الدرس في كتاب المساجد ومواضع الصلاة 7، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يُشدد على أهمية بناء المساجد ويذكر حديث النبي صلى الله عليه وسلم حول جزاء باني المسجد في الجنة. يُعدّ بناء المساجد من الأعمال التي يحث عليها الإسلام للمستطيعين.
يشترط قبول عمل بناء المسجد الإخلاص لله وعدم الرياء أو السمعة أو الفخر، ولا يقبل عمل الكافر حتى يسلم. حتى المسجد الصغير يمكن أن ينال صاحبه أجرا إذا كان مخلصا.
يشرح حديث النبي صلى الله عليه وسلم حول بناء المساجد لله وجزاء ذلك في الآخرة، ويبين أهمية الإخلاص في بناء المساجد. يُبرز الأجر العظيم المرتبط بهذا العمل الصالح.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام مسلم بن الحجاج، أبو الحسين القشيري، رحمه الله، في صحيحه: حدثني هارون بن سعيد الأيلي، وأحمد بن عيسى، قالا: حدثنا ابن وهب، قال: أخبرني عمرو، أن أبا كير حدثه، أن عاصم بن عمر بن قتادة حدثه، أنه سمع عبيد الله الخولاني يذكر، أنه سمع عثمان بن عفان، عند قول الناس فيه، حين بنى مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم: إنكم قد أكثرتم، وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من بنى مسجدا لله تعالى -قال أبو كير: حسبت أنه قال: يبتغي به وجه الله- بنى الله له بيتا في الجنة». وقال ابن عيسى في روايته: «مثله في الجنة». قال: حدثنا زهير بن حرب، ومحمد بن المثنى، أبو موسى العنزي، قالا: واللفظ لابن المثنى، قال: حدثنا الضحاك بن مخلد، قال: أخبرنا عبد الحميد بن جعفر، قال: حدثني أبي، عن محمود بن لبيد، أن عثمان بن عفان أراد بناء المسجد، فكره الناس ذلك، فأحبوا أن يدعوه على هيئته، فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من بنى مسجدا لله، بنى الله له في الجنة مثله». هذا الحديث فيه أن عثمان رضي الله تعالى عنه، وهو الخليفة الثالث من خلفاء الراشدين، وأحد العشرة المبشرين بالجنة، وزوج ابنتي النبي عليه الصلاة والسلام، الملقب ذي النورين، رضي الله تعالى عنه، كان السباق إلى فعل الخير وبذل المال في وجوه البر. رضي الله تعالى عنه، وهو الذي اشترى بئر رومة، حين قال النبي عليه الصلاة والسلام: «من يشتري بئر رومة، ويجعل دلوه مع دلاء المسلمين، وله الجنة»، حين قل الماء على الناس، فاشتراها رضي الله تعالى عنه، وأوقفها للمسلمين. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «من يجهز جيش العسرة، وله الجنة»، فجهزه عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه من ماله. وغير ذلك من المواقف العظيمة التي بذل فيها ماله رضي الله تعالى عنه في سبيل نيل الأجر والثواب من الله جل وعلا. وهكذا أيضا أراد رضي الله عنه إعادة بناء مسجد النبي عليه الصلاة والسلام، وذلك في سنة 29 من الهجرة. وقد مر معنا أن مسجد النبي عليه الصلاة والسلام كان مني من اللبن، وسقفه من عريش النخل، وعضادتيه من الحجارة، وبقي على ذلك في زمن أبي بكر، وهكذا في زمن عمر، فأعاده عمر رضي الله عنه على ما كان، يعني من جريد النخل، كما كان بزمن النبي عليه الصلاة والسلام. فلما كان بزمن عثمان، أراد رضي الله عنه أن ينال الأجر والثواب ببذل المال في إعادة بناء مسجد النبي عليه الصلاة والسلام، فأعاد بناءه من الحجارة، أعاد بناءه من الحجارة المنقوشة. وهكذا أيضا جعل أعمدته من الحجارة المنقوشة، فتكلم الناس في ذلك، وهو قوله هنا: «عند قول الناس فيه»، تكلموا: لماذا يفعل ذلك؟ لماذا لم يتركه كما كان على هيئة النبي عليه الصلاة والسلام؟ كما تبين الرواية الأخرى، فأحب أن يدعه على هيئته كما كان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم. فلما أكثر الناس في ذلك وتكلموا بهذا الكلام، ذكر لهم رضي الله عنه هذا الحديث الذي سمعه من النبي عليه الصلاة والسلام، وهو الذي جعله يقدم على إعادة بناءه من الحجارة، قال: «إنكم أكثرتم، وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من بنى مسجدا لله تعالى، بنى الله له في الجنة مثله». نعم، وفي الرواية الأولى: «بنى الله له بيتا في الجنة». فأراد نيل هذا الأجر وهذا الثواب، أن يمنى له الله جل وعلا بيتا في الجنة. هذا الحديث فيه فضل بناء المساجد، والحث والترغيب في بنائها. فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «من بنى لله مسجدا» -أو مسجدا لله- «من» أداة شرط، و«من» من ألفاظ العموم، فيعم ذلك كل من بنى مسجدا لله، كل من بنى مسجدا لله، سواء كان رجل أو امرأة، نعم، كبير أو صغير، عربي أو أعجمي. لكن هل يدخل بذلك الكافر؟ الجواب: لا، الكافر إذا عمل عملا من أعمال البر والطاعة، فإن عمله مردود حتى يسلم. وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم كفروا بالله ورسوله، فلا بد من الإسلام. هذا في حق المسلم، من بنى لله مسجدا، وهو مسلم. لأن الكافر أعماله مردودة، وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورة. وقال: «من بنى مسجدا» و«مسجدا» نكرة في سياق الشرط، فتفيد العموم، أي: على أي حال كان المسجد، صغير أو كبير، فإنه ينال هذا الأجر. ولذلك جاء في حديثي ابن عباس وأبي ذر، عند الطبراني، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «من بنى لله مسجدا، ولو كمفحص قطاة» -ولو كمفحص قطاة- يعني: لو كان، وهذا من باب المبالغة، يعني: لو كان المسجد صغيرا كعش هذا الطائر الذي يضع فيه بيضة، «بنى الله له بيتا في الجنة». يعني: لو بنى الإنسان مسجدا صغيرا، مسجد صغير، وما يسع إلا القليل من الناس، فإنه سينال هذا الأجر. لا يشترط في المسجد أن يكون مسجدا ضخما، وأن يكون كبيرا وواسعا، لا، ولو كان صغيرا، ولو كان مسجدا صغيرا، فإنه ينال هذا الأجر. وجاء في رواية: «من بنى لله مسجدا، كمفحص قطاة، أو أصغر منه» -أو أصغر منه- وهي رواية صحيحة. وإن كانت، يعني: كلتا الروايتين يدل على معناهما. هذا الحديث في ذكر هذه النكرة في سياق الشرط، فذلك يعم الكبير والصغير. لكن تلك الرواية مصرحة بهذا المعنى، أنه لا يشترط بناء المسجد أن يكون كبيرا، قال: «من بنى مسجدا لله»، هذا فيه إشارة إلى شرطية الإخلاص، من بنى المسجد لله جل وعلا، يريد الأجر والثواب، يبنيه لإقامة ذكر الله، والعبادة لله، وطاعة الله. وهذا كما نعلم أن شرط الإخلاص في العبادة لا بد منه، لا يقبل أي عمل، وأي عبادة إلا بالإخلاص والمتابعة، إلا بالإخلاص والمتابعة. من بنى مسجدا لله، إذا بناه لغير الله، يبنيه رياء أو سمعة، أو فخرا، أو لأجل أن يذكر، أو غير ذلك من مقاصد الدنيوية، فإنه لا ينال هذا الأجر. ولهذا جاء في رواية عند الطبراني، من حديث عائشة رضي الله عنها: «من بنى لله مسجدا، لا يريد به رياء ولا سمعة، بنى الله له بيتا في الجنة». وصحح شيخنا للباني رحمه الله: إذا لا بد من الإخلاص، لا بد من الإخلاص في بناء هذا المسجد. ومن الإخلاص: أنه لا يحب أن يعرف أو يشهر، أو يكتب اسمه على المسجد. ولهذا قال الإمام الجوزي رحمه الله: من بنى مسجدا، وكتب عليه اسمه، فإن ذلك بعيد من الإخلاص. أنت تريد ما عند الله جل وعلا، والأجر من الله، إذن ما الداعي أن تكتب اسمك على هذا المسجد؟ ما هو الداعي؟ تريد من الناس ماذا؟ أن يمدحوك أو يثنون عليك؟ لا، بل يكتب: «بناه فاعل خير»، يدعو له: «جزا الله خيرا من بناه». هذا أدعى للإخلاص، المخلص يخفي عمله، كلما كان العمل خفيا، كلما كان أقرب إلى الإخلاص، كلما كان أقرب إلى الإخلاص. ولهذا لما ذكر النبي عليه الصلاة والسلام السبعة الذين يظلهم الله في ظله، يوم لا ظل إلا ظله، وذكر منهم: «رجلاً تصدق بصدقة، فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما أنفق بيمينه»، يعني: من شدة الإخلاص، تكاد اليد اليسرى لا تدري بماذا أنفق بيمينه، فضلا عن غيره من الناس، هذا أدعى للإخلاص. ويقول عليه الصلاة والسلام: «الجاهر بالقرآن كالجاهر بالصدقة، والمسر بالقرآن كالمسر بالصدقة»، فإخفاء العمل هذا أقرب إلى الإخلاص. قال: «من بنى مسجدا لله تعالى» -قال في هذه الرواية- قال: «بوكير: حسبت أنه قال: يبتغي به وجه الله»، حسبت: يعني ظننت أنه قال ذلك. والحديث أخرجه كذلك الإمام البخاري في صحيحه، من نفس الطريق، من طريق بوكير إلى آخره. ولهذا قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: إن هذه الرواية، وهي لفظة «يبتغي به وجه الله»، لم تذكر إلا من طريق بوكير، وبوكير لم يجزم بها، لم يجزم بها، فلعله نسي، وتردد في لفظ الحديث، فذكر هذه اللفظة. وإلا فبقية الرواة لم يذكروا هذه اللفظة. ولهذا ساقه الإمام مسلم من الطريق الأخرى، بغير ذكر هذه اللفظة: «من بنى مسجدا لله، بنى الله له في الجنة مثله». وهذه اللفظة -يعني- يدل على لفظها أو معناها، قوله: «لله»، «من بنى مسجدا لله تعالى»، هذه فيه إشارة -كما سمعنا- إلى الإخلاص، وابتغاء وجه الله جل وعلا في بناء هذا المسجد. قال: «بنى الله له بيتا في الجنة»، «بنى الله له بيتا»، هذا الجزاء على هذا العمل، والجزاء من جنس العمل، وفضل الله جل وعلا واسع. هل جزاء الإحسان إلا الإحسان؟ لما أحسن في الدنيا، وبذل ماله في بناء مسجد لله، لإقامة ذكر الله، وإقامة الصلاة، والعبادة، والطاعة، بنى الله له بيتا في الجنة. ولا شك أن ما في الجنة أعظم مما في الدنيا، أعظم مما في الدنيا. وبيوت الجنة -إذ كيف- بيوت الدنيا التي تبنى من اللبن والحجر، بيوت الجنة من الذهب والفضة، من الذهب والفضة. فلا شك أن هذا الجزاء سيكون عظيما، وفوق ما بذله الإنسان في الدنيا من ماله. والله عز وجل يضاعف الحسنة بعشر أمثالها، «من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها». والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «من جاء بحسنة فله عشر أمثالها، إلى سبعمائة ضعف، إلى أضعاف كثيرة». ويقول جل وعلا: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾. فهذا جزاء عظيم، يبني الإنسان مسجدا لله جل وعلا في الدنيا، رغم أنه لا يكلفه الشيء الكثير، خاصة إذا كان متواضعا وصغيرا، فيبني الله عز وجل له بيتا في الجنة، لا يعلم عظمه إلا الله سبحانه وتعالى. وهذا فيه حث وترغيب، حث وترغيب على بناء المساجد. لأن -كما سمعنا- يبني المسجد لله، ما يبنيه من أجل الفخر والرياء والسمعة، فيحبط عمله، ويذهب أجره، «هباء منثورة». قال: «بنى الله له بيتا في الجنة». وفيه أيضا إشارة إلى أن هذا الذي بنى المسجد سيكون من أهل الجنة، وإلا يبني له بيتا في الجنة، وهو من أهل النار، ماذا ينتفع بهذا البيت؟ ما ينتفع به بشيء. إذن لما جازاه بذلك، أن بنى له بيتا في الجنة، حتى يسكنه، حتى يسكنه، ويتم به كمال النعيم. إذن هذا فيه إشارة إلى أن الذي يبني مسجدا لله مخلصا صادقا، مريدا ما عند الله جل وعلا، أن هذا من أسباب دخوله الجنة، فيوفقه الله جل وعلا للعمل بعمل أهل الجنة، حتى يكون من أهلها، حتى يكون من أهلها، فيدخل الجنة، ويكون له هذا البيت العظيم في الجنة. وفي رواية ابن عيسى قال: «مثله في الجنة». قال: قال الإمام النووي رحمه الله في توجيه هذه الرواية، في قوله: «مثله في الجنة»، قال: يحتمل -قال هنا نعم- يحتمل أمرين: أحدهما: أن يكون معنى «بنى الله له تعالى مثله» في مسمى البيت، يكون له بيت -يعني- مشابه لبيت الدنيا في الاسم، لكن من حيث القدر والسعة والعظم، فلا شك أنه ليس كبيوت الدنيا. ولهذا قال: وأما صفته في السعة وغيرها، فمعلوم فضلها، أنها مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. يعني: يكون له بيت في الجنة، لكن ليس كبيوت الدنيا -كما ذكرنا- يكون بيت عظيم من ذهب وفضة. قال: الثاني: أن معنى ذلك: أن فضله على بيوت الجنة، كفضل المسجد على بيوت الدنيا. يعني: كما أن المسجد له ميزة وخصيصة وفضيلة، من التشريف والتكريم والتعظيم، على غيره من بيوت الدنيا، كذلك يكون هذا البيت الذي يبنيه الله جل وعلا له في الجنة، له ميزة وفضيلة وخاصية، تخالف بقية بيوت الجنة. وكل المعنيين محتمل. والحافظ ابن حجر رحمه الله مال إلى القول الأول، إلى الاحتمال الأول، أنه يبني له بيتا في الجنة، فيتفق في الاسم -اسم البيت- ويختلف في الصفة، فليس في الجنة -يعني- شيء مما يماثله مما هو في الدنيا. ومع ذلك فلا شك أن هذا أجر عظيم، وجزاء كبير، وفضل جليل، يحث المسلم -من كان مستطيعا وقادرا على أن يبني مسجدا لله- أن يسابق في ذلك، وينال هذه الفضيلة العظيمة. وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.