كتاب المساجد ومواضع الصلاة 8

كتاب المساجد ومواضع الصلاة 8

الدرس في كتاب المساجد ومواضع الصلاة 8، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

شرح حديث عبد الله بن مسعود في كيفية الصلاة خلف الأئمة

يشرح المقطع كيفية صلاة عبد الله بن مسعود خلف الأئمة الذين يؤخرون الصلاة، ويبين كيفية الصلاة بشكل صحيح ووضع اليدين عند الركوع. كما يشير إلى جواز الصلاة بدون أذان وإقامة إذا كانت الصلاة قد أقيمت في المسجد.

أحكام الصلاة ومشروعية الأذان والإقامة

يشرح المقطع أحكام الصلاة مثل مشروعية الأذان والإقامة لمن يصلي في غير جماعة المسجد، وصفوف المصلين خلف الإمام، وتحذير النبي من أمراء يؤخرون الصلاة عن وقتها.

كيفية الصلاة خلف الإمام الظالم وتطبيق اليدين في الركوع

يناقش المقطع كيفية الصلاة خلف الإمام الظالم وتطبيق اليدين في الركوع، حيث ينصح بصلاة الفريضة في أول وقتها في البيت ثم الصلاة مع الإمام لتكون نافلة، ويبين أن تطبيق اليدين في الركوع كان في أول الأمر ثم نسخ بالأمر بوضع اليدين على الركبتين.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، صلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، أنه على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام مسلم بن الحجاج أبو الحسين، أن يسابوه للقشيري رحمه الله، في صحيحه: حدثنا محمد بن العلاء الهمداني وأبو كريب، قال: حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، وهو سليمان المهران أبو محمد الكوفي، عن إبراهيم، عن الأسود وعلقمة، وإبراهيم والأسود وعلقمة كلهم نخعيون، نسبة إلى نِقْع، وقبيلة تنسب إلى رجل، يقال له جسر بن عمر، لقب بالنخعي، قيل: لأنه يعني فارق أهله، أو ذهب عن أهله، فلقب بذلك. والأسود وعلقمة من خواص تلاميذ عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه، وكان ممن يقرأ للناس ويفتيهم الأسود وعلقمة ومسروق، وهكذا أيضا عبيد السلماني والحارث بن قيس، هؤلاء الخمسة من تلاميذ عبد الله بن مسعود، ممن كان يقرأ ويفتي. وكان علقمة من أشبه الناس بعبد الله بن مسعود رضي الله عنه، كان من أشد الناس هديًا، أو شبها بالنبي صلى الله عليه وسلم في هديه وسمته. وأشبه الناس بعبد الله بن مسعود علقمة، وأشبه الناس بعلقمة إبراهيم. قال: أتينا عبد الله بن مسعود، عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه، من علماء وفقهاء الصحابة رضي الله تعالى عليهم، قال: في داره، فقال: أصل هؤلاء خلفكم، فقلنا: لا، قال: فقوموا فصلوا. فلم يأمرنا بأذان ولا إقامة. قال: وذهبنا لنقوم خلفه، فأخذ بأيدينا، فجعل أحدنا عن يمينه والآخر عن شماله. قال: فلما ركع وضعنا أيدينا على ركبنا، قال: فضرب أيدينا وطبق بين كفيه، ثم أدخلهما بين فخذيه. قال: فلما صلى، قال: إنه ستكون عليكم أمراء يؤخرون الصلاة عن ميقاتها، ويخنقونها إلى شرق الموتى، فإذا رأيتموهم قد فعلوا ذلك، فصلوا الصلاة لميقاتها، واجعلوا صلاتكم معهم سبحة، أي نافلة. وإذا كنتم ثلاثة فصلوا جميعا، وإذا كنتم أكثر من ذلك فليأمكم أحدكم. وإذا ركع أحدكم فليفرش ذراعيه على فخذيه، وليجنح، وليطبق بين كفيه. فلكأني أنظر إلى اختلاف أصابع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأراهم. قال: وحدثنا من جابر بن الحارث التميمي، قال: أخبرنا ابن مسهر، قال: وحدثنا عثمان بن أبي شيبة، قال: حدثنا جرير، قال: وحدثني محمد بن رافع، قال: حدثنا يحيى بن آدم، قال: حدثنا مفضل، كلهم عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة والأسود، أنهما دخل على عبد الله، بمعنى حديث أبي معاوية. وفي حديث ابن مسهر وجرير: فلكأني أنظر إلى اختلاف أصابع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو راكع. قال: وحدثنا عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، وهو صاحب المسند، مسند الإمام الدارمي، قال: أخبرنا عبيد الله بن موسى، عن إسرائيل، عن منصور، عن إبراهيم، عن علقمة والأسود، أنهما دخل على عبد الله، فقال: أصلى من خلفكم؟ قال: نعم، فقام بينهما، وجعل أحدهما عن يمينه والآخر عن شماله، ثم ركعنا، فوضعنا أيدينا على ركبنا، فضرب أيدينا، ثم طبق بين يديه، ثم جعلهما بين فخذيه. فلما صلى، قال: هكذا فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم. هذا الحديث عن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه، كما سمعنا، دخل عليه الأسود وعلقمة، وهما من خواص تلاميذه، فقال لهما: أصلى هؤلاء خلفكم؟ يعني الأمراء ومن معهم، قال: فقلنا: لا، قال: فصلوا. فلم يأمرنا بأذان ولا إقامة. وكأن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه لم ير الأذان والإقامة مع وجود إقامتها في البلد، يعني إذا أقيمت الصلاة في مسجد البلد وأقيم لها، فإذا أراد إنسان أن يصلي لعذر مثلا في بيته ونحو ذلك، فإنه يصلي بلا أذان ولا إقامة. وجمهور أهل العلم على مشروعية الإقامة للصلاة لمن صلى في غير جماعة المسجد، واختلف في الأذان، والصيح: أنه كذلك يشرع الأذان والإقامة، وإن كان ليس بواجب؛ لأن الوجوب يسقط بإقامة الأذان في مساجد البلد، والأذان فرض كفاية. وهكذا يظن الإقامة فرض كفاية، لكن من حيث المشروعية والاستحباب، فإنه يستحب، ولو صلى الإنسان في بيته مثلا لعذر أو نحو ذلك، فلا بأس أن يؤذن ويقيم. ثم قال: وذهبنا لنقوم خلفه، فأخذ بأيدينا، فجعل أحدنا عن يمينه والآخر عن شماله. هذا الذي فعله عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، إما لضيق المكان، فأقام أحدهما عن يمينه والآخر عن شماله؛ ليبين أن مثل هذا جائز في مثل هذا الحال، أو أنه كان يرى ذلك، يرى أنه لا بأس أن يقوم الإثنان مع الإمام، أحدهما عن يمينه والآخر عن شماله. والسنة الثابتة عن النبي عليه الصلاة والسلام: أن الإثنين يقومان خلف الإمام، أن الإثنين يقومان خلف الإمام، كما فعل النبي عليه الصلاة والسلام حين صلى بأنس واليتيم، في الحديث الصحيحين، فأقامهما خلفه، والعجوز من ورائهم. وهكذا أيضا في حديث جابر، وكذلك غيره من الأحاديث، فهذه السنة الثابتة عن النبي عليه الصلاة والسلام، وهو قول أكثر أهل العلم، ومعظم أهل العلم على أن الاثنين يقومان خلف الإمام. وإذا كان واحدا، فيقف بجانب الإمام، عن يمين الإمام، يقف عن يمين الإمام، كما فعل عبد الله بن عباس، لما بات عند خالته ميمونة، لما قام النبي صلى الله عليه وسلم يصلي من الليل، قام ابن عباس، وقف عن يساره، فأخذه النبي عليه الصلاة والسلام، وأقامه عن يمينه. قال: فلما ركع وضعنا أيدينا على ركبنا، أو وضع أيدينا على ركبنا، فضرب أيدينا، وطبق بين كفيه، ثم أدخلهما بين فخذيه، يعني أمرهما بالتطبيق، التطبيق: أن يضم اليدين، أن يضم الإنسان يديه، أي كفيه، ويضعهما بين فخذيه في الركوع، يضع كفيه بين فخذيه. كان هذا في أول الأمر، هذا في أول الأمر، لما صلى النبي عليه الصلاة والسلام، كان يطبق بيديه عند الركوع، يجمع كفيه، ويجعلهما بين فخذيه، ثم نسخ هذا، كما سيأتي في حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه. لكن عبد الله بن مسعود لم يبلغه النسخ، لم يبلغه النسخ، فلهذا كان يقول بذلك، كان يقول بالتطبيق. وكذلك أيضا قال بذلك صاحباه، علقمة والأسود. وجمهور أهل العلم، بل عامة، يعني الصحابة رضوان الله عليهم، على خلاف ذلك، أن هذا الحكم قد نسخ، وأن الواجب هو وضع اليدين على الركبتين في الركوع. ثم قال رضي الله عنه: إنه سيكون عليكم أمراء يؤخرون الصلاة عن ميقاتها. وهذا قد أخبر به النبي عليه الصلاة والسلام في أحاديث كثيرة، عن أبي هريرة، وعن ذر، وغيرهما من الصحابة رضوان الله عليهم، أخبر أنه سيكون أمراء يؤخرون الصلاة عن ميقاتها، المراد: يؤخرون الصلاة عن ميقاتها المستحب، أي أول الوقت، فيؤخرونها إلى آخر الوقت، حتى يكاد وقت الصلاة أن يخرج. ولهذا قال: ويخنقونها إلى شرق الموتى. ويخنقونها إلى شرق الموتى، ومعنى كما ذكره الإمام النووي رحمه الله في الشرح، قال ابن الأعرابي: فيه معنيان، أحدهما: أن الشمس في ذلك الوقت، وهو آخر النهار، إنما تبقى ساعة ثم تغيب. قال: والثاني: أنه من قولهم: شرق الميت بريقه، إذا لم يبق بعده إلا يسيرا ثم يموت. والمقصود من ذلك هو تأخيرها إلى آخر وقتها، حتى يكاد وقت الصلاة أن يخرج، حتى يكاد وقت الصلاة أن يخرج. قال: فصلوا الصلاة لميقاتها، فإذا رأيتموهم قد فعلوا ذلك، فصلوا الصلاة لميقاتها، واجعلوا صلاتكم معهم سبحة، يعني: إذا رأيتم هؤلاء الأمراء الذين يؤخرون الصلاة عن وقتها، فصلوا الصلاة لميقاتها، ليس في المساجد، يعني في بيوتكم، صلوا الصلاة في بيوتكم في أول الوقت، ثم تخرجون وتصلون معهم، وتكون لكم سبحة، يعني نافلة، تكون لكم الصلاة معهم نافلة. وهذا لأجل درء الفتن، وسد أبواب الشر؛ لأن الناس إذا لم يصلوا مع هؤلاء الأمراء، وخاصة من كان يقتدى به من أهل العلم والفضل، لا شك أنه سيغضب لذلك، وستقع، يعني الفتنة والشر. فسد لهذا الباب، مع الحرص على أداء الصلاة في أول وقتها، تصلى يصليها الإنسان في بيته، ثم متى ما صلاها الإمام، صلى معه، وتكون له نافلة. فإذا رآهم يصلون معه، لم ينكر ذلك. لكن لو رأهم يتخلفون، وهذا الإمام مثلا عنده شيء من الظلم، نحو ذلك، فيعاقبهم وينتقم منهم، ويقع بذلك الشر العظيم. واستدل به أهل العلم على أن الإنسان إذا صلى صلاة واحدة مرتين، أن الأولى تكون فريضة، والثانية تكون نافلة، الأولى تكون فريضة، والثانية تكون نافلة؛ لأنه قال: فصلوا الصلاة لميقاتها، واجعلوا صلاتكم معهم سبحة، يعني الثانية، إذا الأولى هي الفريضة. هذا هو الصحيح في هذه المسألة: أن الإنسان إذا صلى صلاة واحدة مرتين، يعني إذا كان ذلك لعذر مثلا، كان هناك أمطار، ورخص المؤذن في الصلاة في البيوت، فصلى الإنسان في بيته، تعتبر هذه الصلاة هي الفريضة، ثم مثلا قطع المطر، وخرج فصلى مع الناس في المسجد، تكون هذه ثانية نافلة، تكون هذه ثانية نافلة. قال: وإذا كنتم ثلاثة فصلوا جميعا، وإذا كنتم أكثر من ذلك فليأمكم أحدكم. قال: وإذا ركع أحدكم فليفرج ذراعيه على فخذيه، وليجنأ، وليطبق بين كفيه، يعني هنا أمرهم بالتطبيق إذا ركعوا في الصلاة، أمرهم بالتطبيق. قال: فليفرج ذراعيه على فخذه، يعني ينشر الذراع في الفخذ، ويجمع بين كفيه. قال: وليجنأ، وليطبق بين كفيه. ومعنى يجنأ: يعني يعطف يديه، ويضعهما بين فخذيه. قال: ولكأني أنظر إلى اختلاف أصابع رسول الله صلى الله عليه وسلم. فأقول: هذا كان في أول الأمر، كان في أول الأمر، ثم نسخه في الأحاديث الأخرى التي ثبتت عن النبي عليه الصلاة والسلام، في الأمر بوضع اليدين والكفين على الركبتين. ولم يبلغ ذلك عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، فقال بالتطبيق. قال رحمه الله: وحدثنا قتيبة بن سعيد أبو كامل الجحدري، واللفظ لقتيبة، قال: حدثنا أبو عوانة، عن أبي يعفور، عن مصعب بن سعد، قال: صليت إلى جنب أبي، أي سعد بن أبي وقاص، قال: وجعلت يدي بين ركبتي، يعني طبق، قال: فقال لي أبي: اضرب بكفيك على ركبتيك، قال: ثم فعلت ذلك مرة أخرى، قال: فضرب يدي، وقال: إن نهينا عن هذا، وأمرنا أن نضرب بالأكف على الركب، يعني أن نضع أكفنا على ركبنا. قال: وحدثنا خلف بن هشام، قال: حدثنا أبو الأحوص، وقال: وحدثنا ابن أبي عمر، قال: حدثنا سفيان، كلاهما عن أبي يعفور، بهذا الإسناد إلى قولي: فنهينا عنه، ولم يذكرا ما بعده. قال: وحدثنا أبو كريب، قال: حدثنا وكيع، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن الزبير بن عدي، عن مصعب بن سعد، قال: ركعت وقلت بيدي هكذا، يعني طبق بهما، فوضعتهما بين فخذيه، فقال أبي: قد كنا نفعل هذا، ثم أمرنا بالركب. وقوله: فقلت بيدي، يعني فعلته، يعني فعلت. فالقول قد يطلق، يراد به الفعل، يراد به الفعل. نعم، فالقول يطلق على الفعل، والفعل يطلق على القول. قال الله جل وعلا: ﴿زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾، ولو شاء ربك ما فعله. قال: وحدثني الحكم بن موسى، قال: حدثنا عيسى بن يونس، قال: حدثنا إسماعيل بن أبي خالد، عن الزبير بن عدي، عن مصعب بن سعد بن أبي وقاص، قال: صليت إلى جنب أبي، فلما ركعت شبكت أصابعي، وجعلتها بين ركبتي، فضرب يدي. فلما صلى، قال: قد كنا نفعل هذا، ثم أمرنا أن نرفع إلى الركب. ساق الإمام مسلم رحمه الله هذا الحديث، حديث سعد بن أبي وقاص، بعد حديث عبد الله بن مسعود، ليبين أن حكم التطبيق قد نسخ، أنه قد نسخ بأمر النبي عليه الصلاة والسلام بوضع الكفين على الركب. فهذا هو الحكم الثابت عن النبي عليه الصلاة والسلام، وهو وضع اليدين على الركبتين. صلى الله وسلم على نبينا محمد، آله وصحبه أجمعين.