الدرس في كتاب الحج 1، ألقاها
يُعرّف الحج لغة وشرعا، ويُبين حكمه وأنه أحد أركان الإسلام على المستطيع. يُشرح معنى الاستطاعة وآية وجوب الحج في القرآن الكريم.
الحج يجب مرة واحدة في العمر على المسلم المستطيع، وتواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم وأجمع العلماء على ذلك. يُبين فضل الحج المبرور وأنه يكفر الذنوب.
يشترط لوجوب الحج الإسلام والعقل والبلوغ، مع توضيح أحكام الحج بالنسبة للمجنون والصبي. يُشرح أيضا حكم من حج في الصغر أو العبودية ثم بلغ أو أعتق.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، وقفنا في كتاب الفقه الميسر عند بداية كتاب الحج، انتهينا من كتاب الصيام، ونبتدئ إن شاء الله في قراءة كتاب الحج. قال المولى -فقه الله- الباب الأول في مقدمات الحج، وفيه مسائل. المسألة الأولى في تعريف الحج، قال: الحج في اللغة القصد، تقول مثلا: حججت المسجد، يعني قصدت المسجد. قالوا: في الشرع التعبد لله بأداء المناسك في مكان مخصوص، في وقت مخصوص، على ما جاء في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. التعبد لله بأداء المناسك يعني مناسك الحج من طواف وسعي ووقوف بعرفة وبيت مزدلفة وحلق وذبح ورمي إلى آخر ذلك من مناسك الحج، تفعل هذه الأفعال تعبدا لله في مكان مخصوص، وهو في بيت الله الحرام وما كان بجواره أو قريب من ما يتعلق بمنى والوقوف بعرفة والمبيت بمنى إلى آخر ذلك من الأماكن التي يؤدى فيها الحج، في وقت مخصوص وهو وقت الحج في شهر من أشهر الحج، على ما جاء في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، يعني كما حجه النبي صلى الله عليه وسلم. أو أيضا ممكن أن تقول في التعريف: القصد إلى بيت الله الحرام لأداء مناسك الحج تعبدا لله تعالى. التعبد القصد إلى بيت الله الحرام لأداء مناسك الحج تعبدا لله تعالى. وهنا في هذا التعريف ذكر المكان والوقت، وهذا لا شك أنه يعني أضبط في التعريف، والتعريف كلما كان جامعا مانعا كان أقوى؛ لأن قوله: في مكان مخصوص، في وقت مخصوص، يخرج من حجه إلى غير بيت الله الحرام. من حجه إلى غير بيت الله الحرام كما يفعل روافض من حجهم إلى كعبتهم التي يفعلونها في النجف، أو كذلك أيضا ما يفعله بعض المتصوفة من بعض الزيارات الشركية كزيارة قبر نبي الله هود المزعوم في ثمود، ويجعلونه بمنزلة الحج، فهذا حج إلى غير بيت الله الحرام، وفي غير وقت أشهر الحج، فلا يكون حجا شرعيا، بل هو ماذا؟ حج مبتدع. المسألة الثانية: حكم الحج وفضله، قال: حكم الحج، الحج أحد أركان الإسلام وفروضه العظام، لقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾، هذه الآية فيها الأمر بالحج، ولله على الناس حج البيت، لله يعني لله جل وعلا حق على الناس، أي واجب عليهم أن يحجوا بيت الله جل وعلا، ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا، وسيأتي معنى أن الحج واجب على من كان مستطيعا، وسيأتي معنى الاستطاعة، ومن كفر فإن الله غني عن العالمين. وهذه الآية نزلت في عام الوفود في السنة التاسعة من الهجرة، وكان فرض الحج في هذه السنة، في السنة التاسعة من الهجرة، بعد فتح مكة، فتحة مكة في السنة الثامنة، وفرض الحج في السنة التاسعة، وحج النبي صلى الله عليه وسلم حجة الوداع في السنة العاشرة. ولحديث ابن عمر رضي الله عنهما مرفوعا: «بني الإسلام على خمس، وذكر منها الحج، ذكر أركان الإسلام ومنها الحج»، حج البيت من استطاع إليه سبيله، فهو أحد أركان الإسلام العظيمة. قال: وقد أجمعت الأمة على وجوب الحج على المستطيع مرة واحدة في العمر، الواجب على المسلم أن يحج في العمر مرة واحدة، وما زاد هو مستحب، الواجب هو مرة واحدة في العمر. لحديث أبي هريرة في الصحيح أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «إن الله كتب عليكم الحج فحجوا»، قال رجل: يا رسول الله أفي كل عام؟ سكت النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: «إن الله كتب عليكم الحج فحجوا»، فقال: يا رسول الله أفي كل عام؟ حتى عاد المرة الثالثة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لو قلت نعم لوجبت، ولما استطعتم»، لو قلت نعم في كل عام لوجبت في كل عام، وما استطعتم ذلك. الآن كم تمر على الناس سنون عديدة وهم يستطيعون أن يذهبوا للحج مرة واحدة، فضلا أن يكون الحج واجبا على كل مسلم في كل سنة، لا شك أن في ذلك مشقة عظيمة، في ذلك مشقة عظيمة، والمكان ما سيسع كل المسلمين أن يأتون ويجتمعون لأداء الحج في وقت واحد، فلذلك كان من حكمة الله جل وعلا والتخفيف عن هذه الأمة والإسلام أنه لم يجب إلا مرة واحدة في العمر، إذا أداه الإنسان مرة واحدة سقط عنه هذا الواجب. قال: فضله، ورد في فضل الحج أحاديث كثيرة، منها حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعا: «العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة»، الحديث في مسلم، «العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما» يعني ما بين العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، أي من صغائر الذنوب، إذا وفعت من الإنسان صغائر الذنوب فتكفر عنه، إذا اعتمر مثلا في هذه السنة أو في هذا الشهر، وبعد أشهر اعتمر مرة أخرى، فيكفر ما حصل ما بين هذه العمرة إلى التي بعدها. قال: «والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة»، الحج المبرور مأخوذ من البر، يعني الذي يكون فيه الحاج في غاية من الطاعة والعبادة والابتعاد عن الذنوب والمعاصي، فهذا جزاءه دخول الجنة، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة. قال: وقال صلى الله عليه وسلم: «من حج لله فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه»، والحديث في الصحيحين، إلى غير ذلك من الأحاديث. من حج لله فلم يرفث، الرفث ذكر ما يتعلق بالنساء، يعني أنه كان بعيدا عن الأمور المتعلقة بالنساء في حجه، ومنه أيضا مقدمات الجماع نحو ذلك، ولم يفسق، الفسق الخروج عن الطاعة، يعني لم يقع في شيء من الذنوب والمعاصي، لم يقع في شيء من الذنوب والمعاصي، فكان في حجه بعيدا عن ارتكاب المحرمات، «رجع كيوم ولدته أمه» يعني منقى من الذنوب والخطايا، منقى من الذنوب والخطايا، وهذا ظاهره كما نرى أنه يغفر له الصغائر والكبائر، قوله: «رجع كيوم ولدته أمه» هذا يشمل مغفرة الكبائر والصغائر، ولا شك أن هذا أجر عظيم في حق من حج فلم يرفث ولم يفسق. المسألة الثالثة: هل يجب الحج في العمر أكثر من مرة؟ قال: لا يجب الحج في العمر إلا مرة واحدة، وما زاد على ذلك فهو التطوع، يعني نافلة، لحديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أيها الناس قد فرض الله عليكم الحج فحجوا»، قال رجل: أفي كل عام يا رسول الله؟ قالوا: قلت نعم لوجبت، ولما استطعتم، الحديث في مسلم، مرة الكلام عليه. ولأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يحج بعد هجرته إلى المدينة إلا حجة واحدة، ما حج النبي صلى الله عليه وسلم إلا حجة واحدة، وهي حجة الوداع، وقد أجمع العلماء على أن الحج لا يجب على المستطيع إلا مرة واحدة، حتى لو كان مستطيعا إنسان عنده أموال كثيرة يستطيع أن يحج كل عام، ما يجب عليه إلا مرة واحدة في العمر فقط. قالوا: عليه أن يبادر بأدائه إذا تحققت شروطه، ويأثم بتأخيره لغير عذر، يعني إذا كان مستطيعا وتوفرت عنده شروط الوجوب، فينبغي أن يبادر ويسارع في أداء الحج، ولا يتأخر ويتكاسل ويتباطأ في أدائه، وذلك حتى يبرأ ذمته من هذا الواجب، وكذلك أيضا أن يسارع في فعل الخير، والله عز وجل يقول: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾، قال: لقوله صلى الله عليه وسلم: «تعجلوا إلى الحج فإن أحدكم لا يدري ما يعرض له»، تعجلوا إلى الحج فإن أحدكم لا يدري ما يعرض له، هذا الحديث رواه الإمام أحمد، حسنه العلامة الألباني رحمه الله، في حث وترغيب النبي عليه الصلاة والسلام بالتعجل بأداء الحج، فإن أحدكم لا يدري ما يعرض له، يعني من العوارض التي ربما تشغله وتمنعه من أداء الحج، فإذا تيسرت له الأمور فينبغي أن يبادر. قال: وقد روي مرفوعا وموقوفا من طرق يقوي بعضها بعضا: «من استطاع الحج فلم يحج فليمت إن شاء يهوديا وإن شاء نصرانيا»، هذا الحديث قال الحافظ ابن حجر رحمه الله في التلخيص: ذكر ابن الجوزي في الموضوعات، وقال العقيلي والدارقطني لا يصح فيه شيء، ثم قال الحافظ: قلت له طرق، ثم ساق طرقه عن أبي أمامة وعلي وأبي هريرة رضي الله عنهم، ثم قال: وله طريق صحيحة إلا أنها موقوفة، رواه سعيد بن منصور والبيهقي عن عمر بن الخطاب، قال: لقد هممت أن أبعث رجالا إلى هذه الأمصار فينظر كل من له جدة -يعني سعة وقدرة واستطاعة- ولم يحج فيضرب عليه الجزية، ما هم بمسلمين، ما هم بمسلمين. وفي لفظ البيهقي أن عمر قال: «ليمت يهوديا أو نصرانيا»، إذن هذا الأثر صح موقوفا على عمر من قوله، وهذا محمول على الزجر، محمول على الزجر والتشديد في التساهل في تأخير الحج لمن كان مستطيعا، وإلا ما يصل إلى حد الكفر إذا لم يكن جاحدا، إذا كان مستطيعا للحج ولم يحج وهو غير جاحد لوجوب الحج، لكن متكاسل، فإنه لا يصل إلى حد الكفر، وإن كان على خطر عظيم، وقول عمر رضي الله عنه هذا محمول على الزجر والتهديد. المسألة الرابعة: شروط الحج، قال: يشترط لوجوب الحج خمسة شروط، أولا: الإسلام، فلا يجب الحج على الكافر، ولا يصح منه؛ لأن الإسلام شرط لصحة العبادة، أول شروط لوجوب الحج الإسلام، فلا يجب الحج على الكافر، ولا يصح منه؛ لأن الكفر مانع من قبول الأعمال ومن صحتها، فإذا أراد أن يحج يقال: أولا أسلم، أولا أسلم ثم حج. قال الله عز وجل: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ﴾. قال: ثانيا: العقل، فلا يجب الحج على المجنون، ولا يصح منه في حال جنونه؛ لأن العقل شرط للتكليف، والمجنون ليس من أهل التكليف، ومرفوع عنه القلم حتى يفيق، كما في حديث علي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يبلغ، وعن المجنون حتى يفيق»، الحديث رواه أبو داود من حديث عائشة بنت عياض، رضي الله عنهم. فالمجنون لا يجب الحج عليه؛ لأنه لا عقل له، والعقل مناط التكليف، الذي لا عقل له لا يفهم أوامر الشرع وخطاب الشرع، فلا يجب عليه الحج؛ لأنه ليس من أهل التكليف، والقلم مرفوع عنه. قال: ثالثا: البلوغ، فلا يجب الحج على الصبي؛ لأنه ليس من أهل التكليف، ومرفوع عنه القلم حتى يبلغ، للحديث الماضي: «رفع القلم عن ثلاثة»، لكن لو حج فحجه صحيح، يعني وجوب الحج على الصبي لا يجب، لكن لو حج هل يصح حجه؟ الجواب: نعم يصح. قال: فلو حج فحجه صحيح، وينوي له وليه إذا لم يكن مميزا، يعني إذا حج ومعه صبي دون سن التمييز في السادسة أو الخامسة أو الرابعة، ينوي عنه الحج وليه، وإن كان مميزا لقنه، يقول له: لبيك اللهم حجا. قال: ولا يكفيه عن حجة الإسلام بلا خلاف، بلا خلاف بين أهل العلم، يعني إذا حج الصبي وهو صبي قبل البلوغ، فهذا لا يجزئ عن حجة الإسلام، فإذا بلغ وجب عليه أن يحج حجة الإسلام. لما رواه ابن عباس رضي الله عنهما أن امرأة رفعت صبيا، فقالت: يا رسول الله ألهذا حج؟ فقالت: فقال: «نعم، ولك أجر»، الحديث في مسلم، امرأة لقيت النبي عليه الصلاة والسلام في ركب -كما في الحديث- قال: من القوم؟ أو لقي النبي صلى الله عليه وسلم ركبا من الروحاء، فقالت: فقالت المرأة: يا رسول الله ألهذا حج؟ رفعت صبيا لها، فقالت: ألهذا حج؟ قال: «نعم، ولك أجر»، يعني يكتب له حج، وتؤجرين تؤجرين على حجك به، فدل على أن الحج يصح من الصبي. قال: ولقوله صلى الله عليه وسلم: «أيما صبي حج ثم بلغ فعليه حجة أخرى، وأيما عبد حج ثم عتق فعليه حجة أخرى»، الحديث أخرجه الشافعي في مسنده والبيهقي، وصححه الشيخ الألباني رحمه الله في الإرواء، أيما صبي حج -يعني في حال الصبا- ثم بلغ، فعليه حجة أخرى، يعني حجة الإسلام بعد البلوغ، وأيما عبد حج -يعني عبد مملوك- ثم عتق فصار حرا، فعليه حجة أخرى، عليه حجة أخرى بعد أن يعتق. وسيأتي الكلام على هذه المسألة، مسألة حج الرقيق: هل يجزئ أم لا؟ في الشرط الرابع بإذن الله. وهذا نكتفي به إلى هنا، صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.