الدرس في كتاب الحج 11، ألقاها
يشرح هذا الفصل تفاصيل مناسك الحج والعمرة، مثل طواف القدوم والسعي بين الصفا والمروة. يوضح كيفية أداء الطواف والصلاة خلف مقام إبراهيم.
يتناول هذا الفصل كيفية الوقوف بعرفة والمبيت بمزدلفة، حيث يصلي الحجاج الظهر والعصر جمعا وقصرا، ثم يتوجهون إلى مزدلفة ويصلون فيها المغرب والعشاء. يشمل أيضًا تفاصيل حول الانطلاق إلى منى.
يشرح هذا الفصل أعمال يوم النحر، بدءًا من رمي جمرة العقبة، ثم النحر أو الذبح، والحلق أو التقصير، وأخيراً طواف الإفاضة، مع جواز تقديم أو تأخير بعض الأعمال.
يتناول هذا الفصل أعمال الحج وواجباته مثل رمي الجمرات والمبيت بمنى وطواف الوداع، ويوضح تفاصيل وأحكام كل منها، مع الإشارة إلى التحلل الأكبر بعد إتمام بعض الأعمال.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال المولى -وفقه الله- في ذكره بصفة حج النبي عليه الصلاة والسلام: قال «فإذا تم سبعة أشواط غطى كتفيه بردائه؛ لأنه سيطوف وهو مطبع، كاشف عن كتفيه الأيمن، فإذا انتهى من الطواف غطى كتفيه، ثم نفذ إلى مقام إبراهيم، فقرأ ﴿واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى﴾ كما فعل النبي عليه الصلاة والسلام، ويصلي ركعتين خلف المقام؛ يعني يجعل المقام بينه وبين الكعبة». قال «يقرأ في الأولى بسورة الكافرون، وفي الثانية بسورة الإخلاص، فإن لم يتم إمكان من الصلاة خلف المقام لزحام ونحوه، صلى في أي مكان من المسجد؛ إذا لم يتمكن أن يصلي خلف المقام بسبب الزحام واستغلال الناس لهذا المكان في الطواف، فيصلي من أي مكان في المسجد، يصلي ركعتين ويقرأ فيهما بسورة الكافرون والإخلاص». قالوا «هذا الطواف هو طواف القدوم للمفرد والقارن، وطواف العمرة للمتمتع؛ أي هذا الطواف الأول الذي يطوف حول البيت عند قدومه إلى الحرم، هو طواف القدوم بالنسبة للمفرد والقارن، وهو طواف العمرة بالنسبة للمتمتع». قال «ثم يشرع له أن يشرب من زمزم، ويصب على رأسه كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم، بعد أن صلى ركعتين خلف المقام، ذهب إلى زمزم فشرب من مائها وتضلع منه». قال «ثم يرجع إلى الحجر الأسود فيستلمه إن تيسر؛ إن تيسر ذلك وأمكنه فعله، وإن لم يتيسر فينطلق مباشرة إلى المسعى». قال «ثم يخرج إلى الصفا، ويقرأ قول الله عز وجل ﴿إن الصفا والمروة من شعائر الله﴾ ثم يرقى الصفا حتى يرى البيت؛ الصفا عبارة عن جبل، ويرقى هذا الجبل -أي الصفا-، ثم يتجه إلى جهة الكعبة». قال «ثم يرقى الصفا حتى يرى البيت، ويستقبل القبلة، ويرفع يديه؛ يعني إذا طلع إلى الصفا، توجه إلى جهة القبلة، ويرفع يديه، ثم يقول: الله أكبر ثلاثا، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله، أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، يفعل ذلك ثلاث مرات، ويدعو بينها طويلا؛ يعني إذا أتى بهذا الذكر يدعو، يدعو بما يفتح الله عليه من خير الدنيا والآخرة، ثم يأتي به مرة أخرى، يكبر ثلاثا، ثم يقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، له الحمد، وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله، أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، ثم يدعو، ثم يأتي بالدعاء مرة ثالثة، ثم يدعو، ثم ينطلق إلى جهة المروة؛ إذن يفعل ذلك ثلاث مرات». قال «ثم ينزل ماشيا إلى المروة، ويسعى بين الميلين الأخضرين سعيا شديدا؛ وذلك للرجال دون النساء؛ يعني إذا نزل من الصفا، سيأتيه علم أخضر إشارة إلى بداية بطن الوادي -بطن المسعى-، إذا وصل إلى هذا العلم، يستحب السعي -يعني شدة وسرعة المشي- إلى أن يصل إلى العلم الآخر، فيقف، ثم يمشي مشيا عاديا حتى يصعد إلى المروة؛ هذا في حق الرجال دون النساء، أن المرأة ما تجري، ومن الخطأ أن تسعى مثل الرجال، بعض النساء لجهلهم، ترى الرجال يسعون وتسعى مثلهم، وهذا لا ينبغي أن تفعله المرأة؛ لأن المرأة -يعني- عورة وفتنة، فيكون هذا الحكم خاصا بالرجال، وهكذا إذا كان مع الرجل رفقة من نساء أو كبار السن، فلا يسعى؛ حتى لا يشق على من معه». قال «ثم يمشي حتى يرقى المروة، فيصنع عليها مثل ما صنع على الصفا؛ يعني يصعد على المروة، ثم يستقبل القبلة، ثم يكبر ثلاثا، ويأتي بهذا الدعاء، ثم يدعو بعده، ثم يأتي به مرة ثانية، ثم يدعو، ثم يأتي به مرة ثالثة، ثم يدعو، ثم ينطلق إلى الصفا، ويفعل في الصفا مثل ما فعل في المرة الأولى، وهكذا يفعل في المروة إذا ذهب مرة ثانية». قال «وهذا شوط؛ يعني الذهاب من الصفا إلى المروة شوط، والرجوع من المروة إلى الصفا شوط، فيبدأ بالصفا وينتهي بالمروة؛ الذهاب شوط والرجوع شوط». قال «ثم من المروة إلى الصفا شوط آخر؛ حتى يتم السعي سبعة أشواط، وهذا سعي الحج للمفرد والقارن، ولا يتحللان بعده؛ بل يبقيان بإحرامهما، وهو سعي العمرة للمتمتع؛ المفرد والقارن عليهما سعي واحد، عليهما سعي واحد؛ إذا سعى بعد طواف القدوم، فهذا السعي يكون للحج، وللعمرة بالنسبة للقارن يكون هذا سعيه للعمرة والحج، فإذا طاف طواف الإفاضة في اليوم العاشر، لا يلزمه أن يسعى بين الصفا والمروة؛ لا يلزمه أن يسعى بين الصفا والمروة، فيكفيه هذا السعي الذي سعى بعد طواف القدوم، بخلاف المتمتع؛ المتمتع يسعى بعد طواف العمرة، ويسعى مرة أخرى بعد طواف الإفاضة؛ فالمتمتع عليه طوافان وعليه سعيان، أما المفرد والقارن فعليهما طواف واحد وسعي واحد؛ يعني طواف الحج وهو طواف الإفاضة، وسعي واحد وهو سعي الحج، فإذا سعى بعد طواف القدوم أجزأ ذلك عن سعي الحج، وإن لم يسع بعد طواف القدوم فإنهما يسعيان بعد طواف الإفاضة». قال «ويتحلل المتمتع من عمرته بتقصير شعره؛ ثم يلبس ملابسه»، قوله «بتقصير شعره» هذا إذا كانت العمرة قريبا من الحج، إذا كانت العمرة قريبا من الحج، أما إذا اعتمر في أوائل أشهر الحج -كآخر شوال أو في أوائل ذي القعدة- فالأفضل أن يحلق؛ الأفضل أن يحلق؛ لأن هناك فترة طويلة سينبت فيها شعر الرأس، لكن قوله «بتقصير شعره» هذا إذا كانت العمرة قريبا من الحج؛ فالتقصير أفضل؛ حتى يبقى عنده شعر يحلقه في انتهائه من الحج. قال «ثم يلبس ملابسه؛ لأن المتمتع يتحلل تحللا كاملا، فيلبس الملابس العادية بعد أن -يعني- يقص شعره، انتهت عمرته، وصار بذلك حلالا، فيلبس ملابسه العادية». قال «حتى إذا كان يوم التروية، وهو يوم الثامن من ذي الحجة، يوم الثامن من ذي الحجة يسمى بيوم التروية؛ قيل: لأنهم كانوا يرتوون فيه الماء؛ كانوا يرتوون فيه الماء». قال «أحرم المتمتع بالحج من مكانه، وكذا غيره من المحلين بمكة وقربها؛ يعني إذا تحلل من عمرته، فإن بقي في مكة، وجاء اليوم الثامن، أهل بالحج من محله، من مكة، أو كان في جدة، أحرم بالحج من محله». قال «وكذا غيره من المحلين بمكة وقربها؛ يعني ممن هم في سكان مكة وجواريها وحواليها، فإنهم يحرمون بالحج من أماكنهم؛ لأنه ليس بينهم وبين الحرم ميقات». قال «ويستحب له أن يفعل ما فعله عند الميقات من الاغتسال والتطيب والتنظف، ويتوجه جميع الحجاج إلى منى ملبين؛ يعني يلبون بالتلبية: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك». قالوا «يصلون في منى الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر، بقصر رباعية من غير جمع؛ هكذا فعل النبي عليه الصلاة والسلام، صلى هذه الصلوات في منى في اليوم الثامن، قصرا من غير جمع؛ يعني يصلي الظهر في وقتها ركعتين، ثم يصلي العصر في وقتها ركعتين، ثم يصلي المغرب ثلاث ركعات، ثم يصلي العشاء ركعتين في وقتها، ثم يصلي الفجر ركعتين». قال «ثم في صبيحة اليوم التاسع يسير الحاج إلى عرفة؛ المبيت بمنى في اليوم الثامن -مر معنا- أنه مستحب وليس بواجب؛ مستحب وليس بواجب». قال «ثم في صبيحة اليوم التاسع، الذي هو يوم عرفة، يسير الحاج إلى عرفة، فإن تيسر له أن ينزل بنمرة إلى الزوال فحسن؛ إن تيسر أن ينزل ويستريح بنمرة -وهي موضع قبل عرفة- قبل عرفة، النبي عليه الصلاة والسلام نزل فيها إلى أن زالت الشمس، وهي قبل عرفة، واختلف أهل العلم: هل النزول فيها نسك من أنساك الحج، أو أن النزول فيها من أجل الاستراحة؟ والأظهر أنها لأجل الراحة». قال «وإذا زالت الشمس خطب الإمام أو نائبه خطبة قصيرة، ثم يصلي الظهر والعصر قصرا وجمعا في وقت الظهر؛ إذا زالت الشمس خطب الإمام الناس خطبة عرفة، فيعظ الناس ويذكرهم بما يحتاجون إليه من وعظ وتذكير في ذلك الموطن، ثم يؤذن للصلاة، ثم يصلي الظهر، ويصلي بعدها العصر جمعا وقصرا -جمع تقديم-، فيصلي الظهر ركعتين، ثم يصلي بعدها العصر ركعتين، والحكمة من ذلك -كما ذكر أهل العلم- لأمرين: الأمر الأول؛ حتى يطول الوقت؛ حتى يطول الوقت في استغلال الوقوف بعرفة بالدعاء والتضرع إلى الله جل وعلا، والخضوع بين يديه، والتذلل بين يديه، والأمر الثاني؛ استغلال اجتماع الناس؛ استغلال اجتماع الناس؛ لأنهم إذا تفرقوا بعد الصلاة سيذهبون كل واحد يجلس في -يعني- محل من حدود عرفة، يشتغل بالدعاء والتضرع لله جل وعلا، فكان من المناسب أن يستغل اجتماعهم فيصلون صلاة الظهر والعصر جمع تقديم». قال «ثم يدخل عرفة، ويجب على الحاج أن يتيقن أنه في داخل حدود عرفة؛ هنا الآن يبدأ الوقوف بعرفة، الذي هو من أعظم أركان الحج، يكون بعد زوال الشمس، بعد صلاة الظهر والعصر، يقف في عرفة، المراد بالوقوف: البقاء والمكث؛ البقاء والمكث، ليس المقصود أن يبقى قائما من الظهر إلى غروب الشمس، لا، المراد أنه يكون في هذا المكان ماكثا في هذا المكان، سواء قائما أو جالسا أو متجعا، نعم، ويتأكد أنه في حدود عرفة؛ هناك علامات تبين حدود عرفة، فلابد للحاج أن يتأكد ويتيقن أنه في داخل حدود عرفة، بعض الناس ربما يجلس خارج عرفة بسبب الجهل، ربما يبقى في خارج عرفة إلى غروب الشمس، ثم ينطلق إلى مزدلفة، هذا ما يكتب له حج؛ لأنه أضاع ركنا من أركان الحج، وهو الوقوف بعرفة، فلابد من أن يتأكد من أنه في داخل حدود عرفة». قال «ويستقبل القبلة، ويرفع يديه، يدعو، ويلبي، ويحمد الله، ويجتهد في التضرع والذكر والدعاء في ذلك اليوم العظيم، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: «ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبدا من النار من يوم عرفة؛ إنه ليدنو، ثم يباهي بهم الملائكة» الحديث في صحيح مسلم من حديث عائشة رضي الله عنها، فهو يوم عظيم للعتق من النار، فيستغل الحاج ذلك الوقت بتضرعه إلى الله جل وعلا، ودعائه، واستغلال وقته بالتلبية والذكر». قالوا «أفضل ما يقال في ذلك اليوم: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، والحديث رواه الترمذي من حديث عبد الله بن عمر، ورواه الإمام أحمد من حديث عبد الله بن عمر، ويذكر الله عز وجل بما يتيسر، يقرأ قرآن، وإن -يعني- يتعب من كثرة تكرار التلبية، يقرأ قرآن، يدعو بهذا الدعاء أو بغيره، المهم أنه يشغل وقته بذكر الله جل وعلا». قال «ويكون في ذلك اليوم مفطرا؛ لأنه أقوى له على العبادة، وهذا الذي فعله النبي صلى الله عليه وسلم؛ أنه أفطر في يوم عرفة، أفطر مع أن استحباب صيام هذا اليوم مستحب، لكن لمن لم يكن في عرفة، وأما من كان في عرفة فالأفضل في حقه أن يفطر؛ حتى يتقوى على العبادة في ذلك اليوم، وفي تلك اللحظات التي يقف فيها في عرفة». قال «ولا يزال واقفا متضرعا متذللا إلى أن تغرب الشمس، فإذا غربت أفاض من عرفة؛ علمنا أن الوقوف بعرفة إلى غروب الشمس واجب من واجبات الحج، فلابد للحاج أن يقف ويبقى في عرفة إلى أن تغرب الشمس، ويسقط قرص الشمس، فإذا غابت الشمس دفع وانطلق إلى مزدلفة، ويكون انطلاقه بسكينة؛ علمنا أن الوقوف بعرفة إلى غروب الشمس واجب من واجبات الحج، فلابد للحاج أن يقف ويبقى في عرفة إلى أن تغرب الشمس، ويسقط قرص الشمس، فإذا غابت الشمس دفع وانطلق إلى مزدلفة، ويكون انطلاقه بسكينة؛ يعني بهدوء وطمأنينة، لا يكون بسرعة وإزعاج وصياح، هكذا فعل النبي عليه الصلاة والسلام؛ أنه انطلق من عرفة إلى مزدلفة بسكينة، كما جاء في حديث جابر: أن النبي صلى الله عليه وسلم أردف خلفه أسامة بن زيد، ودفع عليه الصلاة والسلام عليه السكينة، وكان يقول: «أيها الناس السكينة السكينة؛ فإن البر ليس بالإيضاع»». قال «ويسير ملببا حتى يأتي مزدلفة؛ يعني في انطلاقه من عرفة إلى مزدلفة، مزدلفة يلبي: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك... إلى آخر التلبية، يكررها حتى يصل إلى مزدلفة، ومزدلفة هي المشعر الحرام، المشعر الحرام بين عرفة ومنى، وسميت بذلك؛ لأنها أقرب المشعرين إلى الكعبة؛ أقرب المشعرين إلى الكعبة، فهي أقرب المشاعر إلى الكعبة، فلذلك سميت بمزدلفة، وقيل: سميت أيضا بالمشعر الحرام؛ لإخراج المشعر الحلال، وهو عرفة؛ فعرفة ليست من الحرم، ولهذا سميت مزدلفة بالمشعر الحرام؛ لإخراج المشعر الحلال، وهو عرفة، نعم، وتسمى أيضا «جمعا»؛ تسمى مزدلفة «جمعا»، وسميت بذلك؛ لاجتماع الناس فيها، في ليلة مزدلفة». قال «حتى يأتي مزدلفة، فيصلي بها المغرب والعشاء جمعا، ويقصر العشاء؛ يعني يصلي العشاء ركعتين، يصلي العشاء ركعتين؛ هذا إذا تيسر، إذا تيسر أن يصل إلى مزدلفة في وقت المغرب أو في وقت العشاء، فيصلي فيها المغرب والعشاء، لكن إذا تأخر بسبب الزحام، وخشية أن يخرج وقت الصلاة، فلا يصلي إلا بعد منتصف الليل؛ فهنا يصلي في الطريق، يصلي في الطريق، ولا يجعل وقت الصلاة يخرج». قال «ورخص للضعفة أن يخرجوا من مزدلفة بليل، ويبقى القوي في مزدلفة حتى يصلي الفجر؛ رخص النبي عليه الصلاة والسلام للضعفة من النساء وكبار السن أن يخرجوا من مزدلفة بليل؛ يعني ينطلقوا إلى منى، وهذا الانطلاق يكون بعد مضي أكثر الليل، بعد مضي أكثر الليل، ويكون ذلك بعد غياب القمر، كما فعلت أسماء بنت أبي بكر رضي الله تعالى عنهما، ودليل هذا الترخيص جاء في الصحيحين من حديث ابن عمر، ومن حديث ابن عباس: أن النبي عليه الصلاة والسلام أذن للضعفة أن يدفعوا من مزدلفة ليلا؛ أذن لهم أن يدفعوا من مزدلفة ليلا، وأما الذين معهم من كان مرافقا لهم من الأقوياء، فإنه يذهب معهم، وأما من لم يكن له أحد، وليس معه أحد من الضعفاء، فيبقى في مزدلفة حتى يصلي فيها الفجر». قال «ويبقى القوي في مزدلفة حتى يصلي الفجر، ثم يستقبل القبلة، ويحمد الله، ويكبره، ويهلله حتى يسفر جدا؛ يعني يصلي الفجر في أول وقته -هذا في اليوم العاشر- هذا في اليوم العاشر، يصلي الفجر في أول وقته في مزدلفة، ثم يتوجه إلى القبلة، ويدعو، ويحمد الله، ويكبره، ويهلله حتى يسفر؛ يعني يسفر الفجر، وقبل طلوع الشمس ينطلق إلى منى». قال «ثم يدفع من مزدلفة قبل طلوع الشمس، وعليه السكينة ملببا؛ ثم يتلقط سبع حصيات من الطريق؛ حتى يرمي بها جمرة العقبة، نعم، فيأخذ الحصى من الطريق أو عند الجمرة، ولا يشترط أن يأخذها من وادي محسر -كما قال بعض أهل العلم-؛ لأن هذا ليس عليه دليل، فيأخذها عند الجمرة؛ النبي عليه الصلاة والسلام لما أتى إلى الجمرة، قال ابن عباس: «ناولني الحصى»، فناوله الحصى، فقال: «بمثل هذا فارموا، وإياكم والغلو؛ فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو»». قال «حتى إذا أتى جمرة العقبة رماها بسبع حصيات، يكبر مع كل حصاة، ويقطع التلبية؛ جمرة العقبة ترمى في اليوم العاشر ضحى، بعد طلوع الشمس، وأما بقية الجمرات فلا ترمى إلا في أيام التشريق، في اليوم العاشر ترمى جمرة العقبة، وهي الجمرة الكبرى، الجمرة الكبرى ترمى وحدها في اليوم العاشر، وأما الصغرى والوسطى فهذه ترمى في اليوم الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر». قال «رماها بسبع حصيات، وهذه الحصيات كحصى الخذف؛ يعني صغيرة مثل حبة الحمص أو أكبر منها قليلا». قال «يكبر مع كل حصاة؛ يعني إذا بدأ برمي الجمار، يوقف التلبية، هو في هذا الوقت يلبي: لبيك اللهم لبيك... إلى آخره، فإذا بدأ -أراد أن يبدأ- برمي الجمرات يقطع التلبية، ثم يكبر مع كل حصاة: الله أكبر، ويرمي الحصاة: الله أكبر، ويرمي الثانية، وهكذا حتى ينتهي من السبع، ويحرص على أن تقع الحصاة داخل الحوض؛ ليس المقصود هو رمي الشاخص، كما أن المقصود سقوط الحصاة داخل الحوض». قال «ويقطع التلبية، ثم ينحر هديه؛ يعني إن كان معه هدي، بعد أن يرمي جمرة العقبة يذهب فينحر هديه، أو يذبح إن كان معه غنم، ويستحب أن يأكل منه -كما مر معنا-، وكما فعل النبي عليه الصلاة والسلام؛ أنه نحر ما أهداه، وأمر بكل منها بقطعة، فطبخت، وأكل من لحمها، وشرب من مرقها». قال «ثم يحلق رأسه، ثم يطوف طواف الإفاضة؛ أعمال الحج في اليوم العاشر أربعة: رمي جمرة العقبة، ثم النحر أو الذبح، ثم الحلق، ثم طواف الإفاضة، هذه أربع أعمال يعملها الحاج في اليوم العاشر، وهي على هذا الترتيب: الرمي، ثم النحر، ثم الحلق، ثم الطواف، فإن قدم أو أخر فلا حرج عليه؛ ليس عليه حرج؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم سئل في اليوم العاشر عن من قدم أو أخر في أفعال في هذه الأفعال، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «افعل ولا حرج»، وقول «افعل ولا حرج» هذا من باب -يعني- التخفيف والتيسير؛ أنه ليس عليك شيء، ليس عليك حرج، وإلا بالأصل الذي ينبغي أن تأتي بها مرتبة، فإن جهلت الترتيب أو نسيت أو أخطأت فعملك صحيح، ولا يلزمك أن تعيد؛ فلا حرج عليك في تقديم هذه الأعمال بعضها على بعض». قال «ويسعى سعي الحج إن كان متمتعا أو كان مفردا أو قارنا ولم يسع مع طواف القدوم؛ قلنا إن المفرد والقارن عليهما سعي واحد، فإذا سعيا بعد طواف القدوم كفاهما ذلك عن سعي الحج، وإذا لم يسعيا فإنهما يسعيان بعد طواف الإفاضة، وهذا وهذا الذي فعله النبي عليه الصلاة والسلام، ومن كان معه ممن حج قارنا، قال جابر رضي الله عنه: «لم يطف النبي عليه الصلاة والسلام ولا أصحابه بالصفا والمروة إلا طوافا واحدا؛ طوافه الأول، لم يطف النبي صلى الله عليه وسلم ولا أصحابه بين الصفا والمروة إلا طوافا واحدا؛ طوافه الأول -أي الذي طافه بعد طواف القدوم-، فكفاه ذلك عن سعي الحج، أما من تمتع فإنه يسعى بعد طواف العمرة، ويسعى مرة أخرى بعد طواف الإفاضة». قال «ويسعى سعي الحج إن كان متمتعا أو كان مفردا أو قارنا ولم يسع مع طواف القدوم؛ فإن سعى كفاه ذلك عن سعي الحج؛ فلا يحتاج أن يسعى مرة أخرى». قال «والسنة ترتيب هذه الأعمال: الرمي، فالذبح، فالحلق أو التقصير، فإن قدم واحدا منها على آخر فلا حرج؛ وذلك ما سمعنا؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن من قال: «رميت قبل أن أحرم أو حلقت قبل أن أرمي»، قال: «افعل ولا حرج»، «نحرت قبل أن أرمي»، قال: «افعل ولا حرج»، ما سئل عليه الصلاة والسلام عن شيء قدمه ولا أخره إلا قال: «افعل ولا حرج»». قال «وإذا فعل اثنين من ثلاثة أعمال: رمى جمرة العقبة، والحلق أو التقصير، والطواف مع السعي إن كان عليه السعي؛ إن كان عليه السعي، تحلل التحلل الأول، وحل له كل شيء حرم عليه بالإحرام إلا النساء». قال «إذا فعل اثنين من ثلاثة أعمال: رمى جمرة العقبة، وحلق أو قصر، والطواف مع السعي إن كان عليه السعي؛ تحلل التحلل الأول»، اختلف أهل العلم: بماذا يعني يحصل للمحرم التحلل الأول؟ من أهل العلم من قال: يحصل له التحلل الأول برمي جمرة العقبة وحدها؛ إذا رمى جمرة العقبة حل التحلل الأول، وحل له كل شيء إلا النساء، واستدلوا بحديث: «إذا رميتم فقد حل لكم كل شيء»، والحديث رواه الإمام أحمد، عن ابن عباس، وفيه انقطاع، ومنهم من قال: إذا رمى جمرة العقبة وحلق؛ إذا رمى جمرة العقبة وحلق، فإنه يتحلل التحلل الأول، وورد في ذلك حديث عائشة: «إذا رميتم وحلقتم فقد حل لكم كل شيء إلا النساء»، والحديث فيه حجاج بن أرطأة، وهو ضعيف؛ فلم يصح شيء صريح في ذلك، لكن قول عائشة رضي الله عنها: «كنت أطيب رسول الله صلى الله عليه وسلم لحله قبل أن يحرم، ولحله قبل أن يطوف بالبيت»، فجعلت استعماله للطيب استعماله للطيب قبل أن يطوف طواف الإفاضة؛ قالت: «وليحله قبل أن يطوف بالبيت»، والأعمال التي يعملها الحاج قبل طواف الإفاضة هي هذه الثلاثة الأعمال: رمي جمرة العقبة، والذبح، والحلق، هذا في إشارة إلى أن التحلل الأول يكون بهذه الأعمال الثلاثة، وأيضا بقول النبي عليه الصلاة والسلام: «وإن معي الهدي فلا أحل حتى أنحر؛ فلا أحل حتى أنحر»، يدل أن المحرم ما يحل من إحرامه حتى ينحر هديه؛ حتى ينحر هديه، فلذلك الأظهر أنه لا يتحلل التحلل الأول إلا بعد أن يأتي بهذه الثلاثة الأعمال: رمي جمرة العقبة، والذبح، والحلق، إذا أتى بها فإنه يتحلل التحلل الأول، ويحل له كل شيء إلا النساء. قال «فإذا فعل الثلاثة تحلل التحلل الأكبر؛ فيحل له كل شيء حتى النساء؛ حتى النساء؛ يعني إذا رمى الجمرة، وحلق، وطاف طواف الإفاضة مع السعي إذا كان متمتعا، فيحل له كل شيء حتى النساء». قال «ويبيت بمنى ليلة الحادي عشر والثاني عشر وجوبا؛ ومرة معنا أن من واجبات الحج المبيت بمنى -أي ليالي التشريق-». قال «ويرمي الجمرات الثلاث يوم الحادي عشر، بادئا بالصغرى ثم الوسطى ثم الكبرى، وكذلك في اليوم الثاني عشر، وفي الثالث عشر إذا تأخر؛ هذه الجمرات الثلاث ترمى في أيام التشريق، يبدأ بالصغرى ثم الوسطى ثم الكبرى». قال «ويبدأ وقت الرمي من الزوال إلى طلوع الفجر؛ يبدأ من الزوال إلى طلوع الفجر؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم حدد أوله ولم يحدد آخره؛ فيستمر وقت الرمي إلى طلوع الفجر، فإذا كان في أول -يعني- وقت الزوال زحام، فيؤخر الحاج الرمي، فيرمي في الليل، بعد المغرب، بعد العشاء، الأمر في ذلك واسع، لكن لا يرمي قبل الزوال؛ الجمرات في أيام التشريق لا ترمى قبل الزوال، وإنما ترمى بعد الزوال، ولك بعد ذلك إلى قبل الفجر». قال «وإذا رمى الجمرة الصغرى سن له أن يتقدم قليلا عن يمينه، ويقوم مستقبلا القبلة رافعا يديه يدعو، وإذا رمى الجمرة الوسطى سن له أن يتقدم ويأخذ ذات الشمال، ويستقبل القبلة، ويقوم طويلا يدعو رافعا يديه، ولا يقف بعد جمرة العقبة؛ يعني إذا رمى الجمرات الثلاث في أيام التشريق، يبدأ أولا بالصغرى، فيرميها بسبع حصيات، يكبر مع كل حصاة، فإذا انتهى تقدم وذهب إلى جهة اليمين، واستقبل القبلة، فيرفع يديه ويدعو، ثم يرمي الجمرة الوسطى، فإذا انتهى ذهب إلى جهة الشمال، وتوجه إلى جهة القبلة، ويدعو يدعو بما يتيسر من الدعاء، ثم يرمي الجمرة الكبرى، فإذا رماها انطلق ولم يقف عندها؛ هكذا فعل النبي عليه الصلاة والسلام عندما رمى الجمرات في أيام التشريق، يفعل هذا في اليوم الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر إذا تأخر». قال «فإن أراد أن يتعجل فإنه يجب عليه أن يخرج من منى يوم الثاني عشر قبل غروب الشمس؛ فإن غربت عليه الشمس في منى مختارا وجب عليه مبيت ليلة الثالث عشر؛ لقول الله جل وعلا: ﴿فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه لمن اتقى﴾؛ إذن المبيت في اليوم الثالث أفضل، هذا أفضل، والذهاب جائز، لكن الأفضل والأكمل أن تبيت كذلك اليوم الثالث في منى -كما فعل النبي عليه الصلاة والسلام-، وهذا أتقى لله، هذا أتقى لله جل وعلا، لكن إذا أراد أن يتعجل فإنه يخرج قبل غروب الشمس ليلة الثالث عشر -قبل أن تغرب الشمس-، فإذا غربت بغير اختياره -هنا قال: فإن غربت عليه الشمس في منى مختارا؛ يعني باختياره، جلس يتكاسل ويتمطط حتى غربت الشمس- هنا يلزمه أن يبيت الليلة الثالثة، واليوم الثالث، أما إذا كان بغير اختياره؛ يعني جهز أمتعته وأراد الخروج، لكن بسبب الزحام وهو في الطريق غربت الشمس، هل يلزمه أن يرجع ويبيت في منى؟ الجواب: لا، ينطلق؛ لأنه لم تغرب عليه الشمس باختياره، وإنه بسبب الزحام، هو عازم على الخروج والذهاب، فإنه ينطلق». قال «ثم إذا أراد أن يخرج من مكة وجب عليه أن يطوف طواف الوداع، ويجعل آخر عهده بالبيت؛ يجعل آخر عهده بالبيت الطواف، ويسقط هذا الطواف عن الحائض والنفساء؛ يعني إذا أراد أن يخرج من مكة يجب عليه أن يطوف طواف الوداع، وهو واجب من واجبات الحج». قال «عباس أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت، إلا أنه خفف عن المرأة الحائض؛ فيجعل آخر عهده بالبيت، ثم ينطلق مسافرا، فإن تأخر طاف طواف الوداع، ثم جلس في مكة يوما أو يومين؛ هذا يلزمه أن يعيد طواف الوداع، لكن إذا تأخر بشيء مما يتعلق بأمور السفر، طاف طواف الوداع، ثم جلس يربط أغراضه أو انتظر السيارة فتأخرت حتى جاءت بعد ذلك؛ فهذا لا يلزمه أن يعيد طواف الوداع، ويسقط طواف الوداع عن الحائض والنفساء -كما قال ابن عباس- إلا أنه أخفف عن المرأة الحائض؛ هذا من باب التخفيف والتيسير؛ لأن فيه مشقة، ربما تحيض بعد انتهائها من طواف الإفاضة، فتحبس عن السفر بسبب طواف الوداع؛ فلهذا سقط، أسقط الشرع طواف الوداع عن الحائض والنفساء، وصفية رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم لما حاضت، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «أحابستنا هي؟ يعني لم تطف طواف الإفاضة»، فننتظرها حتى تطهر ثم تطوف، فتحبسنا عن السفر، قالوا: «يا رسول الله إنها قد أفاضت؛ يعني طافت طواف الإفاضة»، قال: «فلتنفر إذن؛ يعني تذهب وتنطلق»». وإذا أخر الحاج طواف الإفاضة، إذا أخره، ثم طافه عند سفره، هل يجزيه عن طواف الوداع؟ الجواب: نعم، يجزيه عن طواف الوداع، طيب إذا أخر طواف الإفاضة فطافه عند خروجه من مكة، فيجزيه طواف الإفاضة عن طواف الوداع، ويسافر، ويسافر بعد انتهائه، لكن لا يجزيه أن ينوي طواف الوداع من غير أن ينوي طواف الإفاضة؛ فهذا لا يجزيه؛ لأن طواف الوداع إنما هو واجب من الواجبات، وطواف الإفاضة ركن من أركان الحج، فلابد أن ينوي أن هذا الطواف طواف الإفاضة، ثم يدخل طواف الوداع تبعا في طواف الإفاضة. طيب هذا آخر ما يتعلق بصفة حج النبي عليه الصلاة والسلام مما ورد في حديث جابر رضي الله تعالى عنه. طيب نكتفي بهذا القدر إلى هنا، صلى الله عليه وسلم عن نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.