كتاب الجنايات 10

الدرس في كتاب الجنايات 10، ألقاها

تعريف القسامة ومشروعيتها

القسامة هي الأيمان المكررة في دعوة القتيل المعصوم وتثبت بها القصاص أو الدية إذا لم تقترن الدعوى ببينة أو إقرار. وهي مشروعة بنص حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وفعل الخلفاء الراشدين.

مشروعية القسامة ودليلها من السنة

يستدل بحديث سهل بن أبي حثمة لبيان كيفية تطبيق القسامة في إثبات الحقوق وإقامة العدل. يُفصّل شروط القسامة وأحكامها مثل وجود اللوث وعدد الحلفاء وأثر القسامة في إثبات القصاص أو الدية.

شروط و صفة القسامة وتطبيقها

بين الشروط اللازمة لصحة الدعوى بالقسامة مثل وجود اللوث وأن يكون المدعى عليه مكلفا. كما تطرق إلى صفة القسامة حيث يبدأ بالمدعين فيحلفون خمسين يمينا، فإن أبوا يحلف المدعى عليه خمسين يمينا.

حكم دفع الدية من بيت المال في حالة العجز

يتم دفع الدية من بيت المال لتلافي إهدار دم المسلم في حالة عدم القدرة على تحمل الدية. هذا الحكم يأتي في إطار الحفاظ على حقوق المسلمين وتجنب الظلم.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومسيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، الباب الثالث في القسامة، وفيه مسائل. أي مدخل في أحكام القسامة، وتضمن هذا المدخل الكلام على أحكام ومسائل القسامة. المسألة الأولى: تعريفها وحكمها وحكمتها. أولًا: تعريفها، أي تعريف القسامة. القسامة لغة مصدر، مصدر قولهم أقسم يقسم قسامة وقسامة، أي حلفًا حلفًا. فهو مأخوذ من القسم. يقال أقسم، مأخوذ من أقسم يقسموا أقسامًا وقسامة. وشرعًا هي الأيمان المكررة في دعوة القتيل المعصوم، سميت بذلك لأن الأيمان تقسم على أولياء القتيل، فيحلفون خمسين يمينًا أن المدعى عليه قتل صاحبهم. وصورتها أن يوجد قتيل لا يعرف قاتله، فتجري القسامة على الجماعة التي ينحصر فيها إمكان القتل، وذلك إذا توافرت الشروط الآتي ذكرها. طيب القسامة أو القسامة شرعًا، كما ذكرها، هي الأيمان المكررة، ونصابها خمسون يمينًا، أي أن يحلف خمسون شخصًا خمسين يمينًا على إثبات دعوى أن صاحبهم قتله الشخص الفلاني أو الطائفة الفلانية أو القبيلة الفلانية أو ما شابه ذلك مما لم تثبت فيه بينة واضحة صريحة. ولابد فيه، كما سيأتي معنا بإذن الله جل وعلا، من لوث، وهي التهمة التي لأجلها أقسم المدعون على أن القاتل هو الشخص ذاك بعينه أو تلك القبيلة بعينها أو البلد بعينها أو ما شابه ذلك، كأن يكون بينهم عداوة أو أن يكون بينهم توعد بالقاتل أو ما شابه ذلك. وليس ثم بينة تثبت القاتل، ليس ثم بينة تثبت القاتل. يعني مثاله أن يشتجر أو يحصر تشاجر أو يتلاسن رجلان، فأحدهما يقول لآخر لئن وجدتك أمامي لأقتلنك، ثم بعدها لفترة قصيرة يوجد ذلك المتوعد بالقاتل أنه قتل، وتوجد مثلا بعض العلامات الدالة على أن ذلك الذي وعده بالقتل هو القاتل، وليس ثم بينة، ليس ثم بينة. ففي هذه الحالة، أولياء المقتول يرفعون الدعوة للحاكم أن فلانًا هو القاتل، وحينها الحاكم يطلب منهم البينة، إما بالشهود وإما بإقرار القاتل على القتل. فإن انتفى الأمران، انتقل إلى أمر القسامة. يقول لهم الحاكم حينها: ائتوني بخمسين رجلًا من عصبة ذلك الرجل أو من قبيلته أو من أقربائه، يحلفون خمسين يمينًا أن فلانًا هو القاتل. ويستحقون صاحبهم، أي إذا حلف الخمسون يدفع إليهم ذلك القاتل. فإن أبوا، فإن أبوا، ألزم المدعى عليه أن يقسم خمسون رجلًا منهم بأنهم برآء من تلك الفعلة. فإن أقسموا برئوا، وإن أبوا أو أبى بعضهم ألزموا بالدية. وإن رفض المدعون القسامة من جهتهم، ورفضوا كذلك القسامة لتبرئة الساحة الآخرين من جهة الآخرين، إما لأنهم قوم كفار وإما أنهم قوم فساق، فيخشى أن يكذبوا، فحينها تسقط الدعوى على الطرف الثاني، فلا يلزموا بشيء. وحينها يدفع الحاكم الدية من بيت المال، كما فعل ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم في الأنصاري الذي قتلته يهود، وهو عبد الله بن سار، كما سيأتي معنا. فهذه هي صورة القسامة، وهذه مسألة القسامة التي تقدم ذكرها. الثاني: مشروعيتها، أي ما الدليل على مشروعية القسامة؟ قالوا: وهي مشروعة، ويثبت بها القصاص أو الدية. القصاص كما تقدم، أو الدية كذلك كما تقدم. قصاص كان، يشهد خمسون أن فلان هو القاتل بعينه، أو خمسون يشهدون على جهة معينة بأنهم هم القاتلون دون تعيين شخص معين، فهؤلاء يستحقون الدية. قالوا: وهي مشروعة، ويثبت بها القصاص أو الدية إذا لم تقترن الدعوى ببينة أو إقرار. أما إذا كان هناك بينة، كان يكون شهد رجلان عدلا على ذلك، فحينها لا يحتاجون إلى قسامة. لماذا؟ لا يحتاجون إلى قسامة؟ لأن البينة قد ثبتت، أو يقر القاتل بأنه قتل. يقر القاتل بأنه قتل، هم يدعون بأن فلان قتل، فيقول: نعم، أنا الذي قتلته. فحينها لا يحتاجون إلى القسامة. القسامة متى يحتاج إليها؟ عند عدم وجود البينة. لذا قال العلماء رحمهم الله تعالى: أن حكم القسامة أصل مستقل بذاته، ليس داخلا تحت أصل آخر. لأن أبواب القصاص والدعاوى بشكل عام، أبواب الدعاوى بشكل عام، كما هو معلوم، مرتبط بالبينات. إما أن يأتي المدعي بالبينة، فإن لم يكن ثم بينة، يقسم المدعى عليه قسمًا، وانتهى الأمر. لا يحتاجون إلى خمسين. أما في باب القسامة، وإن لم يكن ثم بينة، ليس ثم شهود، أو هناك شاهد واحد فقط عدل، رأى الحادثة، يقول: أنا أشهد أن فلانًا قتل فلانًا. هل الرجل الواحد العدل يكفي في البينة في الدماء؟ الجواب: لا يكفي. لا يكفي. إذن بينة ناقصة. فلأجل هذا، قال علماء رحمهم الله تعالى: إن القسامة أصل من أصول الأحكام، مستقل بذاته، ليس داخلا تحت أصل آخر. ويقصدون بذلك ليس داخلا تحت أصل الدعاوى، وكذلك إقامة القصاص والحدود وما شابه ذلك. لأن هذه الأبواب مبنيها على ماذا؟ على البينات. إن كان ثم بينة، عمل بها. وإلا فلا قصاص ولا حد من غير بينة. لكن في باب القسامة، وإن لم يكن ثم بينة، فإن الخمسين يمينًا من خمسين رجل من أولياء المقتول، يقوم ذلك الإقسام منهم مقام البينة. يقوم الإقسام ذلك منهم مقام البينة، فيستحقون به القصاص، أن يقتصوا من قاتل صاحبهم، أو يستحق به الدية. وهذا القول هو الذي عليه جماهير العلماء رحمهم الله تعالى، سلفًا وخلفًا. ووجد في المسألة شيء من خلاف، وذلك بسبب تعارض هذا الأصل مع الأصول الأخرى الشرعية، الدالة على أن القصاص وأبواب الدعاوى لا يأخذ بها إلا بالبينات أو بالإقرار. قالوا: فهذا الأصل خارج عن أصل الشريعة الدالة على هذا المعنى. فرد العلماء رحمهم الله تعالى القائلون بالمشروعية بأجوبة، منها أن ذلك الفعل ثابت، يعني قالوا: بأن القسامة إنما هو فعل من أفعال الجاهلية، ليست من أفعال الإسلام، ليست من فعل أهل الإسلام. فرد ذلك بأن هذه الفعلة أو القسامة، وإن كانت من أمور الجاهلية، إلا أن الإسلام أقرها، وحكم بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما سيأتي معنا في الحديث الذي رواه الشيخان. هذا أمر، والأمر الثاني: أن الخلفاء الراشدون من بعده، كذلك عاملوا بالقسامة. وهذا يدلنا على أنه ليس بمنسوخ، وليس أمرًا كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم في أول الأمر ثم تركه. بل يدل على أن الأمر استمر، وأن ذلك حكم شرعي عمل به الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم من بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم. أما الثالث، قالوا: بأن ما استشكله المانعون ليس بإشكال، إذ أن حكم القسامة حكم أو أصل مستقل بذاته، لا يندرج تحت غيره من الأحكام. قالوا: فلا إشكال في ذلك، ولا سيما وأن أصله الثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. والرابع: قالوا: هذا الحكم، لو تأملت في الحكمة منه، لعلمت المانع أنها من الأحكام الحكيمة التي صدرت ونزلت من عزيز حكيم سبحانه وتعالى. فشارع ربنا تبارك وتعالى، على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم، هذا الحكم، حفاظًا للدماء، ولا سيما كما قال علماء رحمهم الله تعالى: أن الغالب في القاتل الخفاء. أي أن الإنسان إذا أراد أن يقتل إنسانًا، الغالب أنه يتخفى عن أعين الناس حتى يقتل صاحبه. فلو سقط هذا الحكم، لم يكن القاتل إلا ببينة فقط، لنتشر القتل، وظهر الفساد. والشريعة جاءت بماذا؟ بتحصيل المصالح وتكميلها، وبإغلاق أبواب المفاسد وتقليلها. وهذا من هذا الباب. فهذا يدلنا على أن هذا الحكم حكم حكيم، من أحكام الشرع الذي أنزله الله تبارك وتعالى على نبيه صلى الله عليه وسلم. وإن كان الجاهليون يعملون به في جاهليتهم، فهذا من الأحكام التي أقرها الإسلام، كغيرها من الأحكام، كأحكام النكاح، أقرها وضبطها بضوابط، وأحكام الطلاق، أقرها وضبطها بضوابط، وأحكام البيوع، أقرها وضبطها بضوابط. أحكام كثيرة كان عليها الجاهليون، وجاء الإسلام بتقريرها، وضبطها بالضوابط الشرعية. وهذا من هذا الباب، أقرها الإسلام وضبطها بالضوابط الشرعية. قالوا: مشروعيتها، وهي مشروعة، ويثبت بها القصاص أو الدية إذا لم تقترن الدعوى ببينة أو إقرار، ووجد اللوث. اللوث، أي التهمة التي بسببها اتهم أولياء المقتول غيرهم بالقتل. قالوا: وهو العداوة الظاهرة بين القتيل والمتهم بقتله، كالقبائل التي يطلب بعضها بعضًا بالثأر. وقيل: لا يختص بذلك، أي لا يختص بذلك، بل هو أعم. لكن كما قال علماء: لا بد أن يكون هناك كذلك ماذا؟ قرينة أو لوث، هناك قرينة أو لوث، أي تهمة تدل على ماذا؟ على ذلك الإدعاء. وقيل: لا يختص بذلك، بل يتناول كل ما يغلب على الظن صحة الدعوى. وكما ترى، صدر بماذا؟ بقول كل ما يغلب على الظن صحة الدعوى. وهذا قريب من الأول، لكن دون أن يوجد تهمة أصلا. يعني مثاله: لو أن إنسان دخل على قبيلة، ليس بينها وبين القبيلة الأخرى شيء، فوقدوا إنسانًا قتيلًا في تلك القبيلة. ها هنا ماذا؟ ما هناك تهمة لوث غير موجود. لكن موجود ماذا؟ احتمال، قرينة أن يكون هم القتلى. لماذا؟ لأن القتل أين وقع؟ بين تلك القبيلة المسالمة. فبعض أهل العلم، هذا يكفي في ماذا؟ في القسامة. وآخرون قالوا: لابد من وجود ماذا؟ التهمة. لابد من وجود ماذا؟ التهمة. وكل الأمرين محتمل. أما الأول، فالأمر فيه واضح. وأما الثاني، فيعود إلى القرينة قوة وضعفًا. إذا قويت القرينة، عمل به. وإذا كانت القرينة ليس هناك قرينة إلا مجرد دعاوى، فهذا يعود إلى اجتهاد الحاكم في تقرير مثل هذا. قالوا: والدليل على مشروعيتها حديث سهل بن أبي حثمة، أن عبد الله بن سهل ومحيصة بن مسعود خرجا إلى خيبر، وخيبر كانت بلاد اليهود قبل الإجلاء، خرجا إلى خيبر من جهد أصابهما. فأتى محيصة، فأخبر أن عبد الله بن سهل قد قتل وطرح في عين أو فقير. الفقير: البئر الواسعة الفم، القريبة القعر. وقيل: الحفرة تكون حول النخل. فأتى يهود، فقال: أنتم والله قتلتموه. فقال: والله ما قتلناه. ثم أقبل حتى أتى على قومي، فذكر لهم ذلك. ثم أقبل هو وأخوه حويصة، وهو أكبر منه، وعبد الرحمن بن سهل. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لحويصة ومحيصة وعبد الرحمن: أتحلفون وتستحقون دم صاحبكم؟ أتحلفون وتستحقون دم صاحبكم؟ بمعنى أنهم إذا حلفوا خمسين يمينًا، استحقوا ماذا؟ دم صاحبهم إذا عينوه، أو ديته إذا لم يعينوه. كان يقول: نحن نتهم القبيلة الفلانية. من تتهمون؟ لا نتهم أحدًا بعينه، لكن هم بيننا وبينهم ثأر، وهم توعدونا مثلا بالقاتل. فها هنا يكون ماذا؟ ينتقل من القصاص إلى الدية، لأنهم لم يعينوا قاتلًا. بخلاف ما إذا عينوا، قالوا: ونحن نتهم فلانًا، لأنه مثلا هو الذي كان يسعى في القتل، كان يكون ولد صاحب الثأر، أبو صاحب الثأر، أخو صاحب الثأر، وكان معروفًا بين القبيلة أنه هو الذي يبحث عن ثأر قريبه، فاتهموا لأجل ذلك. فهنا إذا أقسم خمسون على ذلك الشخص بعينه، استحقوا القصاص إن أرادوا ذلك. قال صلى الله عليه وسلم: أتحلفون وتستحقون دم صاحبكم؟ وفي رواية: تأتون بالبينة. يعني ابتدأ بماذا؟ بالبينة. ما هي البينة؟ إما أن يشهد، يأتي شهود، شهودان عدلان يشهدان على رؤية القتل، وأن فلانًا قتل فلانًا. هذه بينة، فيستحقون قتل صاحبهم، أي قتل القاتل. فإن لم يكن ثم بينة، انتقل إلى ماذا؟ الإقرار. ما هناك إقرار، انتقل إلى ماذا؟ القسامة. إذا قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: تأتون بالبينة؟ قالوا: ما لنا بينة. فقال: أتحلفون؟ قالوا: وكيف نحلف ولم نشهد ولم نر؟ يعني أمرهم طلب منهم النبي صلى الله عليه وسلم القسامة، يحلفون خمسين. قالوا: كيف نشهد ولم نر ولم نشهد؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فتحلف لكم يهود. قالوا: ليسوا بمسلمين. وجاء في بعض روايات: إذن يحلفون ولا يبالون. وفي بعض روايات: إذن يكذبون. قال: فوداه رسول الله صلى الله عليه وسلم عنده، فبعث إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم مئة ناقة، حتى أدخلت عليهم الدار. فقال سهل: فلقد ركضتني منها ناقة حمراء. ها تأكيد لأدية المدفوعة من قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم. ومنه استفاد العلماء رحمهم الله تعالى الأحكام أو الأحكام السابقة، أن القسامة لا تثبت إلا عند عدم البينة، وعند وجود اللوث، وأن يقسم حينها خمسون من أهل القتيل على أن فلانًا بعينه، أو على أن الجهة المعينة، القبيلة المعينة، البلدة المعينة، هي التي قتلت. فإن كان قسامه على معين، استحقوا القصاص. وإن لم يكن على معين، استحقوا الدية من القبيلة الأخرى أو من الجهة الأخرى أو من البلدة الأخرى. فإن لم يقسم، أبوا القسامة، قالوا: ما رأينا وما شهدنا، ولن نشهد على شيء، ولن نقسم على شيء لم نشهده. فينتقل إلى ماذا؟ إلى المدعى عليه فيؤمرون بالقسامة. فإن أقسموا، فلا شيء عليهم، أي يقسم خمسون منهم خمسين قسما. وإن أبوا أو أبى بعضهم، وجبت عليهم الدية. وفي حالة أن أولياء الدم رفضوا أن يقسم المدعى عليه، ورفضوا أيضًا أن يقسموا هم قبل ذلك، رفضوا أن يقسموا لأنهم لم يروا، ورفضوا أن يقسم المدعى عليه خشية الكذب، إما لأنهم عرفوا بالكذب والفجور أو لغير ذلك من الموانع. فحينها قالوا: يديه ولي الأمر من بيت مال المسلمين، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم، كما في هذا الحديث. قالوا: فدل ذلك على مشروعية القسامة، وأنها أصل من أصول الشرع، مستقل بنفسه، كما تقدم، ليس داخلا تحت أصل آخر. الثالث: حكمتها. شريعة القسامة لصيانة الدماء وعدم إهدارها. فالشريعة الإسلامية تحرص أشد الحرص على حفظ الدماء وصيانتها وعدم إهدارها. ولما كان القتل يكثر بينما تقل الشهادة عليه، لأن القاتل يتحرى بالقتل مواضع الخلوات، جعلت القسامة حفظًا للدماء، كما تقدم. المسألة الثانية: شروط القسامة. أولًا: أن يكون هناك لوث، وقد سبق بيان معناه. الثاني: أن يكون المدعى عليه مكلفًا، فلا يصح الدعوى فيها على صغير ولا مجنون. يعني إن يدعوا أن الصغير هو الذي قتله أو المجنون فلان هو الذي قتله، فليس فيه القصاص، وليس فيه ماذا؟ القسامة. الثالث: أن يكون المدعون مكلفين أيضًا، فلا تسمع دعوى صبي ولا مجنون، لأنهم غير مكلفين. الرابع: أن يكون المدعى عليه معينًا، كان يقال: فلان قتله. فلا تقبل الدعوى على شخص مبهم. هذا لإثبات القصاص. الخامس: إمكان القاتل من المدعى عليه. عندنا المدعون بالكسر، الصواب المدعى بالفتح. إمكان القاتل من المدعى عليه. فإن لم يمكن منه القاتل، لبعده عن مكان الحادث وقت وقوعه، ونحو ذلك، لم تسمع الدعوى. يعني مثال ذلك: كما سمعتم، يقول: نحن نتهم فلانًا بأنه قتله، هو القاتل. فيشهد الناس بأن فلانًا في ذلك اليوم لم يكن موجودًا، كان في البلدة الفلانية أو في المكان الفلاني، أي ليس موجودًا في البلد الذي وقع فيها القتل، ولا يمكن وجوده. فمثل هذه الدعوى لا تقبل. لماذا؟ لأن الكذب فيها ظاهر، والامتناع فيها ظاهر. فلا يستحق القصاص من كان هذا حاله. السادس: ألا تتناقض دعوى المدعي، تتناقض، تارة يتهم فلان وتارة يتهم فلان آخر، تارة يقول: قتلوه في مكان كذا، وتارة يقول: لا، ما قتلوه، وإنما قتلوا في مكان كذا وكذا. يظهر على كلامه التناقض، إما باعتبار القاتل، وإما باعتباره أخرى. السابع: أن تكون دعوى القسامة مفصلة موصوفة، فيقول: أدعي أن هذا قتل ولي فلان بن فلان، عمدًا أو شبه عمد أو خطأ. ويصف القاتل. وهذه مسألة كذلك وقع فيها شيء من الخلاف، وهي هل قسامة خاصة في قتل عمد، أم يدخل فيها شبه العمد والخطأ؟ أم يدخل فيها شبه العمد والخطأ؟ خلاف بين العلماء رحمهم الله تعالى في هذا. جماعة من أهل العلم من القائلين بالقسامة، خصوها بالقاتل العمد، لأنه هو الذي يترتب عليه ما تقدم ذكره، والأصول الشرعية في باب القسامة تدل على هذا المعنى، على أنه خاص في باب القاتل العمد. أما إذا لم يكن في باب القاتل العمد، كالخطأ أو شبه العمد، هل يدخل فيه ذلك أم لا؟ فكما سمعتم، بعض أهل العلم قال بذلك، وآخرون قالوا: لا يكون كذلك. مثال ذلك: كيف لو أن إنسانًا رؤي عليه مثلا أثر ضربة بسوط، أثر ضربة بسوط، مات على إثرها. فهل لهم أن يقولوا: نحن نتهم الشخص الفلاني بأنه هو القاتل، ويأتون بقسامة، وإلى غير ذلك مما تقدم في أمور قسامة، ويستحقون فيما يستحقون؟ أم لا؟ كما سمعتم أن الأصح القسامة قالوا: في العمد، لذا يستحقون فيها القصاص. فهل يدخل فيها كذلك شبه العمد، فيستحقون فيها الدية؟ هذا كما سمعتم، وقع فيه شيء من الخلاف. المسألة الثالثة: صفة القسامة. قالوا: إذا توافرت شروط القسامة، يبدأ بالمدعين، فيحلفون خمسين يمينًا، توزع عليهم على قدر إرثهم من القتيل، أن فلانًا هو الذي قتله. فيقولون ذلك بحضور المدعى عليهم. لقوله صلى الله عليه وسلم في حديث ابن أبي حثمة الماضي: أفتستحقون الدية بأيمان خمسين منكم؟ كما تقدم. قال: فإن أبى الورثة أن يحلفوا أو امتنعوا من تكميل الخمسين يمينًا، فإنه يحلف المدعى عليه خمسين يمينًا، إذا رضي المدعون بأيمانهم. لقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث المتقدم: فتحلف لكم يهود. قالوا: ليسوا بمسلمين، ولم يرضوا بأيمانهم. فإذا حلف، أي المدعى عليه، برئ. وإن لم يرضى المدعون بتحليف المدعى عليه، فدى الإمام القتيل بالدية من بيت المال، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم عندما فدى القتيل من بيت المال، عندما امتنع الأنصار من قبول أيمان اليهود، لأنه لم يبق سبيل لإثبات الدم على المدعى عليه، فوجب الغرم من بيت المال، لفعله صلى الله عليه وسلم المتقدم. قالوا: لئلا يضيع دم المعصوم هدرًا. ويروى عن عروة بن أبي شيبة رحمه الله تعالى في مصنفه: أن رجلًا من المسلمين قتل في زحام الحاج في يوم عرفة. فقال علي لعمر رضي الله عنهما: يا أمير المؤمنين، لا يطل دمه، أي لا يهدر دمه، فيودى من بيت المال. فوداه عمر. قالوا: هذا في هذا المعنى، قتل ولا يعرف له قاتل، مع الزحام، ناس يسيرون، وجدوا إنسانًا مقتولًا، من قتله؟ الله أعلم. ففي مثل هذه الحال، قالوا: يكون أو تكون الدية من بيت المال المسلمين. قالوا: ومن قتل في الزحام، نعم، سيأتي الأثر الآن. ومن قتل في الزحام أو في الزحام، فإنه تدفع ديته من بيت المال. لما روى عن علي رضي الله عنه أنه قال لعمر رضي الله عنهما، في رجل قتل في زحام الناس بعرفة: يا أمير المؤمنين، لا يطل، أي لا يهدر، لا يطل دم امرئ مسلم، إن علمت قاتله، وإلا فأعط ديته من بيت المال. هذا وصدق زحام، قتله قاتل، من هو القاتل؟ الله أعلم. فعلى هذه الفتوى، إما أن يثبت القاتل، فيستحق القصاص. وإما أن تدفع الدية من بيت المال، لأجل أن لا يهدر دم المسلم. والله تعالى أعلى وأعلم. وسبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

شاركنا على