كتاب الحج 12

الدرس في كتاب الحج 12، ألقاها

استحباب زيارة مسجد النبي

يشرح استحباب زيارة مسجد النبي صلى الله عليه وسلم في أي وقت من السنة، وفضل الصلاة فيه. يبين أن زيارة المسجد النبوي تزيد الأجر وتجمع بين فضيلتين.

حكم شد الرحال إلى المساجد الثلاثة

يناقش حكم شد الرحال إلى المساجد، موضحًا أنه لا يجوز إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، مسجد الرسول، والمسجد الأقصى. يُحرم السفر إلى أماكن أخرى للعبادة.

كيفية زيارة مسجد النبي وأداء الصلاة

يشرح كيفية زيارة مسجد النبي عليه الصلاة والسلام وأداء الصلاة فيه، مشيرًا إلى فضل الصلاة في الروضة الشريفة وأهمية أداء الصلوات الخمس في المسجد.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال المؤلف - حفظه الله -: الباب الخامس في الأماكن التي تشرع زيارتها في المدينة، وفيه مسائل. المسألة الأولى: زيارة مسجد النبي صلى الله عليه وسلم. قال: تسن زيارة مسجد النبي صلى الله عليه وسلم وشد الرحل إليه في أي وقت من أيام السنة، سواء كان ذلك قبل الحج أم بعده، وليس لها وقت خاص، ولا دخل لها في الحج، وليست من شروطه، ولا من واجباته، لكن لمن قدم أو ينبغي لمن قدم إلى الحج أن يزور مسجده صلى الله عليه وسلم قبل أداء فريضة الحج أو بعدها، وبخاصة من يشق عليه السفر إلى هذه الأماكن. فلو مر الحجاج بالمسجد النبوي وصلوا فيه لكان أرفق بهم وأعظم لأجرهم، ولجمعوا بين الحسنيين: أداء فريضة الحج، وزيارة المسجد النبوي للصلاة فيه. مع العلم - كما سبق - بأن هذه الزيارة ليست من مكملات الحج، ولا دخل لها فيه، فالحج كامل وتام بدون هذه الزيارة، ولا ارتباط بينها وبين الحج البتة. قال - رحمه الله - في هذه المسألة: إنه يسن زيارة مسجد النبي صلى الله عليه وسلم وشد الرحل إليه، يعني أن يقصد الإنسان السفر، فيشد راحلته ويحمل زاده ويسافر لأجل زيارة مسجد النبي عليه الصلاة والسلام. وهذه الزيارة مستحبة في أي وقت من أيام السنة، يعني ليس لزيارة مسجد النبي عليه الصلاة والسلام وقت محدود، بل تسن زيارته في أي وقت من أيام السنة قبل الحج أو بعد الحج. وهذه الزيارة ليس لها تعلق بالحج، ليس لها تعلق بالحج، فليست الشرط من شروطه، ولا واجب من واجباته. فمن ذهب إلى الحج ولم يذهب - مثلا - إلى مسجد النبي عليه الصلاة والسلام فليس بآثم، ولا يكون تاركا لواجب أو مرتكبا لمحظور، لكن من باب زيادة الأجر والثواب، وكذلك إدراك فضيلة الصلاة في مسجد النبي عليه الصلاة والسلام، فإنها فرصة لمن سافر إلى بلد الله الحرام أن يزور مسجد النبي عليه الصلاة والسلام ويصلي فيه، حتى ينال بركة الصلاة في مسجده عليه الصلاة والسلام لمضاعفة الأجر فيه، كما سيأتي في الدلة الدالة على ذلك. فكون الحاج - مثلا - يمر على المدينة - مثلا - في سفره أولا، فيزور مسجد النبي عليه الصلاة والسلام ويصلي فيه، وهكذا أيضا يصلي فيه الروضة، وهي ما بين منبره وبيته عليه الصلاة والسلام، هي روضة من رياض الجنة، فينال هذا الأجر العظيم، ثم يذهب لأداء الحج، فيجمع بين فضيلتين، وبين عبادتين، وهي الصلاة في مسجده عليه الصلاة والسلام، وهكذا أيضا أداء الحج والصلاة في المسجد الحرام. قال: والأدلة على مشروعية شد الرحال لمسجده صلى الله عليه وسلم والصلاة فيه كثيرة. قال: منها قوله صلى الله عليه وسلم: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجد الرسول صلى الله عليه وسلم، ومسجد الأقصى». والحديث في الصحيحين، من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه. وجاء عن غيره من الصحابة رضوان الله عليهم. وجاء بلفظ: «لا تعمل المطي إلا إلى ثلاثة مساجد». فهذا الحديث يخبر نبي عليه الصلاة والسلام بأنه لا تشد الرحال - والرحال جمع رحل، وهو بمنزلة السرج للفرس - يعني أن الإنسان لا يأخذ رحله الذي يسافر به ويعده للسفر، ويأخذ زاده معه؛ لأن المسافر يحتاج إلى زاد في سفره. فالنبي عليه الصلاة والسلام يقول: «لا تشد الرحال»، لا يشد الإنسان رحله ويستعد للسفر، والقصد إلى موضع من المواضع لأجل العبادة، إلا إلى ثلاثة مساجد فقط. ثلاثة مساجد يجوز الإنسان أن يقصدها للعبادة، وأن يسافر لأجل الصلاة فيها، ثم ذكر هذه الثلاثة المساجد: المسجد الحرام، ومسجد الرسول صلى الله عليه وسلم، ومسجد الأقصى. هذه ثلاثة المساجد تشرع شد الرحال إليها، وأن يقصدها الإنسان فيسافر من أجل أن يصلي فيها، ويتعبَّد الله عز وجل بالصلاة فيها. وقول عليه الصلاة والسلام: «لا تشد الرحال»، هذا نفي يراد به النهي، وهو أبلغ من النهي، فلم يقل نبي عليه الصلاة والسلام: «لا تشد الرحال»، وإنما قال: «لا تشد الرحال» بصيغة النفي. وقلنا: والمراد به النهي عن ذلك، وهو أبلغ من النفي، كأنه يقول: إن هذا الأمر لا يوجد، ولا يفعل أن تشد الرحل إلى غير المساجد الثلاثة، فيدل هذا الحديث على أنه لا يجوز أن يقصد الإنسان مسجدا من المساجد أو بقعة من البقع لأجل الطاعة والعبادة، سواء كان بصلاة أو بدعاء أو غير ذلك من أنواع العبادة. فغير المساجد الثلاثة لا تشد إليها الرحال. كذلك أيضا لا يجوز شد الرحال لزيارة قبور الصالحين، لا يجوز شد الرحال لزيارة قبور الصالحين. وهكذا أيضا لا تشد الرحال إلى زيارة - يعني - بعض المواضع التي ربما يكون لها فضل أو مزية، كجبل الطور أو نحوه، فهذه الأماكن لا يجوز شد الرحال لعموم هذا الحديث في النهي عن شد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد. قاوى قوله صلى الله عليه وسلم هنا بعض أهل الأهواء من المتصوفة ممن يرى جواز شد الرحال لزيارة القبور، يعترض على أهل السنة فيقول: كيف تقولون لا يجوز شد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد، وأنتم تشدون الرحال في طلب العلم، تسافرون من بلد إلى بلد، ومن موضع إلى آخر، وتحملون الزاد وتشقون المسافات الطويلة، ثم تقولون: لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد؟ فنقول: أولا طلب العلم جاءت فيه الأدلة الكثيرة، الكتاب والسنة، في الحث والترغيب على فعله ومشروعية السفر من أجله، هذا أولا. وثانيا: أن طلب العلم والسفر إليه ليس لقصد البقعة، ليس لقصد البقعة، وإنما لأجل العلم، لأجل العلم، سواء وجد هذا العلم في البلد الفلاني أو في البقعة الفلانية أو في المسجد الفلاني، فليس السفر لأجل المكان والبقعة، وإنما لأجل العلم، وهذا مما أجازه الشرع، مما أجازه الشرع. لكن لم يجز الشرع أن تسافر إلى مسجد من المساجد غير المساجد الثلاثة، أو إلى بقعة من البقاع غير هذه البقاع الثلاثة. قال ثانيا: وقوله صلى الله عليه وسلم: «صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام». والحديث في الصحيحين. «صلاة في مسجد هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام»، يعني أن المسجد الحرام الصلاة فيه أعظم أجر. وقال - صح عن النبي عليه الصلاة والسلام -: أن الصلاة فيه بمئة ألف صلاة، بمئة ألف صلاة. وأما المسجد الأقصى، فالصلاة فيه بخمسمائة صلاة. فأعظم هذه المساجد والبقاع - يعني أجرا وثوابا - المسجد الحرام، فالصلاة فيه بمئة ألف صلاة، والصلاة في مسجد الرسول عليه الصلاة والسلام بألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام، والصلاة في المسجد الأقصى بخمسمائة صلاة. قال: فهذه النصوص تدل على مشروعية زيارة مسجد النبي صلى الله عليه وسلم للصلاة فيه لفضلها ومضاعفة أجرها، وتدل أيضا على أنه يحرم شد الرحال، يحرم شد الرحال لغير هذه المساجد الثلاثة لقصد العبادة، فلا تشرع الزيارة والسفر لأي مكان في أنحاء المعمورة إلا إلى هذه المساجد الثلاثة. وقصد المدينة للصلاة في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم مشروع في حق الرجال والنساء، لما تقدم من عموم الأدلة السابقة. وسيأتي معنى أنه يشرع للرجال زيارة قبر النبي عليه الصلاة والسلام، لكن لا يجوز شد الرحال لزيارة قبره عليه الصلاة والسلام، هذا أمر لابد أن يتنبه له. يجوز شد الرحال لزيارة مسجد النبي عليه الصلاة والسلام، ثم إذا وصلت إلى المسجد وصليت فيه جاز لك أن تزور قبر النبي عليه الصلاة والسلام. فهنا زيارة قبر النبي عليه الصلاة والسلام تبع لزيارة مسجده، أما إذا جعلت الزيارة والسفر المقصود منه هو زيارة قبره عليه الصلاة والسلام، فهذا لا يجوز، ولا يشرع. قال: أما كيفية الزيارة، فإذا وصل المسافر إلى المسجد استحب له أن يقدم رجله اليمنى حال دخوله المسجد، وهذا لعموم حديث عائشة رضي الله عنها: أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يقدم اليمنى، يحب التيمن بتنعله وترجله وطهوره، وفي شأنه كله، في كل أموره التي هي من الأمور المكرمات، فإنه يقدم فيها اليمين. قال: ويقول الدعاء المشروع عند دخول أي مسجد: «بسم الله، والصلاة والسلام على رسول الله، اللهم افتح لي أبواب رحمتك». والحديث في صحيح الإمام مسلم. أو كذلك أيضا حديث عبد الله بن عمر: «أعوذ بالله العظيم، ووجهه الكريم، وسلطانه القديم، من الشيطان الرجيم». فليس لدخول المسجد النبوي دعاء خاص، بل هو كغير من المساجد، تقول عند دخولك فيما تقوله عند دخولك لأي مسجد. قال: وليس لمسجده صلى الله عليه وسلم ذكر مخصوص، ومن جعل له ذكر مخصوص في دخوله لمسجد النبي عليه الصلاة والسلام، وتعبد الله به، فهذا من البدع والمحدثات. قال: ثم بعد ذلك يصلي ركعتين في أي مكان من المسجد، يصلي ركعتين تحية المسجد، لقوله عليه الصلاة والسلام - كما ثبت في الصحيحين -: «إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين». لكن تمتاز الصلاة في مسجد النبي عليه الصلاة والسلام - كما سمعنا - بمضاعفة أجرها، وأن الصلاة فيه بألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام. قال: وإن صلاها في الروضة فهو أفضل، لقوله صلى الله عليه وسلم: «ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة». والحديث في الصحيحين. فإن تيسر أن تصلي في الروضة فهذا أفضل، فهذا أفضل، والأمر فيه متيسر، فإن القائمين على الحرم يجعلون - يعني - يفتح المجال للناس، فتدخل مجموعة تصلي، ثم تخرج، وتدخل مجموعة أخرى فتصلي، وهكذا حتى الروضة. قال: ومن زار مسجده صلى الله عليه وسلم ينبغي له أن يحافظ على أداء الصلوات الخمس فيه، أن يحافظ على أداء الصلوات الخمس فيه، وذلك ليناء الأجر، الصلاة ومضاعفة الأجر. قالوا: أن يكثر فيهم من الذكر والدعاء، وصلاة النافلة في الروضة الشريفة، احتسابا للأجر والثواب الجزيل، وهي فرصة أن يتيسر له زيارة مسجد النبي عليه الصلاة والسلام، فلذلك يحرص على أن يكثر من الصلاة فيه، يكثر من النوافل، وكذلك أيضا الذكر والدعاء، وقراءة القرآن. قال: أما صلاة الفريضة، فالأولى للزائر وغيره أن يتقدم إليها، ويحرص على الصفوف الأولى المرغب فيها ما استطاع؛ لأنها مقدمة على الروضة، يعني الصلاة في الصفوف الأولى مقدمة على الصلاة في الروضة. كأنه يشير إلى أن بعض الزائرين ربما يحرص على أنه يصلي في الروضة، ويضيع الصفوف الأولى، والذي ينبغي أن يحرص على الصف الأول. فالنبي عليه الصلاة والسلام لما حث ورغب على الصفوف الأولى، قال ذلك هو في هذا المسجد، في مسجده عليه الصلاة والسلام، وهو في مسجده كان يقول: «أتموا الصف الأول فالأول»، ويقول: «من وصل صفا وصله الله، ومن قطع صفا قطعه الله»، ويقول: «إن الله وملائكته يصلون على الصفوف الأولى». هذه الأحاديث وغيرها التي وردت في فضل الصلاة في الصف الأول، هي أول ما قالها عليه الصلاة والسلام في مسجده، مع فضل الصلاة في الروضة. لكن الحرص على الصلاة في الصف الأول أو الصفوف الأولى مقدم، مقدم على الصلاة في الروضة. لكن يجعل الصلاة في الروضة في غير الفريضة، في غير الفريضة، إذا أراد - مثلا - أن يصلي نافلة وتمكن واستطاع أن يصليها في الروضة فعل ذلك. أما إذا جاءت الفريضة وقامت وجاء وقتها، فإنه يحرص على أن يتقدم وأن يصلي في الصفوف الأولى، حتى ينال أجر الصف الأول. صلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.

شاركنا على