآخر ليس مثل الوكيل الأول، إما بالخبرة وإما بالأمانة وإما أن الوكيل يعلم من حال الموكل أنه لا يرضى أحدًا إلا هو. فمثل هذا الحال لا تصح الوكالة على الوكالة، لماذا؟ لأن فيها إضرارًا، لأن فيها إضرارًا على صاحب الحق، على الموكل. فلا تصح لأجل هذا الاعتبار، لا تصح لأجل هذا الاعتبار. والله أعلى وأعلم. قوله رحمه الله تعالى: ولا الشراء من نفسه ولا البيع لها إلا بإذن. كذلك من مسائل الوكالة: ليس للوكيل أن يشتري من نفسه، أي مثلا يقول له صاحبه: اشتري لي شاةً. يقول: أنا عندي شياه، سأشتري له شاةً من عندي. واضح. جماعة. ولا كذلك يبيع عليها نفسه، يقول له مثلاً: بيع لهذه الشياه. فيقول: أنا سأشتري هذه الشياه. لما؟ لأنه في مثل هذه الأحوال يكون محل تهمة. في مثل هذه الأحوال يكون محل تهمة. والأصل دفع ما يكون سببًا لتهمة الإنسان. لكن في مثل هذه الحال لو أنه مثلاً عرض مثل هذه الشاة السوق، يعني عنده عرض شياه بسوق، فوجد أن أسعار شاته مثلاً أنسب من أسعار غيره. ففي مثل هذه الحال لا بأس أن يفعل، لأن الوكيل الأصلح أن يفعل الأصلح لسيده. لكن بشرط أن لا يترتب على ذلك تهمة ومفسدة، يعني كان يعرف أنه أمين وأنه صادق. ومع هذا يقال: الأولى إغلاق هذا الباب، لماذا؟ لأن الوكالات ولاسيما الأموال، كما هو معلوم تضعف النفوس عندها الأموال تضعف النفوس عندها، ويحصل التأويلات. فينبغي للإنسان أن يصون نفسه ودينه وعرضه بأن يبتعد. وإن أراد أن يشتري من نفسه أو يبيع لنفسه يستأذن، كما قال: ولا الشراء من نفسه ولا البيع لها إلا بإذن. يستأذن الموكل، يقول: أنت أردت شيء عندي أو أنت أردت تبيع شيء بكم؟ يقول له: بكذا. يقول: أنا أشتريها، لا بأس. يستأذن، يستأذن حتى يدفع التهمة عن نفسه. قال: وإن اشتر لإنسان ما لم يأذن له فيه، أي اشتر الوكيل لوكيله أو لآخر بغير إذنه. يقول: فإن أجاز فأجازه جاز، وإلا لزم من اشترى، أي لزم من الوكيل. وهذا كذلك قد يعود إلى العرف، يعني بعض الناس يكون بينه وبين مثلاً إنسان صحبة وزمالة أو صداقة أو ثقة أو أخوة. فيشتري مثلاً وجد ثوبًا جميلا اشتراه لنفسه واشتراه لصاحبه أو لأخيه. فهو يعلم أن أخاه أو صاحبه إذا اشترى له يقول: اشتريت لنفسي كذا واشتريت لك كذا وكذا بنفس الثمن. يعلم أنه ماذا؟ سيجيزه. فمثل هذا لا بأس به. لكن إن أجازه، وإن قال: أنا ما أرغب، أنا قد أخذت، أنا عندي كثير. فمثل هذا يرجع على من؟ يرجع على من اشتراه، لأن الأصل عدم الإذن في ذلك الشراء. قال: والوكيل أمين لا ضمان عليه فيما يتلف، لا ضمان عليه فيما يتلف إذا لم يتعد. والقول قول في الرد والتلف ونفي التعدي. وقد مر معنا ما معنى الأمين؟ وماذا يترتب على كون اليد التي وضعت على المال أنها أمينة؟ أولا: كونه أمين يدل على كونه أمينًا، أن صاحب المال ائتمنه في ذلك العمل. صاحب الوكالة ائتمنه في ذلك العمل. فكونه ائتمنه وعطاه المال يدل على أنه أمين عنده. وإذا كان أمينًا عنده، فالأصل ماذا؟ فالأصل تصديق تصديق خبره. فلو أنه حصل له تلف، أتلف المال أو يقال: تلف المال عنده. يقال: تلف المال عنده. فجاء ذلك الوكيل فقال: تلف المال بسبب كذا وكذا، أي من غير تفريط منه ولا تعد. فالقول قوله. فالقول قوله، أي لا يطالب بأكثر من ذلك. لا يقال له: البينة. لا يقال له ماذا؟ البينة. بل يقال: القول قوله. إلا في حالة واحدة: إذا مثلاً حصلت منهم ما تستدعي التهمة. إذا حصل منهم ما يستدعي التهمة. ففي مثل هذه الحال قد يطلب منهم صاحب الحق اليمين، يطلب منهم صاحب الحق اليمين إذا كان هناك ماذا؟ تهمة. أما إذا لم تكن تهمة، فالأصل أنه أمين. والله جل وعلا يقول: ﴿ما جعل الله على المحسنين من سبيل﴾. نعم. ﴿ما على المحسنين من سبيل﴾. فهو محسن وأمين. والأصل الأمانة. فالحاصل في مثل هذا الأمر: أنه لا ضمان عليه فيما يتلف. لكن كما سمعت: لو كانت هناك قرينة، وصاحب الحق يقول: لا، أنت أتلفتها، لا، أنت أدخلتها في كذا وكذا. ويدل على كذا، يدل عليه كذا. فيطالب حينها بماذا؟ باليمين، بأنه ما حصل منه شيء من ذلك، ما حصل منه شيء من ذلك. وتبرأ ذمته، وتبرأ ذمته. ومن أنواع التعدي كما يقول علماء رحمهم الله تعالى: يدخل في التعدي أن يعطيه مثلاً المال لأن يشتري شيئًا معينًا، فيشتري شيئًا آخر. هل يسمى ماذا؟ متعديًا؟ فإن تلف المال، ضامنه. يعني لو قال له مثلاً: اشتري بهذا المال شاةً. فاشترى مثلاً غير الشاة. فتلف ذلك الشيء بيده. أو أنه قال له: ابني لي جدارًا من الطوب من النوع الفلاني. فعمل له من النوع الآخر. فسقط ذلك الجدار. فإنه يكون ماذا؟ يكون ضامنًا، لأنه ما عمل ما أذن له أن يعمله. ويدخل فيه كذلك: إن تصرف في المال لحاجة الخاصة، يعني مثاله: أعطاه مثلاً ألف درهم، وقال له: اشتري لي كذا وكذا. فاحتاج إلى مئة درهم منها احتاج إلى مئة درهم منها لنفسه لغرض خاص. يقول: سأشتري، سأقضي حياتي. ثم أرد بعد ذلك، ولو بعد ساعة. يقول: سأشتري الآن، وسأستلم مال بعد ساعة، سأردها. إذا أخذ المال واستخدمه في حقه بغير إذن، ثم جاءه مال جديد ووضعه مكانه. يكون في مثل هذه الحالة رفعت يدعى الأمانة، لا يصر أمينًا. لا يصر في مثل هذه الحالة أمينًا. وإذا أتلف المال، إذا تلف المال، يجب عليه أن يقيم بينة على أنه تلف من غير تعد منه ولا تفريط، لماذا؟ لأن وصف الأمانة نزع عنه، نزع عنه بماذا؟ بتصرفه من مال غيره بغير إذن. واضح جماعة أم لا؟ قال رحمه الله تعالى: والقول قول في الرد والتلف ونفي التعدي. والقول قوله، لما تقدم. في الرد، أي لو رد المال، سواء كان ماذا؟ المال فيه ربح أو فيه خسارة أو كان مساويًا. قال: في الرد والتلف ونفي التعدي، القول قوله. يعني مثل: إذا قال: إذا رد المال، فقال صاحب المال: أنا أعطيتك ألف درهم. فيقول: لا، إنما أعطيتني تسعمائة درهم. القول قول من؟ واضح جماعة. الموكل يقول: أعطيتك ألف درهم. والوكيل يقول: إنما أعطيتني تسعمائة درهم. القول قول من؟ قول الوكيل، لأنه أمين. فالموكل إذا أراد ما ادعاه، فإنه لا بد أن يثبت ذلك بالبينة، أن يثبت بالبينة ما ادعاه. وإلا فالقول قول الوكيل، لأنه الأمين. قال رحمه الله تعالى: وإذا قضى الدينة بغير بينة ضمن، إلا أن يقضيه بحضرة الموكل. يعني لو أنه قال له: اذهب بهذا المال فاقضه فلانا دينا عندي، أعطيه فلانا دينا عندي. أخذ الوكيل المال أعطاه لفلان، وما أثبت بالبينة أنه أعطاه. وأنكر صاحب الدين أو من كان له الدين. قال: ما أعطاني شيئًا. من يتحمل؟ واضح جماعة. واضح جماعة. الموكل يعطي الوكيل مالا، يقول له: اذهب إلى فلان أعطه هذا المال لدين له عندي. ذهب أعطاه ذلك المال، وما أثبت بشهود وبينات أنه قضاه ذلك الدين. جاء ذلك صاحب الدين فقال: ما أعطاني شيئًا، منكر. فالآن على الوكيل أن يثبت أن يثبت دعواه بالبينة. فإن لم يثبت، هل يعود الحق؟ يعني الحق يعود على من؟ على الموكل. والموكل يطلبه من من؟ من الوكيل. فالوكيل في مثل هذه الحالة يلزم، يلزم بالإعطاء، لماذا؟ يلزم لأنه مثبت للحق. الوكيل يقول: نعم، أعطاني فلان مالا قدره كذا وكذا، أنا أعطيه فلانا. وأعطيته. فالآن عندنا مدعي، من هو المدعي؟ الموكل، أنه أعطى المال لمن؟ للوكيل. الوكيل مقر أم لا؟ مقر. فلا يحتاج إلى بينة. الوكيل أعطاه لمن عليه الدين، من عليه الدين أنكر. على الوكيل ماذا؟ إثبات الحق بالبينة. فإذا ما أثبت، رجع الحق إليه أو عليه، أي أن صاحب الوكيل يقول له: أنا أعرفه، أنت. الموكل يقول له: أنا أعرفه، أنت. لماذا؟ لأنه في مثل هذه الحالة يكون فرط، لأن الأصل في الوكالة وفي كل أمر تدخله الوكالة: أن ينظر الوكيل في الأصلح والأقوى لموكله. هذا أصل يذكر العلماء رحمهم الله تعالى في هذه الأبواب: الوكيل، الوصي، الناظر على الوقف، إلى غير ذلك. لابد أن يكون في عمله ينظر الأصلح. إذا كان أمران أحدهما يدور بين الغنم والغرم، فإنه لابد أن يختار ماذا؟ الغنم. إذا كان فاضل وأفضل، فإنه يختار ماذا؟ الأفضل. وهكذا يختار الأصلح والأفضل. والوكيل كذلك ينبغي له أن يختار الأصلح والأفضل، بأن يثبت ذلك بالبينة، إما بكتابة وإما بشهود وإما بنحو ذلك. قال رحمه الله تعالى: وإذا قضى الدين بغير بينة ضمن، إلا أن يقضيه بحضرة الموكل. إذا قضى الدين بحضرة الموكل، فماذا؟ فليس عليه شيء، لماذا؟ لأن التهمة ارتفعت عنه. والموكل مثبت معه على أنه أدى ما عليه. فإذا حصل التفريط، يكون التفريط ممن؟ في هذه الحالة من الموكل. واضح جماعي. يعني إذا أنكر من عليه الدين أو من له الدين، يكون مفرط في إثبات البينة والحجة والشهود من الموكل. فيرجع الحق عليه، لا على الوكيل. قال رحمه الله تعالى: ويجوز التوكيل بجعل وبغيره، أي يجوز أن يوكل إنسان إنسانًا بجعل، كان يقول له مثلاً: اشتري لي شاةً من السوق بمئة درهم، ولك درهم. هذا بجعل. أو بغير جعل، كان يقول له: اشتري لي شاةً من السوق بمئة درهم. فالوكالة تجوز بجعل وبغير جعل. قال رحمه الله تعالى: ولو قال: هذا بعشرة، فما زاد فلك، صح. وهذا كذلك من هذا الجعل، إلا أن الجعل في هذه الحالة ماذا؟ مجهول. فيجوز بالجعل المعلوم وبالجعل المجهول، كما مثلنا الجعل المعلوم: اشتري لي شاةً بمئة درهم، ولك درهم. وبالمجهول: يقول له: اشتري لي شاةً، أو يقول له: هذه الشاة بيعها بمئة درهم، فما زاد فهو لك. قد يزاد درهم، درهم. وكل ذلك يصح. والله تعالى أعلم. طيب، قبل أن ننتهي، ننبه على أمر بعض أهل العلم نبه عليه: أن صاحب الحق إذا كان لا يعلم الأسعار، يعني مثلاً قال: بيع لي هذه الشاة بمئة درهم، وما زاد فهي لك. الشاة في السوق متى مئتي درهم. واضح الجماعة. إذا باعها وعلم صاحب الحق، خلس يرضى. واضح الجماعة. قال: بيعها مئة درهم، وما زاد فهو لك. ما يعلم أن أسعارها مئتي درهم. تأتي بمئتي درهم، هل سيرضى؟ لا يرضى. لذا قال علماء رحمهم الله تعالى: يكون الإذن في الشيء المتعارف عنه أو متعارف عليه. في الشيء المتعارف عليه مثلاً: عرف الناس أن إنسان إذا باع شاة يستفيد مثلاً درهم إلى عشرة، مثلاً. عرفهم أن ما زاد على ذلك هذا خارج عن العرف. فيقول: ما زاد عن العرف يرجع فيه إلى صاحب الحق. فإن أذن أذن، وإن ما أذن، فإنه إما أن يتصالح، وإما أن يرد له الحق، لأن الأصل أنه باع شيئًا لموكله. الأصل أنه باع شيئًا لموكله. وله ماذا؟ أجرة المثل. والله أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على نبيه الكريم وعلى آله وصحبه أجمعين.

شاركنا على