التعليقات على كتاب الأدب المفرد 133

الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 133، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

المرض كفارة للذنوب

يشرح المقطع أن المرض كفارة للذنوب ورحمة من الله، وأن الحمى تطهر المسلم من الذنوب. يشير إلى حديث النبي حول رجل لم يشتك من الحمى أو الصداع.

فضل الصبر وتكفير الذنوب

يذكر أهمية الصبر على المرض واحتساب الأجر، ويوضح حديث النبي حول الحمى كحظ المؤمن من النار وتكفير الذنوب. يبين معنى الحديث وتفسيره.

أحكام الموتى والمرضى ورحمة الله

يناقش حكم المغالاة في تكفين الميت وزيارته ليلا، ويبين أن المرض سبب لتكفير الذنوب. يشير إلى رحمة الله بالعبد من خلال الأمراض التي تصيبه.

  • 23 جمادى الأولى 1430هـ - 17/05/2009مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام البخاري رحمه الله بكتابه الأدب المفرد: حدثنا أحمد بن يونس، قال: حدثنا أبو بكر، عن محمد بن عمر، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: جاء عربي، فقال: النبي صلى الله عليه وسلم: هل أخذتك أم ملدم؟ قال: وما أم ملدم؟ قال: حر بين الجلد واللحم، يعني الحمى. الحمى تسميها العرب أم ملدم، ويقولون: أم ملدم آكل اللحم، وأمص الدم آكل اللحم، وأمص الدم، يعني الحمى تصفونها بهذا الوصف، تأكل اللحم، أي تنحف الجسم، وتمص الدم، أي تنشفه. وهذا معلوم إذا كانت الحمى، خاصة إذا كانت شديدة، فتجد المريض يضعف جسمه، ويذهب ما فيه من اللحم، وربما أيضا يموت بسبب الحمى إذا كانت شديدة، فإنها تنشف دمه حتى يموت. قال: فقال هذا الرجل: لا. قال: هل فصدعت؟ قال: وما الصداع؟ قال: ريح تعترض في الرأس، تضرب العروق. قال: لا، يعني أنه لم يأت الصداع أبدا. والصداع كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ريح تعترض في الرأس، تضرب العروق، تضرب العروق تجعل الرأس يتألم. وأنت تحس إذا كان عندك الصداع أن العروق تضرب. قال: لا. قال: فلما قام، قال: من سره أن ينظر إلى رجل من أهل النار، فلينظره. وهذا الحديث صحيح، قد صححه شيخ الألباني رحمه الله، وأيضا صححه شيخنا مقبل رحمه الله في الصحيح المسند. وفي هذا الحديث، كما سمعنا، بيان أن المرض الذي يبتل به العبد من الحمى أو الصداع أو غيرها، فهو كفارة له، ورحمة من الله سبحانه وتعالى له، حتى يكفر الله عز وجل عنه ذنوبه، وتطهره من المعاصي. فكان حصول هذا المرض علامة على إرادة الله سبحانه وتعالى لهذا العبد خيرا. على إرادة الله سبحانه وتعالى العبد الخير، فليس حصول المرض للعبد دليل على عدم محبة الله سبحانه وتعالى له، أو دليل على أنه على شر، لا، بل هو دليل على محبة الله سبحانه وتعالى له. وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أبي هريرة في البخاري: إذا أراد الله بعبده خيرا يصم منه، يعني يبتليه. فهذا دليل على إرادة الله سبحانه وتعالى له الخير. ومن ذلك الحمى التي تصيب العبد، فإنها سبب لتطهير ذنوبه، كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن الحمى تذهب خطايا بني آدم كما يذهب الكير خبث الحديد. إذا وضعت الحديد في النار، فإنه يصفيه وينقيه ويخرج خبثه حتى يصبح صافيا نقيا. وهكذا أيضا الحمى إذا جاءت للمسلم، فإنها تطهره وتصفيه من الذنوب. فإذا ابتلي بذلك العبد، عليه أن يصبر، ويحتسب، ويعلم أن ذلك خير أراده الله سبحانه وتعالى له. وجاء في الصحيح أن رجلا كبيرا عاده النبي عليه الصلاة والسلام، فقال له: طهور. وكان يتألم، قال له: طهور إن شاء الله. قال: طهور، بل حمى تفور على شيخ كبير تزوره القبور. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: فنعم إذن، فمات ذاك الرجل. فالشاهد من ذلك أنه ينبغي للمسلم أن يصبر، وأن يحتسب. وقد ثبت عند الطبراني وغيره من حديث ابن مسعود رضي الله تعالى عنه، وصححه العلامة الألباني رحمه الله، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: الحمى حظ المؤمن من النار. يوم القيامة. وهذا الحديث صحيح. ومعنى كما قال ابن القيم رحمه الله: أن الحمى حظ المؤمن من النار، ليس معناه أن المؤمن إذا أتته الحمى لا يرد النار، بل يردها، ولكن مجيء الحمى في الدنيا تكون سببا في تخفيف وتسهيل المرور عليها، فيكون مروره سريعا. وبعض أهل العلم أنكر هذا الحديث، كالإمام العربي رحمه الله، وظن بأنه يعارض ما ذكر الله سبحانه وتعالى من الورود على النار. وأنكر عليه بعض أهل العلم، ومنهم المناوي رحمه الله في فيض القدير. والحديث صحيح. ومعنى كما قال ابن القيم رحمه الله: أن الحمى تكفر عنه خطاياه، فتسهل عليه المرور والورود على النار. وهذا أيضا الصداع كذلك، الصداع الذي يصيب المسلم، وهو سبب لتخفيف ذنوبه وتكفير بعض ذنوبه. فإذا أصاب المسلم ذلك، فعليه أن يصبر، ويحتسب. وفي هذا الحديث كذلك بيان أن النبي عليه الصلاة والسلام كان عنده علم بالطب. والنبي صلى الله عليه وسلم لا يتكلم إلا بوحي من الله عز وجل. وما ينطق عن الهوى، إنه إلا وحي يوحى. فكان يعلم عليه الصلاة والسلام أن الصداع هو ريح تعترض في الرأس وتضرب العروق. وهكذا أيضا أن الحمى حرارة بين اللحم والجلد. قال رحمه الله: باب العيادة جوف الليل. قال: حدثنا عمران بن ميسرة، قال: حدثنا ابن فضيل، قال: حدثنا حسين، عن سفيان بن سلمة، عن خالد بن الربيع. وخالد بن الربيع هذا، قال أبو حاتم فيه شيخ. وكلمة شيخ عند أبي حاتم جرح لا يقبل حديثه إذا تفرد، لكن في الشواهد يقبل. ومعنى أنه ضعيف. قال: لما ثقل حذيفة، سمع بذلك رهطه والأنصار، فأتوه في جوف الليل أو عند الصبح. قال: فأي ساعة هذه؟ قلنا: جوف الليل أو عند الصبح. قال: أعوذ بالله من صباح النار. قال: جئتم بما أكفن به؟ قلنا: نعم. قال: لا تغالوا بالأكفان، فإنه إن يكن لي عند الله خير، بدلت به خيرا منه. أو بدلت منه خيرا. وإن كانت الأخرى، صلبت سلبه سريعا. قال: وأمن إدريس أتيناه في بعض الليل. وهذا الأثر لا يصح. وإن كان لبعض ألفاظه الشواهد تدل على صحة معناه، وهو قوله: لا تغالوا بالأكفان. فقد ورد معنا ذلك في أحاديث، وبعضها ضعيفة: لا تغالوا بالأكفان، فإنه يسلب سريعا. وثبت عن أبي بكر رضي الله تعالى عنه أنه قال: الحي أولى بالجديد. وثبت في السنة من حديث جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إذا كفن أحدكم أخاه، فليحسن كفنه. وإحسان الكفن لا يكون بالمغالاة فيه، وإنما يكون باختيار الثوب الأبيض، وهكذا ما كان نظيفا، وما كان موافقا للسنة. والمغالاة في الأكفان ليس من السنة، بل هو خلاف السنة. وقد كان الصحابة رضي الله تعالى عنهم إذا مات أحدهم، يكفن بما يتيسر من ثياب. ربما أحدهم لا يوجد إلا نمرة، إن غطي بها رأسه بدت رجله، وإن غطيت بها رجله بدا رأسه، كما فعل بمصعب بن عمير رضي الله تعالى عنه. فليس المقصود بالكفن هو المغالاة فيه والإسراف والتبذير، المقصود هو ستر هذا الميت. فذلك يجزئ، لا يشترط أن يشترى له كفن جديد، لا يشترط ذلك. لكن لو تصدق عليه أحد بذلك، فلا بأس من غير إسراف أو تبذير. وأما زيارته في جوف الليل، فهذا إذا لم يكن في ذلك مشقة على المريض، فلا بأس. إذا كان يعلم منه أنه ليس في ذلك مشقة عليه، أو كان في لحظة هي مثلا من آخر لحظاته في الدنيا، أو عند سكرات الموت، أو عند اشتداد مرضه، ويحب أن يزوره أصحابه، فلا بأس. قال: وحدثنا إبراهيم بن المنذر، قال: حدثنا عيسى بن المغيرة، عن ابن أبي ذيب، عن جبير بن أبي صالح، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة رضي الله عنها، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: إذا اشتكى المؤمن، أخلصه الله كما يخلص الكير خبث الحديد. وهذا الحديث صححه الشيخ الألباني رحمه الله في الصحيحة. وجبير بن أبي صالح هذا مجهول، قال الذهبي رحمه الله: لا يدرى من هو. لكن صححه الشيخ الألباني رحمه الله، لأنه قد جاء من طرق أخرى بغير ذكر جبير بن أبي صالح. من رواية ابن أبي ذيب، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة. والذين رووا هذا السند بإسقاط جبير بن أبي صالح ثقات، فتكون الرواية صحيحة. وأيضا معنى الحديث يؤيده كذلك الأحاديث الكثيرة التي في معناه، بأن المرض سبب لتكفير السيئات والذنوب. إذا اشتكى المؤمن، يعني من أي مرض، من أي مرض يشتكي منه ويتألم منه، فإنه يكون سببا في تخليصه من الذنوب. قالوا: حدثنا بشر، قال: حدثنا عبد الله، قال: أخبرنا يونس، عن الزهري، قال: حدثني عروة، عن عائشة رضي الله عنها، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: ما من مسلم يصاب بمصيبة وجع أو مرض، إلا كان كفارة لذنوبه، حتى الشوكة يشاكها، أو النكبة. والحديث في الصحيحين. والنكبة يعني ما يصيبه من حوادث. فما من مصيبة تصيب المسلم من وجع يتألم، من صداع أو وجع في البطن، أو وجع في القدم، أو وجع في اليد، أو مرض من الأمراض، إلا كان كفارة لذنوبه، يعني كفر الله سبحانه وتعالى عنه ذنوبه بسبب هذا المرض. حتى الشوكة يشاكها، حتى الشوكة إذا دخلت في قدمه أو في يده، فإنها تكون سببا في تكفير ذنوبه. حتى الشوكة يشاكها، إذا كانت الشوكة تكون سببا في تكفير ذنوبه، فما هو أعظم من الشوكة أولى. وهكذا النكبة، أي الحادث الذي يصيبه، فإنه كذلك سببا لتكفير ذنوبه. وهذا كله من رحمة الله سبحانه وتعالى بالعبد، أن جعل له أسبابا تطهره من الذنوب، وتطهره من الخطايا، ومنها الأمراض والأوجاع التي تصيبه.